لعــــبــة الـــنـهــــرقصص للأطفال
موفق نادر
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2003


الإهداء

إلى الأطفال الأحباء
الذين لم يعد آباؤهم من جبهات البطولة والمجد لأنّ دماءهم قد تناثرت لتروي شقائق النعمان في سفوح الوطن..
ومن أجل أن تظلّ الأرض الطيبة.. أرضنا الغالية تفوح برائحة الحرية والبسالة..
إلى أحبائنا أبناء شهداء هذا الوطن
أهدي هذه المجموعة.
 


الشـــهيد


كنا متلهفين لسماع بقية القصة حقاً!
فمعلمنا الجديد لديه قصص رائعة ما سمعنا مثلها من قبل!! يكفيه أن يقول: "مرة يا أبنائي". حتى ينقطع الهمس، ويخيّم الصمت تماماً، فلا صوت إلا صوته، يعلو تارة وينخفض أخرى ونحن ننظر إليه بلهفة واندهاش، متجاهلين صوت الجرس الذي بدأ يقرع معلناً نهاية الحصة وبدء الاستراحة..
"لا نريد أن نخرج.." قال كلّ واحد منا، إلا جاري حسّان لم يعجبه ذلك أبداً، فهو مضطر للخروج ليهيئ وظيفة الدرس التالي، كعادته دائماً، لكزني فجأة لأكون شريكه في مطلبه، لم ألتفت إليه، حتى لا تفوتني كلمة واحدة مما يقوله المعلم، بل دستُ على رجله ليسكت فأنَّ قليلاً وانزاح إلى طرف المقعد..
ازدادت نبرات المعلم ارتفاعاً، وهو يلوي فمه مقلَّداً الضابط الصهيوني الذي كان يحقق مع أحمد، طالب الصف العاشر، حيث أوقف وهو يهاجم دوريات العدو بحجارة الشارع..
قال الضابط:
أأنت من نابلس؟
-نعم
-ومن علّمك الاعتداء على دورياتنا؟
-....
-أجب!
-ومن قال أنني أعتدي؟!
-آ.. أنت الآن من يسأل! ماذا فعلت إذاً؟ هل قدّمت لهم الحلوى؟
-نعم.
-أنت تسخر مني أيها القذر؟!
-ولماذا أسخر؟! إن الضيوف الذين يجيئون من باب الدار نفتح لهم قلوبنا، ونشاركهم طعامنا، نعم ونقدم لهم الحلوى وكل ما لدينا من طيبات! لكن ماذا تقدم لمن جاءك متسلقاً السور، وأطلت بندقيته قبل أن يظهر وجهه؟! هل تقدم له سوى الرصاص؟ والحجارة هي رصاصنا كما تعلمون!.
-هكذا إذاً؟!.. أنت تحفظ درسك جيداً، ألم تنل ما يكفيك من التعذيب؟
-التعذيب يجعل الدرس أكثر وضوحاً.
-حسناً.. سترى!
صار معلمنا يلهث وهو يسرع لإكمال القصة بأقصر وقت ممكن، وأحسسنا أننا نلهث معه.. "عرف أحمد بعد أن عصبوا عينيه، أنهم ينقلونه إلى معسكر لاعتقال السجناء العرب، وقدّر من المسافة التي قطعتها السيارة العسكرية أنه سجن الرملة"، فهو يعرف أرض فلسطين شبراً شبراً..!
كانت الزنزانة التي رموه فيها مظلمة موحشة، فأحسّ قلبه ينخلع من صدره، بينما لا يسمع إلا صوت قطرات الماء القذر تتقاطر من السقف الرطب تذكر زملاءه وأهله، غرفة الصف ودروس التعبير التي يحبها جداً فراح يدق بقبضتيه جدران الزنزانة دقاً عنيفاً، وفجأة سمع دقاً من الزنزانة المجاورة ثم أخذ هذا الصوت يعلو حتى شعر أن السجن كله يهتز تحت قبضات رفاقه المحبوسين في الظلمة، عندها فقط أحس جسده يرتعش بالسعادة والقوة فجلس وبدأ يغني..
هكذا يا أحبائي –قال المعلم- يوماً ما سيكون هناك حرب!
أما الأغنية التي أنشدها أحمد في ذلك اليوم فسأقولها لكم في درس قادم، والآن هلموا لتنالوا ما تبقّى من الاستراحة، ثم لملم أوراقه سريعاً ومضى..
ولم يكن هناك درس قادم لمعلمنا هذا، لأن معلماً آخر احتل مكانه بعد أن ذهب فجأة..
قبل أن يودعنا..
كان معلمنا الجديد أصغر سناً، وأقلّ معرفة بالقصص الرائعة، وكنّا كلما لمّحنا له بذلك ابتسم ابتسامة رقيقة وتهرّب من الإجابة بلطف عن أسئلتنا الكثيرة:
أين ذهب؟ ولماذا لم يعد؟ وإذا عاد فهل سيكون ذلك قريباً؟!
إلا حسّان فلم يكن شيء من ذلك يشغل باله، فهو لا يكاد يسمع صوت الجرس يقرع حتى يقفز كالغزال ليكون أول الخارجين، لكنا استغربنا حين رأيناه يقف فجأة، ومن دون أن يستأذن المعلم سأل: أستاذ.. متى تبدأ الحرب؟
توقف المعلم عن الكتابة على السبورة، وهو ينظر إلينا بذهول وهو يسألنا:
ومن قال لكم أن حرباً ستبدأ؟!
فأجبنا بصوت واحد:
كلهم يقولون يا أستاذ!
ابتسم المعلم ابتسامته الرقيقة، وقال:
قريباً..! وعاد يكتب على السبورة أنشودة عن النهر...
وكان ذلك اليوم الموعود قريباً جداً، فبعد يومين فقط كنت ترى الشوارع تزدحم بالناس وهم يتحدثون عن الحرب!
ومع أننا كنا نفهم معظم هذه الأحاديث إلا أن كلمات فيها كانت تزعجنا جداً مثل "خط بارليف" أو "الجسر الجوي"!
حتى أمي وهي تجلس قرب الشمعة المشتعلة، تعيد علي تلاوة قطعة الإملاء كانت منشغلة بالحرب، فراحت تنقّل نظراتها بيني وبين لهب الشمعة المهتز وقد عرفت كيف تختار الكلمات التي ستمليها علي، سكتت قليلاً، ثم قالت: اكتب.. "أسقطنا للعدو خمس طائرات، سقطت إحداها عند بيادر القرية، فرأتها رباب، وهي تبحث عن جديها الهارب، فنسيت الجدي وركضت مع الناس، لترى حطام طائرة العدو.." انتهى.
نظرت أمي إلى الورقة ثم عضّت على شفتها وهي تنظر إليَّ عاتبة، فقلت مرتبكاً: ماما هل أخطأت؟!
-قلت طائرات، خمس طائرات، وليس طائرة.
-نعم خمس طائرات
-لماذا إذاً كتبتها بتاء مربوطة؟!
فانتبهت، نعم لقد أخطأت! لكنني قلت محتجّاً بمرح:
لأنها طائرات معادية، تسقط سريعاً فهي مربوطة!
ابتسمت أمي بفتور وقالت: صحيح!
وصححت، لكن قطعة الإملاء هذه ملأت نفسي بحزن كبير شغلني طويلاً وكاد ينسيني سؤالي عن معلّمي القديم، وكيف أنه كان يعرف سلفاً أن الحرب لا بد ستقوم، ولم أعد أفكر بالأغنية التي غنّاها أحمد الفلسطيني في سجن "الرملة" فلدي ما هو أهم من ذلك!
كيف قدّر لرباب الصغيرة البلهاء أن ترى طائرة العدو المحترقة، وأنا نفسي لم أرَ واحدة حتى الآن؟!
أيكون السبب أن لها جدياً يضيع فتبحث عنه؟! أيمكن ذلك؟! ولم تكن أمي تجيبني عن كل تلك الأسئلة، مرة تكتفي بالضحك، فإذا أجابت فإن كلماتها القليلة لا تشبع ولا تقنع بينما هي ساهمة وكأن شيئاً لا أعرفه يشغل بالها..
وأخيراً حينما جئتها سائلاً كالعادة مسحت شعري بيدها الرقيقة وهي تقول:
يا بني أرى أنك تنشغل كثيراً عن واجباتك المدرسية! أنت لم تعد الأول في صفّك، أليس كذلك؟!
فأقسم لها أن ذلك غير صحيح، وأنا أتمتم غاضباً:
تأتي إليهم لتسألهم فيبدؤون بسؤالك! كلهم يسألون ولكن ما من أحد يجيبك إذا سألت!!
كلهم يذهبون فجأة، ولا أحد يعرف إلى أين..
أي سوء حظ هذا؟! حتى الأولاد الصغار الذين بالأمس فقط "فقسوا" من البيضة، الأولاد والبنات يرون أشياء غريبة، يرون طائرات تحترق، عشرات الطائرات تهوي كل يوم، يرونها جميعها..
وأنا لم أصادف أن رأيت حتى واحدة! فمن يقول لي كيف..؟
سنوات عديدة مرّت حتى عرفت الجواب على أكبر الأسئلة التي احتلّت مخيلتي حينما التقيت معلمي الأول في مكتبة المركز الثقافي، حيث اهتديت إلى استعارة كثير من الكتب، كنت أقرؤها بشغف وشوق، وفي مقدمتها تلك القصص التي تروي بطولات حرب تشرين فكانت جزءاً كبيراً من ذكريات طفولتي.
كانت مصادفة رائعة أن أراه، يقف عند أحد الرفوف، يتصفّح كتاباً وقد عقد حاجبيه كما كان يفعل وهو يروي لنا القصص المثيرة فتصل أحداثها المتشابكة إلى موقف حرج..
لم يتغير كثيراً، فقط بعض الشعرات البيضاء لوّنت سالفيه، فبدا أكبر قليلاً مما عرفته.
"أستاذ.." ناديته حين اقتربت منه
استدار بتمهل وهو لا يزال يحمل كتابه، لم ينطق بكلمة، بل فتح ذراعيه وعانقني بقوة حتى أحسست الكتاب في يده قاسياً على ظهري، وهو يقول بهدوء أنت أطول مني الآن! كيف حالك؟ أأنت بخير؟
-الحمد لله، وأنت يا أستاذ كيف أحوالك؟
تناول الكتاب من يدي ونظر إلى عنوانه وهو يبتسم، ثم سألني:
هل تقرأ دائماً؟
قلت: نعم، تقريباً!
وأوشكت أن أصافحه مودّعاً مرتبكاً من هذه المصادفة غير المتوقعة، حينما أمسك يدي وقال:
تعال أعرّفك على ابني
وفي البيت رحّبت زوجته بي وجلست، فقدّمني إليها:
انظري يا فاتن، هذا الشاب كان قبل الحرب واحداً من تلاميذي الأذكياء المجدين، لم أره منذ ذلك الزمن، حتى التقيته مصادفة اليوم...
كم من الحوادث مرت!! فهزت رأسها مبتسمة وهي ترحب بي:
أهلاً وسهلاً بك.. وعسى أن تكون حققت طموحك في دراستك
-نعم، الحمد لله، شكراً لك.
كانت الكتب والقراءة الدائمة قد جعلتني ميالاً إلى الصمت، أفضّل الاستماع على التحدّث، وأنا أقارن ما أسمعه بما قرأته في بطون الكتب من معارف وأفكار.
والآن كان لا بد من حديث طويل بيننا، وكأن معلمي قد أحس ذلك فخفف عني حرج السؤال عندما قال:
أنت حتماً تريد أن تعرف حكايتي، سأرويها لك فاطمئن!
اشرب القهوة أولاً.
فرشفت فنجاني وأنا أرمقه بنظراتي. ضحك وهو يقول:
من أين أبدأ؟ أنت تتذكر الفترة التي سبقت الحرب، فترة بغيضة، تحمّلنا فيها كل أنواع التبجح والغطرسة من أعدائنا الأنذال وهم يتقنون كل أساليب الاستفزاز ببراعة لا شبيه لها!
فمع أنهم سلبوا وطناً كاملاً، وشرّدوا كل أبنائه تحت كل نجم، كانوا يتباهون أن ذكر العربي يثير في أنفسهم الهزء والسخرية!
هل تذكر؟ كل صباح كانت هناك بقعة أخرى من الأرض يحتلها الصهاينة فيمسحون بجرافاتهم كل معالمها العربية، معلنين أنها أرض آبائهم وأجدادهم، بينما أهلها العرب ينضمّون إلى قوافل المشردين الضائعين.
وهكذا كانت الحرب هي الخلاص، نعم الحرب، حرب تزغرد لها الأمهات العربيات بعد طول القهر والذل والعذاب، فكانت حرب تشرين..
تراكضت الذكريات في ذهني بينما كان معلمي يتنفس بعمق مكملاً كلامه:
أسفت لأنني لم أستطع أن أودّعكم في المدرسة، فقد كان الاستدعاء العسكري سريعاً جداً، مرّت ساعات قليلة فإذا أنا قائد جماعة من الجنود، بندقيتي الرشاشة تلتصق بجسدي ليلاً ونهاراً، ونحن مثل أسرة واحدة نملأ التحصين بأحاديثنا وضحكاتنا، نضحك كأن لا شيء في نفوسنا سوى الفرح الكبير، وكان أكثرنا مرحاً وضحكاً شاب طويل القامة، تجاوز العشرين بقليل دوت ضحكته الرنانة طويلاً حتى كاد أن يختنق، فأسرع خارجاً من التحصين يستنشق الهواء البارد، وما كاد يطل برأسه نحو الفضاء حتى عاد وشخص أمامنا، لم ينطق، بل تناول رشاشه، هزّه بيديه، وهتف بأعلى صوته:
أعرف أنك ستكون عظيماً..!
فقلنا ضاحكين:
أيّة تمثيلية هذه؟ ماذا تعني؟!
فأجاب بثقة: إنها الحرب أيها الأصدقاء، لا بد ستقوم الحرب قريباً أنا أعرفها من وجهها، قوموا انظروا.. الصمت الرهيب، ليس في الكون حتى نسمة، صدقوني سوف تبدأ.. فلا تزعجوني رجاءً لأني سأجلس الآن لأكتب رسالة..
قلت: ليس الآن وقت الرسائل، تعال، سأروي لكم حكاية تضحككم حتى التعب!
قال: لا، لا أريد أن أضحك بعد.. دعني أكتب رسالتي.
ولم يستطع أن يكتب شيئاً، بل جلس متربعاً وهو يحكّ جبينه بالقلم..
ساعة، ساعتين ثم نهض ونام دون أن يجرؤ أحد على إضافة كلمة..
وفي الغد صدقت نبوءته فعلاً..
ففي الساعة الثانية بعد الظهر، أزّت أجهزة اللاسلكي توزع الأوامر والمهمات، وانطلقت أسراب طائراتنا تقصف في عمق تحصينات العدو الذي أفاق مذهولاً لا يصدق أن يرى جندياً عربياً يقف أمامه مباشرة ويقول له:
هذه هي الحرب! ألست تحبها؟ فانهض واقبض ثمن وحشيتك، انهض! لك معنا ثمن كتب الأطفال التي تناثرت مع أجسادهم.. تحت قصف قنابلكم!
ساعة واحدة مرت، كان الأفق يشتعل، هل تخيلت الأفق مرة، وقد تحول إلى كتلة من لهب؟!
كان جنودنا قد توغلوا عميقاً داخل جبهات العدو، وكنت تسمع على أجهزة اللا سلكي، إضافة إلى الأوامر والتعليمات، أناساً يغنون بأصوات خشنة بعيدة، أما مهمة جماعتنا فقد كانت البقاء في موقعنا، سلاحنا بطارية من صواريخ "السام" وبنادقنا الرشاشة لنصطاد كل الطائرات المعادية التي تتجرأ فتقتحم أجواءنا لتقصف مدننا وقرانا.
لم نستغرب طبعاً كيف استطاع صديقنا صاحب الرسالة أن يتنبأ بهذه النبوءة الصائبة، فإذا كنت تذكر، كان الناس يومها يحملون نبوءات مشابهة.
ينامون وهم يعرفون أنَّ الصباح قد يحمل إليهم جبهات تشتعل بالقذائف، فكانت أجهزة الراديو تنام تحت وسائدهم، وحين قامت الحرب. استقبلها الناس دون دهشة وكأنها شيء حتمي ومنتظر.
فكان الفلاحون لا يزالون يذهبون إلى حقولهم مع الفجر، يبذرون بذارهم ويقتلعون الأعشاب الغريبة من بين زرعهم..
الأطفال فقط تغيروا قليلاً، حين تعلّموا لعبة جديدة أسموها "لعبة الحرب" حيث ينقسمون فيقوم فريق بالحراسة والدوريات، وينصرف الآخرون لتنفيذ المهمات القتالية، فإذا فرغوا منها، عادوا وأدّوا التحية للعلم الذي خاطوه بأيديهم ورفعوه فوق أحد البيادر أو السطوح.
لكن ما أحزنني أن صديقي الشاب لم يجد فرصة لكتابة رسالته، فلم يكن هناك وقت! وعدونا صبّ كل شراسته في غاراته الجوية في الأيام الأولى للحرب.
هل تستغرب أننا، وفي يوم واحد، أحصينا مائتي غارة فوق قاعدتنا فقط؟!
لم تكن شاشة الرادار تصفو أبداً، فسرعان ما تبدو فوقها نقاط مضيئة، ونحن ما علينا إلاَّ أن نقول: أهلاً وسهلاً!
لكن رغم كل هذه الطائرات التي أسقطناها، لم نمتّع أنظارنا برؤية إحداها عن قرب، كما فعل أهالي دمشق مثلاً، حيث خرجوا إلى سطوح منازلهم، يرقبون الطائرات المخيفة تتهاوى ساحبة خلفها ذيلاً من الدخان الأسود.
أما نحن فلم يكن هناك وقت!
فجأة وجدت نفسي أقاطعه: تقولون لهم أهلاً وسهلاً إذاً؟!
فأجاب ضاحكاً: وماذا تريدنا أن نفعل غير أن نرحب ترحيباً يليق بهم؟
قلت: أستاذ، هل زرت يوماً سجن "الرملة"؟
-لكن ذلك في فلسطين!
-ألم تكن هناك يوماً؟
-لم أفهم
-أتنسى "أحمد"؟
-أي أحمد؟
-الولد النابلسي الذي كان يقدّم الحلوى لجنود العدو حجارة يلتقطها من الشارع.
-آ.. أنت لا زلت تذكر؟ إنما أنا من القنيطرة، وأنت تعرف ماذا يعني ذلك بالنسبة إلينا!
يعني أن تجد نفسك وفي أيام قليلة، مطروداً من بيت أبيك وجدك، وبعيداً عن ذكريات طفولتك، تجرّ خلفك أسرة يتعسها الجوع والبرد وأنت عاجز عن أن تقدّم لهم شيئاً، تلك قصة أخرى تطول لو أردت روايتها، لكنني من يومها أقسمت لبلدي قسم الرجال أن أعود إليها كما خرجت منها تماماً بقوة الحرب والسلاح. ولقد عدت كما وعدت!


كم من القصص سمعت عن المآثر والبطولات! وكم من الأغاني والأناشيد صدحتْ في سماء الوطن، لكنّ قصة صديقي الفتى ظلت أكثر اختلافاً وأكثر غرابة، والتفت إلى زوجته، وقد عادت ببعض الفاكهة، قائلاً:
-فاتن أين الأولاد؟
-في الداخل، سامر يكتب، أما إياد فهو دائماً منهمك مع ألعابه فابتسم معلمي وهو يقول:
-دعيه يرح ألعابه وليأتِ قليلاً.
وجاء إياد بسنواته الخمس وألعابه التي تتقافز بين يديه، ناعماً كالهرة لكن عينيه الواسعتين كانتا تحملان أسئلة كثيرة وألعاباً لا حدود لها..
قال أبوه: إياد ماذا تفعل اليوم؟ فتقدم الصغير ليقف جانب أبيه دون أن يرفع نظره عني، ثم قرر أخيراً، فمدّ يده الصغيرة ليصافحني وقال:
أنا اسمي إياد وأنت ما اسمك؟
فذكرت لـه اسمي، مندهشاً من أسلوبه في الكلام الذي لا يشبه أسلوب طفل في الخامسة.
قال: هل تحفظ أناشيد وأغاني.. حكايات..؟؟
قلت: نعم أحفظ بعض الأناشيد عن العصافير والأنهار. فألقى نظرة سريعة على ألعابه، وكأنه يطمئن عليها ثم التفت إلي وقال:
أنشدني. فضحك أبوه قائلاً: لا ليس هذا الوقت المناسب يا بني! فنهض إياد عائداً إلى ألعابه، ملتفتاً نحوي كلما سمعني أتكلم فتبدو عيناه واسعتين بشكل غريب، نظراتهما لا تشبه نظرات طفل بل هي أقرب إلى نظرات رجل ناضج يعرف معنى كل كلمة مما يقال حوله.
قال معلمي:
إياد هذا ابن الحرب، لذلك فهو يذكّرني بها، على كلّ حال هو ولد صعب، إننا نمنح أخوته من الرعاية أقل بكثير مما نمنحه ومع ذلك فأنت قلّما تراه راضياً.. ولكن دعني أكمل لك قصته.
قلت: تفضل يا أستاذ.. فأنا مشتاق لمعرفة بقية أحداث القصة.
طوال أيام الحرب، ما كانت الغارات الجوية تتوقف قليلاً حتى يرمي صاحبنا خوذته جانباً، ويخرج من التحصين، ليستلقي على الأرض ساكناً، محملقاً في زرقة السماء، ثم نسمعه يغني بصوت دافئ حزين من مواويل الريف، عن الفرح والأعياد ومواسم الغلال!
وما كان أحد منا يظن أن ذلك الفتى النحيل الجسم يمتلك هذا القدر العظيم من الشجاعة، ولكن كيف نسي رسالته تماماً، وصار يغني لكل طائرة تهوي وهو يستلقي مستمتعاً بزرقة السماء؟!
من أين جاءته كل تلك البسالة؟ لم يكن أحد منا يعرف بالضبط، حتى أننا تساءلنا مرة:
أيمكن أن يحب الإنسان وطنه كل هذا الحب؟!
أيكون لحب الوطن قوة كقوة السحر؟! هكذا كان صديقي، قوياً جداً وغريباً جداً، ورقيقاً مثل الأطفال تماماً.
بعد شهور من بدء الحرب، كان كانون ينثر برودته بلا حساب خلال لياليه المعتمة ونحن نتحلق كل ليلة حتى ساعة متأخرة نرصد العدو ونتسلى بشرب الشاي، وسرد ذكريات الحرب التي لم تنتهِ على هضاب الجولان وسفوحه والتي لا تزال تجعل بنادقنا مشدودة وأيدينا على الزناد دائماً.. في إحدى هذه الليالي سمعنا صاحبنا يهمس وكأنه يحدّث نفسه: كيف يمكنني الحصول على إجازة يومين.. يومين فقط؟.. سأل بسرعة وعاد إلى ذهوله وكأنه لا يتوقع جواباً، وبالفعل لم يكن لهذا السؤال معنى في مثل هذا الوقت الصعب، فالعدو بدأ يصعّد من هجماته وقد أزعجه تقدم قواتنا والأعداد الكبيرة من طائراته المحطمة فصارت غاراته تزداد فوق المدن والقرى الحدودية، غير آبه بأن يسقط حمولته من القذائف والدمار ولو فوق مدرسة أو مشفى، ورغم كل جهود مقاتلينا الشجعان فإن الخطر كان لا يزال موجوداً، فكيف يخطر ببال صاحبنا أن يحلم بإجازة بينما نحن بحاجة إلى كل فرد في هذه المجموعة المهمة؟!
لا بد أنّ هناك سبباً كبيراً يدفعه إلى ذلك، فهو ليس من الرجال الذين يتنازلون بسهولة! لقد بدا مهموماً حقاً، وغشاوة من الحزن تكسو نظراته قلت، محاولاً التخفيف عنه:
تعال إن، غلبتني في لعبة شطرنج سعيت لك لتنال إجازة مدتها أسبوع فتنهد، وقال:
شطرنج، ألا تكفينا هذه الحرب؟! لا، عذراً لا أريد!
قلت: ما الحكاية؟
فأجاب: أيمكن أن تقدم لي معروفاً؟ قلت: أبشر ما دمت قادراً.
-حدثني عن أسرتك من فضلك
-أنت لست على ما يرام، فماذا حدث لك؟ وسمعته يضحك بفتور وهو يقول: أبداً، أبداً فقط أريد أن أسمع أخبار الناس لأرى إن كان في العالم من هو أتعس مني..
-بالتأكيد فحينما نسمع عن مصائب الناس وأحزانهم، تبدو مصائبنا الكبيرة لا شيء أمامها، وعلى كل حال أنت تعرف أني معلم ولي زوجة وطفل، وإذا كانت تهمّك التفاصيل، فنحن ننتظر مولوداً آخر قريباً، نسكن في بيت مؤجر فيه غرفتان صغيرتان ومطبخ يطل على الجيران، نصف مرتبي تأكله الكتب وديون عتيقة، وبالنصف الآخر نعيش حياتنا البسيطة، ماذا تريد بعد؟ سألته وأنا أضحك!.
-هكذا..؟ أتسمي هذا حياة صعبة؟
-هل تريد أن تفهمني أن حياتك أصعب بكثير؟!
-أنت احكمْ، إن لي أماً عجوزاً تكاد لا تقوى على المشي
قلت: وبعد؟
-كيف وبعد، أنت تعرف النهاية. جاء الصهاينة ليبعدوني عنها في وقت هي أحوج ما تكون إلي، فليس لها من أحد سواي، وأعتقد أنني لولاها لكنت محارباً ممتازاً.
-أنت غريب حقاً! ومن قال أنك الآن لست محارباً ممتازاً؟!
-كنت أشتهي أن أكون واحداً من هؤلاء الجنود الذين يتقدمون إلى العمق يواجهون العدو، ويخرجونه من أوكاره!
أريد أن أمسك جندياً صهيونياً وأهزّه من كتفيه لأفهمه أنه من العار أن يهجر وطنه الأصلي ليموت على أرض ليست لـه، وأنه ليس أكثر من دمية يحركها جنرالات يتاجرون بدماء الأطفال.
كنا نتحدث بصوت خافت بينما انصرف رفاقنا إلى لعب الورق، والليل من حولنا رائع بهدوئه لحظة هبّ أحد الرفاق فجأة وكأنه أفعى لسعته وصرخ: غارة.. غارة!
قفزنا فوراً حين أمسك صاحبي يدي وقال وهو يلهث:
أنت تنتظر طفلاً أليس كذلك؟ إذا كان صبياً عدني أن تسميه باسمي، سمِّه "إياد" ضغطت على يده وقلت: كفاك الآن!!
ولكنه أكمل: اذهب إلى أمي في أطراف الريف وقل لها أن إياداً سيعود إليك ذات يوم محملاً بالدواء والهدايا..!
كانت الغارة كثيفة ووحشية، لم نشهد مثيلاً لها قبلاً.. حامت الطائرات مزمجرة بالعشرات ورأينا عيونها الوحشية المحمرّة تنخطف هاربة من صواريخنا التي كانت تطاردها وتحرمها فرصة النجاة فتملأ فضاء الليل بلهيبها الوهاج.
ما كنا نسمع إلا أصوات الهدير والنداءات تختلط فتنزع عن الليل هدوءه الرقيق، راحت بعض الطائرات تنخفض باحثة عن أهدافها، حتى صرنا نسمع أزيز رشاشاتها وهي ترشق الصخور بالرصاص فتتطاير الشظايا النارية في كل اتجاه، ثم تغيب تلك الطائرات الأشباح قليلاً في بحر الظلمة لكي تعود من جديد.
فجأة رأيت إياداً يتناول رشاشه، ويهمّ مغادراً التحصين فصرخت:
إياد إلى أين تذهب؟ عد إلى مكانك.. عد.
قال، دون أن يلتفت إلي: سأعود حالاً!
وحين فتح الباب دخلتْ نسمة من نسمات الليل الباردة، فسرت رعدة في جسدي وشعرت بالخوف على إياد لأول مرة منذ التقينا.
رشف معلمي بعض القهوة، وارتسمت ملامح غريبة على وجهه، بينما كان شوقي لمعرفة المزيد يكبر ويزداد.
-نعم خرج إياد إلى العراء وكَمَنَ خلف صخرة، بعد أن لقم رشاشه وكأنه ينتظر وحشاً كاسراً سيبرز له في أية لحظة.
كان هادئاً، مطمئناً أكثر من أي وقت، حتى أنه أسند رشاشه إلى كتفه وبدأ يغني، حين أطلت تلك العين الشيطانية تضيء وسط النجوم، وتقترب سريعة كبيرة كما لم ترَ من قبل..
ومن الفوّهة المتجهة نحو الطائرة المقتربة بسرعة البرق انطلقت زخّة الرصاص سريعة لاهبة حتى آخر طلقة في المخزن، والغريب أن الطائرة لم ترتفع أبداً! بل تابعت مصطدمة بالأرض الرطبة، فأرسلت عموداً من اللهب وانفجاراً أجفلنا جميعاً، فهرعنا نطلّ برؤوسنا خارج التحصين..!
كان إياد لا يزال يتكئ إلى الصخرة وقد أضيئت الأرض تماماً، كان يضحك!! يضحك بسعادة مثل طفل وجد لعبته الحبيبة الضائعة!
لقد فعلها إياد وأسقط للعدو طائرة "شبحاً" ببندقيته الرشاشة! حتى أن طلقاته اخترقت قمرة الطيّار فلم تمهله ليطلق صواريخه وقنابله..
هتفنا بصوت واحد: إياد.. ماذا فعلت يا رجل؟؟
فنهض وهو ينفض التراب عن ثيابه، يحمل بندقيته، يضمّها إلى صدره، ثم يعود إلينا وهو يقهقه ويقول: لقد انتقمتُ منهم! نعم لقد أسقطت طائرة "فانتوم" برشاشي هذا!!.. ما تسقطونه بالصواريخ أسقطه ببندقيتي! ثم راح يقهقه.
اقترب منّي وهمس: أريد أن تقدّم لي خدمة!
قلت: بكل سرور، أطلب ما تشاء فأنت تستحق يا إياد!!
قال: غداً صباحاً سأخبرك.
ولم أستطع أن أفي بوعدي له، فقبل الصباح وصلت سيّارة عسكرية تحمل أوامر بنقلي إلى موقع آخر أكثر توغّلاً في جبهات القتال، فعانقت رفاقي واحداً واحداً، ضحكنا لننسى قلوبنا التي كانت تخفق بقوة!! وصدحت ضحكة إياد:
أيها الرفاق.. كل حرب وأنتم بخير! سنلتقي مرّة أخرى بلا شكّ إن لم تتحرر الأرض.
وجدت نفسي أعانقه وأهمس له:
سترى غداً أننا سنلتقي فوق أرض ترسم حدودها خضرة البيارات، وتغسلها شمس الحرية والكرامة، شدّ على يدي وقال: نعم، ولا تنسَ..!
ولم أنسَ وصيته لي، تذكرتها دائماً، وأنا أعلّم تلاميذي تهجئة الكلمات، أو حين أمسك أيديهم الصغيرة، أعلمهم كيف يرسمون أذناً للخروف الأبيض، وهو يرعى العشب الأخضر عند سفح التلة.
لقد أوصاني أن أسمّي ابني القادم باسمه، انظر هذا هو، ينبطح طول النهار خلف مخّدة أو فراش، بعد أن يوزّع ألعابه حوله، ثم يصنع معركة حقيقية.
كان عمره أسبوعاً حين عدت إلى البيت، وكان لا يزال بلا اسم.. ركضوا حتى باحة الدار وقالوا: "مبروك"، إنه صبي أسود الشعر، أكحل العين. قلت: نسميه "إياد!
وبهذا نفّذت نصف الوصية، وبقيت أحلم أن أرى سريعاً تلك العجوز التي أرسلتْ إلى الحرب شاباً يتقن إسقاط الطائرات أكثر مما يتقن كتابة الرسائل!
هل أطلت عليك؟ "قال معلمي"
قلت: لا، أرجوك قل لي هل استطعت أن تلقاها أخيراً؟
نهض معلمي وخطا باتجاه النافذة، فنظر إلى البعيد وهو يقول بصوته المتهدّج:
غريب منطق المستعمرين، فكل تلك الضربات التي تلقوها لم تجعلهم يفهمون العبرة، أن الظلم لا يخلق عند الشعوب إلا مزيداً من الكفاح والبسالة.
ففي الوقت الذي توقّعنا فيه انتهاء القتال، وجدنا الصهاينة يواصلون غطرستهم ويشعلون الحرب فوق قمم الجبال، وفوق سفوح الجولان المحتل لذا لم يكن إياد، كما اعتقدت، جالساً قريباً من أمه عند الموقد الدافئ، يحدثها عن ذكريات الحرب، بل علمت أنه لا يزال هناك في تحصين على إحدى الجبهات، يتابع النقاط المضيئة على شاشة الرادار، يطاردها بالصواريخ، فيسقطها متهالكة تجرّ نيرانها حتى أعماق الوديان، ولكن الذي عرفته فيما بعد أن رسالته إلى أمه وصلت أخيراً، فحينما اهتديت إلى داره بعد رحلة شاقة، وبعد وقت طويل.. طويل جدّاً..
حين وصلت، بادرتني أمه حتى الباب تتلمّس طريقها وهي تقول:
أنت الأستاذ؟ تفضل أهلاً وسهلاً!
فقلت متعجباً:
نعم، ولكن كيف عرفت؟
-اجلس ريثما آتيك بالطعام، وحين عادت قالت:
-لقد حدّثني إياد عنك وعمّا حدث معكما أيام الحرب، أخبرني أنك ستأتي لزيارتنا، قال لي:
إنه صديقي، وأنا أعرف أنه سيأتي مهما طال الزمن، رحبّي به وأكرميه يا أمي! فقد حاربنا معاً أياماً طويلة وقاسية، ونحن ندافع عن هذه الأرض..
-لكن أين هو؟ قولي لي.. إنني في غاية الشوق إليه!
لم تنتبه، ربما.. فقد تابعتْ حديثها:
قال لي: أكرميه يا أمي! فهو أخي وحبيبي.. كم كان يحبّك يا ولدي!! قال كلماته وذهب، وعدني أنه سيعود يوماً، لأن الأرض ستعود أيضاً..
-لكن أين إياد؟ أين هو؟!
نظرتْ طويلاً إليّ بعينيها المتعبتين، تفحصّتني بدقة، ثم نطقتْ كلماتها مرتجفة:
أأنت حقاً لا تعرف؟ ونهضتْ..
لم تغب طويلاً، وأنا أسمع دقات قلبي تقرع مثل طبل، عادت وألقت بين يديّ أوراقاً، عرفت فيها رسالة إياد.. لكم كانت كتابته جميلة!! رغم أن الرسالة مكتوبة بسرعة ظاهرة!
كلمات كثيرة تمتلئ بشوق حقيقي للأرض، وللأم، ولبيادر القرية، وللسنابل الملأى بالحب الناضج أكان إياد شاعراً؟! كثيراً ما كنت ألمحه ساهماً يفكر بعمق، ويغرق في صمت حالم وحين أناديه "إياد" يجفل فجأة: هل كلمتني؟
-فقط أريد أن أعرف بماذا تفكر كل هذا التفكير العميق؟!
-لا، مجرد أشياء صغيرة، كنت أقول لنفسي: كيف استطاع قوس قزح أن يرصف على هامته كل تلك الحزمة من الألوان الرائعة ثم يضحك..!
-أسأله: أأنت شاعر يا إياد، هل جرّبت كتابة الشعر؟
-أنا أحب هذا الأرض، ولا أعرف كيف أردّ لها بعض جمائلها..
فإذا كان هذا شعراً، فأنا إذاً شاعر!
جاءتني بالشاي وجلست قريبة مني.. قالت: أأنت قادم من بعيد؟
قلت: من أقصى الجنوب!
-كلكم متشابهون...!
قلت وأنا أبتلع آخر لقمة:
الطعام طيب، شكراً لك يا خالة.. وحين رشفت كوب الشاي، أمسكتني من يدي ونهضنا لتقودني نحو باب الدار وهي تهمس كلماتها التي تشبه البكاء أكثر: تعال لتعرف إياد على حقيقته، فجمدت في مكاني لكنها قالت: هيا نزره.
خارج القرية انتصب واحد من صواريخ "السام" الضخمة فوق منصته مشيراً برأسه إلى الفضاء الأزرق، فتنعكس شمس الصيف على جسده الفضي بحدّة، ثم تتطاير حزماً من الضوء الباهر.
كانت نفسي لحظتها مزدحمة بعواطف هي مزيج من الفرحة والغضب، من الألم والشجاعة والقهر، فاشتقت أن أفلت يدي وأركض طويلاً بين حقول الذرة الممتدة حتى الأفق، أستلقي فوق الأرض التي أحبها إياد حتى أحسّ ترابها يلتصق بجسدي ويدفئه.
عند قاعدة النصب كان تمثال نصفي لإياد بلباس القتال، يعتمر خوذته، ويسند بندقيته إلى كتفه ولمحت ابتسامة لا تزال على فمه مثل ابتسامة طفل طيب، حتى وجدت نفسي أبتسم لـه وأجثو قريباً منه لأقرأ: "إياد.. مثلما أَحبّ الأرض سنظل نحبه ونذكره".
مدَّت العجوز يدها في عبّها فأخرجت شمعتين قدّمت إحداهما لي وقالت: أشعل.
نظرتُ في عينيها فرأيتهما تبتسمان، آنذاك وجدت نفسي أمسك يدها الكبيرة الخشنة، أرفعها إلى فمي، وأقبّلها طويلاً وأنا أهمس لها:
أجل يا أمي.. سنظل دائماً نحبه ونذكره!



صفقة رابحة


ابن عمي عدنان ولد يحلو لك أن تظلّ معه!!
إنّه حين تصل سيارتهم إلى باب بيتنا، وقبل أن تتوقف عجلاتها تماماً يقفز مثل جندب ناسياً حتى أن يسلّم علينا فلا يتوقف إلاّ في الحظيرة بين الجديان والخراف الصغيرة!
ثم تبدأ المعركة، يطاردها ليحمل أحدها، وهي تفرّ من أمامه قافزة وكأن أرجلها قد تحوّلت إلى نوابض...
أخيراً ها هو يمسك جدياً صغيراً يلمع شعره الأسود، وكأنه دهن بزيت الزيتون، سوى بقعةٍ بيضاء كانت تحتل جبينه مثل نجم وهذا ما جعلنا نسميه "الأنجم". كان عدنان لحظة الإمساك به يبدأ يقبّله ويمسح شعره الناعم بيديه، وهو يضمّه إلى صدره حتى يحس نبضات قلبه، سعيداً حتى أعماقه، عندها فقط يفطن إلى وجودنا حوله فيبدأ يضحك، بينما الجدي "الأنجم" يثغو بين يديه بصوت يشبه صوت المزمار محاولاً الإفلات.
قلت لأبي: لماذا يحبّ عدنان الخراف والجديان كل هذا الحب؟!
ضحك أبي وقال: ألا ترى أنه يشبهها فهو مثلها يحب القفز والركض بلا كلل أو ملل، ثم أنهم في المدينة لا يرون هذه الحيوانات اللطيفة أبداً..!
عجيب أمر هذا الولد!! فأنا مستعد أن أمنحه كل ما لدينا من جديان مع أمهاتهم مقابل أن يكون لدينا مثل سيارتهم الأنيقة التي يتحلّق الأولاد حولها الآن.. يتلمسون دهانها اللامع ويتفحصون أضواءها وما ترسمه إطاراتها على التراب من نقوش جميلة!
لكن عدنان لم تكن مداعبته للخراف كافية، فهو سرعان ما يودّعها ليمتطي ظهر حمارنا الرمادي رافضاً أن يساعده أحد، ثم يهرع به إلى البيدر، وكأن الحمار يعرف أن راكبه ضيف بلا خبرة في الركوب فيبدأ يحرن هنا ويرفس الأرض برجله هناك، وقد يُسقط الفارس الصغير لكن عدنان لم يكن يتألم أبداً! حتى لا يكلّف نفسه أن ينفض الغبار عن ثيابه، بل سرعان ما يعود لامتطاء الجحش الأغبر اللعين الذي يرضخ في النهاية ويسير إلى البيدر! حتى بعد أن يصل ويبدأ بقضم سنابل القمح بنهم، لم يكن عدنان يترجّل عن صهوته..
وهو يأمره بصوت عالٍ: حا. حا. امشِ ثم هش. هش. توقَّف
وسرعان ما تنتهي العطلة ويتأهب عمي وأسرته للعودة إلى المدينة حيث يقيمون منذ مدّة طويلة وتكون ليلتنا الأخيرة معاً حافلة بالسمر والضحك والكثير من الأحاديث الطريفة.
ويظل أطرفها على الإطلاق تلك القصص التي يرويها عمي المحامي القدير عن أغرب الحوادث التي سمع عنها أو رآها! ويطول السمر حتى يغفو الأطفال منكسين رؤوسهم فوق صدورهم ليحملهم أهلهم إلى فرشهم ضاحكين، ودائماً يكون عدنان أسبقهم جميعاً إلى الإغفاء لكثرة ما يتحرك ويتعب في النهار.
ولكننا فوجئنا به يعود إلينا متمايلاً كالسائر في نومه ثم يخاطب والده:
أبي أنت محام بارع وشهير أليس كذلك؟
-هكذا يقولون!
*وأنت قادر على أن تقنع الآخرين؟!
-بالحق طبعاً!
*إذاً أرجوك أقنعْ عمي أن يقبل السيارة منّا مقابل أن يعطينا الجحش الأغبر..
وقهقه الجميع بصوت عال بينما ظل عدنان واقفاً ينظر إليهم مستغرباً لا يعرف سبباً مقنعاً لهذا الضحك كلّه.



اختراع أنمار


"أنمار" ولد غريب حقاً!! وأغرب ما فيه أنه لا يسمّي الأشياء بأسمائها! فهو يعبّر بطريقة لا نسمعها من الأولاد الذين في عمره أبداً حتى صار الناس يتحرّشون به ويسألونه عن أشياء يعرفونها، فقط كي يسمعوا أجوبته العذبة، والتي تملؤها الضحكات المختبئة في زواياها. وكأنه يروي نكاتاً..
وحتى الآن لا يزال الناس يتذكرون ما قاله أنمار يوم امتطى مع أبيه حماراً أغبر. راح ينزل بهما المنحدر بطيئاً ومع كل خطوة كانت البردعة التي لم تُشدّ جيداً تزحف باتجاه عنقه، عندها سأل أنمار أباه ببرودة: هل ستظن أن الحمار سينتهي قبل أن نصل آخر السفح؟! والذي حدث أن أباه سقط أرضاً ثم سقط أنمار فوقه بينما وقف الحمار وقد أصلى أذنيه لا يفهم شيئاً مما حدث!
قلت لـه مرّة: من أين تأتي بهذه الأفكار يا ولد!؟.. قال:
*اسمع هل للغيمة رأس تفكر به؟!
-لا ليس لها رأس، لماذا؟
*ومع ذلك فهي تهطل مطراً يسقي الناس والأشجار!
-قلت لم أفهم.
*قال جربْ أن تلمس واحداً من هذه الزيزان الخضراء ستراه ينقلب على قفاه، متظاهراً أنه ميت حتى تبتعد عنه، فيضحك منك ثم يتابع زحفه.
-هذا مكر.
*هذا ذكاء فقط والعصي وحدها لا تفكر لأنها ليست ذكية.
شغلني أكثر فأحببت أن أثيره!
-والحجارة، ألا تفكر؟!
صفن ثم اقترب مني ونظرا في عيني تماماً.. قلت:
-ما بك أنك تخيفني؟!
انحنى وأمسك حجراً بحجم قبضة اليد وراح يتأمله طويلاً ثم نطق:

*ليست الحجارة سواء يا صديقي إنها مختلفة مثل البشر!
-كيف لم أفهم؟
*لو كان هذا الحجر في غزَّة لرأيته مثل كوكب يطير وكأن لـه جناحين، نعم سيطير مثل كوكب راسماً خلفه ذيلاً من ذهبٍ أحمر!
-هل تتمنّى لو أنك هناك بين الأولاد الشجعان الذين يكسرون أنياب الوحش؟!
نظر إلى البعيد البعيد ومطّ صوته وكأنه يغني:
-أنا هناك يا صديقي أنـــا هناك، وراح مبتعداً كأنه لم يعد يراني..
اليوم رنّ جرس الهاتف في بيتنا، كان أنمار على الخط.. قال:
*تعال سأريك شيئاً يعجبك.
-الآن؟
*نعم، نعم الآن! وفي الطريق حاولت أن أخمّن اكتشافه الجديد.. قد تكون لعبة جديدة أو لوحة رسمها ببراعة مثلما عوّدنا! وقبل أن أصل بيتهم بخمسين متراً سمعته ينادي:
*قف عندك وانتبه حتى لا تصيبك الحجارة، وقفَ لكي أراه، ثم انحنى قليلاً لتنطلق كومة كاملة من الحجارة تناثرت حولي وراحت تتدحرج بينما أنمار يقهقه فرحاً.. ركضت إليه:
-هل استدعيتني لترجمني أيها اللعين؟! ضحك..
*لا لا، هل أعجبك اختراعي؟!
نظرت إليه، كان يوشك أن يطير من الفرح وهو يهتف: إنه منجنيق حقيقي هذا سيمطر الجنود الصهاينة بوابل من الحجارة فلن يمهلهم ليسددوا على رؤوس أطفال فلسطين إنه هديتي إليهم!!
منذ بدء الانتفاضة لم يعد أنمار ولداً طبيعياً وغابت النكات التي كان يلقيها أينما ذهب وبدلاً من الابتسامة الدائمة التي لم تكن تفارق وجهه بدا دائماً مشغولاً وحزيناً، وها هو فرحه يعود إليه الآن دفعة واحدة!
-قلت أنمار كيف خطرت لك الفكرة؟!
*قال تعال وجرب وراح يملأ كفة خشبية بكومة من الحجارة والحصا، اقتربتُ، وبحركة واحدة اندفعتْ متناثرةً، كأن يداً سحرية قد حملتها.
*هل رأيت؟!
-نعم إنه عظيم اختراعك هذا!
لكنْ أنمار، كيف يمكن أن نجعل أطفال فلسطين يستفيدون منه؟! رأيته يجلس على حجر قريب، ويستغرق في التفكير.
*صدّقني إن ذلك يشغل بالي منذ البداية ولكن قلبي يقول لي لا بد أن يكون هناك طريقة لتحقيق ذلك، أنا واثق من أنه ممكن!
مرَّ من العطلة أسبوع آخر، لم أرَ أنمار خلاله أبداً وكان ذلك غريباً، دفعني شوقي إليه أن أهتف له: (كانت أمّه مَنْ أجابني).
-صباح الخير خالتي
*أهلاً حبيبي أين أنت؟ لماذا لا تزورنا؟
-شكراً لكِ يا خالتي سأزوركم قريباً إن شاء الله ولكن أين أنمار، لماذا انقطع عني كلَّ هذه المدة؟!
*أنمار؟ سمعتها تتنهد، إنه مشغول يا ولدي، مشغول دائماً!
-مشغول؟ وبماذا يا ترى؟!
*أنت تعرفه، الآن هو غارق بين حطام أجهزة الراديو القديمة التي جمعها من أين لا أدري
-وما حاجته إليها؟!
أما أنا فلا أعرف أبداً، ولكني سمعته يقول إنه بحاجة إلى جهاز هاتف لا سلكي، ليكلم عبره شخصاً بعيداً، لكنه مهم..
ويقول أيضاً: أن الأمر في غاية السريَّة. فما رأيك؟
-ها؟ نعم نعم، فعلاً! الأمر في غاية السريَّة! ثمَّ ودّعتها همساً وأنا أتمتم:
إلى اللقاء يا أمي!

حيّان يؤلف قصصاً


أكثر ما يفتن "حيّان" في قصصه المصورة هي تلك الرسوم الملوّنة التي أبدعها فنانون بارعون! لقد حفظها جميعها عن ظهر قلب! لكنه منذ نجح إلى الصف الرابع بدأ يلعب معها لعبة جديدة أعجبته كثيراً!
صار، منذ أن يدخل غرفته، ينشر هذه القصص حوله، وبعد أن يتأملها جيداً، يأخذ دفتره ويبدأ يجرّب كيف يؤلف منها قصّة جديدة غريبة!
ينقل جملة من هنا، وعبارة من هناك، ويضحك كلما اختلطت الأشياء، وتعقّدت المشاهد!
وتغريه هذه المغامرة، فيعيش معها ساعات طويلة حتى ينبّهه صوت أمه:
حيّان! أنت لا تزال هناك؟
فيجيبها: أجل يا أمي! إنني أكتب!
-جميل! ماذا تكتب يا ترى حتى تنشغل عنا كل هذا الوقت؟!
*هل تريدين أن تري؟ تفضّلي!
وتجلس أمه إلى جانبه، ثم ترتسم على فمها ابتسامة كبيرة وهي تقرأ:
"بينما كان السندباد يسير وحيداً على أرض الجزيرة الغريبة، كانت "أليس" لا تزال تبحث عن ملكة القلوب! فسارا معاً مسافة طويلة حتى تعبا، عندها انتبهت أليس إلى أن السندباد فتى عربي، يضع على رأسه عمامة كبيرة، فخطر لها أن تسأله عن بغداد وهارون الرشيد، وعن غابات النخيل! لكنها تذكرتْ أنها لا تتقن اللغة العربية.."
*نعم، اقرئي! تابعي.
"تناولت أليس زهرة قرمزية، وقدّمتها للسندباد.. شمّ أريجها العذب، ثم قفز وبدأ يرقص رقصة البحارة الغريبة، وهو يضرب الأرض بحذائه المدبب، والفتاة تصفق له فرحاً حتى وصل الأرنب، نظر إلى ساعته، ثم انعطف مشيراً لأليس أن تتبعه..
نهضتْ غاضبة، ولكنها قبل أن تبتعد علّقتْ على صدر السندباد وساماً صغيراً له شكل القلب!
فطن "علاء الدين" أن السندباد لم يكن على ظهر السفينة، فبدأ يبحث عن مصباحه العجيب، وعندما وجده أخيراً في قبو السفينة، وحوله عدد من الفئران ينظرن إلى وجوههن تنعكس على معدنه اللامع كالمرآة، فرك علاء الدين المصباح ثم انتبه إلى أنه لا يزال في القبو، فأسرع يخرج إلى السطح قبل أن يظهر المارد فيحطّم السفينة بجسده الضخم!
ولكن، يا لهول المفاجأة!! لقد تدفّق الدخان من فوّهة المصباح، وبدلاً من أن يبدأ الصعود إلى الأعلى، راح يتكوّر قليلاً قليلاً.. ثم قفز السندباد صائحاً.
شبيّك.. لبيّك.. أنا قادم إليك!!
-أين كنت يا ولد؟! (هتف علاء الدين)
*الآن فقط كنت في بلاد العجائب! برفقة أليس المشهورة! هل سمعت عنها؟
-انظر، أريد أن ترافقني في مهمتي القادمة، لقد بحثت عنك!
*اعذرني إنني مشغول، سأجهّز نفسي لأنطلق في رحلة جديدة إلى بلاد السودان، يجب أن أشرف على تجهيز السفينة.
-لا تكن عنيداً! تعال لنمتطي ظهر خادم المصباح، وننطلق إلى جزيرة نائية في المحيط!
هناك تنمو أعشاب بريّة تشفي من النسيان، وأريد أن أجلب قليلاً منها لجدتي، إنها تنسى كثيراً هذه الأيام!
*جدّتك؟ وما علاقتي بجدّتك؟! أنا بحّار ومغامر!!
-وأنا..؟ هل تظنني تاجر كلاب؟!
مسح علاء الدين مصباحه، ثم انطلق الدخان، وما هي إلاّ لحظات حتى كانت الحقول والجداول والبيوت الريفية تسحّ تحتهما وكأنها سجادات ملونة بأبهى الألوان! ثم أحاطت بهما الزرقة من كل جانب فعرفا أنهما أصبحا فوق البحر! ولولا قوس قزح الذي كانت إحدى الغيوم تحمله على كتفها لظن السندباد أن الألوان الأخرى قد اختفت من الكون..!
أية جزيرة نائية هذه؟! قال السندباد، أظن أننا درنا حول الأرض كلّها!
*انتظر لا تكن لجوجاً! أوشكنا أن نصل... ثم "هوب" ها هما تحت شجرة جوز هند عالية، والجزيرة من حولهما غابة كثيفة تنطلق من وسطها ألحان وأصوات غريبة لطيور لا حصر لها.. وبينما هما يبحثان عن النبات الذي يشفي من النسيان أحسّ علاء الدين أحداً يجذب المصباح المعلّق في وسطه! فالتفت ليجد عنزة حمراء تشدّ المصباح بفمها، جفل وتراجع سريعاً، فقفزت العنزة هاربة، لكن فتاة في الخامسة من عمرها تقريباً ظهرت فجأة وهي تنادي عنزتها..
هتف السندباد: يا للعجب! هل يمكن؟ إنها "فلونة" ألم تعرفها؟ ها هو وجهها المرقوش بالنمش، وفستانها القصير الأصفر.. يبدو أنها لا ترانا.
قال علاء الدين هامساً: هس لا تثر ضجّة، لا نريد مزيداً من المشاكل، فأنا أعرف السيد "روبنسون" والدها! لكن جيد أننا وجدناهم! الآن لن يقضوا عمرهم على هذه الجزيرة البعيدة، فعند عودتنا سوف نرسل لهم سفينة تنقذهم!
ضحكتْ أم حيّان كثيراً حتى هرع الأب يسأل آ.. أية سعادة هبطتْ عليكم اليوم؟!
تفضّل –قالت الأم- وقدّمت إليه دفتر حيان، ابنك هذا لا بدّ يوماً ما أن يصبح كاتباً مبدعاً!
وضع الأب نظارتيه ثم بدأت ابتسامة تتسع على فمه شيئاً فشيئاً.
ثم سأل ابنه: وكيف تظن أن قصتك ستنتهي؟
-نعم، أعرف أنها نهاية محزنة! أن علاء الدين يخطئ في اختيار النبتة، فيجلب نوعاً من الأعشاب إذا تناولـه الإنسان فقد ذاكرته شهراً كاملاً! وفي طريق عودتهما راح يغري السندباد بقضم بعض أوراقها الخضراء الزاهية، ولولا أنه كان قد أعطى الأمر لخادم المصباح قبل ذلك: أن يهبط بهما في باحة الدار، لظّلا يدوران في الفضاء شهراً كاملاً، وهما لا يعرفان إلى أين يصلان! لكن ها هما الآن يصافحان الجدّة فرحَين بالسلامة.
ابتسمت الجدة لهما ولكنها راحت تتأملهما وهي تسأل: من أنتما أيها الشابان الغريبان؟!
قدما لها النبات وهما يغرقان في الضحك.


صوص في المهد


منذ شهر تقريباً وقع في بيتنا حدث هام، عادت أمي في الصباح من المشفى، وهي تحمل لفافة بيضاء، قيل لي إنها أخي الجديد مروان..
قالت خالتي: اليوم نزل حذاؤك عن الرفّ! ثم انصرفتْ إلى المطبخ ضاحكة
ولكنني لا أذكر أنني وضعت حذائي على الرف ولو مرة واحدة!
حاولتُ أن أعرف ما يحدث في المنزل، وما سبب هذه الحركات الغريبة كلّها...!
نامت أمي على السرير، وكأنها قد مرضتْ فجأة، وألقت إلى جانبها تلك اللفيفة البيضاء التي بدتْ لي غريبة الشكل.
في البداية رفضتُ أن أقترب منها، وكرهت أن يجبروني على ذلك..
صار أبي يعود كل يوم من عمله قبل الموعد بساعات، يمسح شعري قليلاً ثمّ يسألني:
كيف رأيت مروان اليوم؟ هل أزعج أمك كثيراً؟؟
-أتقصد اللفيفة البيضاء؟!
*نعم، نعم (ويضحك)
-إنه لا يزعج أحداً! إنه صغير جدّاً!
*طبعاً، ما دمت أنت قد صرت شابّاً كبيراً، فهو يبدو صغيراً جداً أمامك، فأنت ستدخل المدرسة هذا العام!
-لكن لماذا يقولون إنّ حذائي قد وقع عن الرفّ؟
*دعك من ذلك، إنهم يمازحونك!
وأتبع أبي لأرى هذا الولد الصغير الذي غير كلّ حياتنا.
سرتُ على أطراف أصابعي، لكنني سمعتُ أبي يقول بصوت عال: هيّا انهض يا مروان، أيها الصوص الصغير، كفاك نوماً! إن أخاك الكبير جدَّاً (سامر) قد جاء ليراك، وعرفت أن أبي لا يزال يحبّني.
قالت أمي: سامر تعال، إنه يسأل عنك منذ الصباح! هيّا اقترب يا حبيبي..
-ماذا؟ يسأل عنّي؟! وكيف لهذا الصوص المختبئ داخل اللفيفة أن يعرفني وهو لم يرني من قبل؟ وبالفعل عندما اقتربت منه فتح عينيه ونظر إليّ ثم ابتسم بفمه المدور الصغير، وحين لمستُ يده تشبّث بإصبعي وراح يقرّبهما من فمه، فسحبتها بسرعة وأنا أشتكي:
إنه يريد أن يعضّ إصبعي!!
ضحك أبي، وضحكت أمي وقالا بصوت واحد: لا، لا إنه جائع كما يبدو..
تناولته أمي وهي تقول: تعال أيها النهم الذي لا يشبع أبداً، كيف يخطر ببالك أن تعضّ إصبع سامر الحبيب؟
ثم قرّبته من صدرها، بينما هو يحرّك رأسه يميناً وشمالاً، باحثاً عن ثديها، وحينما اهتدى أخيراً راح يرضع بصوت مسموع ضحكنا له جميعاً!
والحقيقة أنهم يضحكون كثيراً، كثيراً جدَّاً لكل حركة يفعلها هذا الولد الصغير الذي يدعوه أبي الصوص، والذي يظل ملتصقاً بأمي مثل ظلّها، يحرّك رأسه يميناً ويساراً وهو يفتح فمه المدور باحثاً عمّا يرضعه.
أمس اشتروا له مهداً وراحوا يؤرجحونه وهم سعداء، بينما هو يتابع بعينيه عصفورين أزرقين مربوطين أعلى المهد.
ومنذ ذلك الوقت زادتْ مهماتي واحدة، فصرتُ أسمع أمي المنهمكة في أعمالها المنزلية تهتف بي كلما سمعتْ نغمة البكاء التي تشبه صوت المنشار: سامر!
فلا أردّ علّها تتركني أواصل اللعب، لكن البكاء يزداد، وأسمعها تناديني: سامر
هل تسمعني؟؟ فأجيبها: هل أهزّ المهد؟!
*نعم، ولكن بهدوء!.. وحاولتُ، ولكن بعد ثلاث حركات فقط كان مروان الصغير فوقي، والمهد فوقنا جميعاً، وأرى أمي تنهضنا وهي تقول ضاحكة:
كنت أعرف أنك ستسقطه!!
-كيف عرفت يا أمي؟!
*إنك قويّ جدَّاً! بينما المهد خفيف.
فأخجل، وأسرع أمسك يدها واعتذر.. آسف يا أمي، سأهزّ المهد بهدوء.. أعدك..
لكن لماذا هذا الصغير مروان كلما اقتربت منه ترك النظر إلى العصفورين الأزرقين وبدأ ينظر إلي وكأنه يراني أول مرّة؟ حتى أنه في الأيام الأخيرة صار يدوّر فمه وكأنه يبتسم لي!!
ومرّة حين جعلته يلحس قطعة سكاكر كانت معي، اتّسع فمه، وصار يكاغي: كغ.. كغ! لكن أمي لم تكن سعيدة من هذه التجربة، مع أنها شكرتني لأنني أحب أخي الصغير وأعطف عليه. أجلستني في حضنها وقالت:
*هل تظن يا سامر أن الطفل الرضيع مثل أخيك يمكن أن نطعمه السكاكر مثل ولد كبير، فمه ملئ بالأسنان؟
-لكن إلى متى سيبقى يرضع الحليب فقط؟
*حتى تنبت له أسنان!
-ومتى يكون ذلك؟
*بعد يومين ستذهب إلى الصف الأول، وعندما تنجح إلى الصف الثاني تبدأ أسنان أخيك بالظهور.
-ياه! هذا زمن طويل!
*ولكنك كلما أحببت المدرسة، فإن ذلك سيكون أسرع!
وفي المدرسة أكثر ما أحببت من الحروف حرف النون، فكانت المعلمة فرحة بي وأنا أعطيها كلمات أولها أو وسطها أو آخرها حرف نون! حتى أنني خرجت إلى السبورة وكتبت كلمة: سن.
ثم تعلمت كتابة كثير من الكلمات، ونسيت أمر أخي مروان وأسنانه حتى انتهى العام الدراسي ونلت ثناء من المعلمة لأنني كنت الأول في صفّي.

الدبابة


لا، لا أنا لست سعيداً جدَّاً، كما تظنّون..
قد يشعر أي ولد غيري بالسعادة، هذا ممكن، أمّا أنا فكلما رأيت شاشات "التلفزيون" تعرض صورتي وأنا أرجم الدبابة الصهيونية بالحجارة، فإنني أحسّ الغضب أكثر من السعادة كما تظنون.
لماذا يعرضون صورتي؟ بل لماذا يصورونني أصلاً؟ إنهم يلعبون ويتسلّون بينما أنا لست كذلك.. إن الأشياء مختلفة جدَّاً بيننا..
هل لاحظتم كيف تبدو الدبابة مثل وحش جميل لامع؟ وكأنها تتباهى بمدفعها ورشاشاتها؟ أمّا أنا فلم أرها كذلك أبداً، لقد بدت لي كومة من حديد صدئ.. وكنت واثقاً من أنها ستتراجع تحت ضربات حجارتي.
هل رأيتم؟ كنت أسدد إلى كوّة السائق تماماً.. وهو يحاول أن يخيفني بغوله الفولاذي.. ولماذا أخاف؟ لقد رأيت عشرات من أصدقائي ورفاقي في الصف يسقطون شهداء وجرحى، وقبل لحظات فقط حملت مع الشباب صديقي أحمد النابلسي، بعد أن أصابت رصاصة حمقاء رأسه الجميل..
شيء واحد كان يزعجني قليلاً، وهو أنني كنت أرتدي كنزتي الجديدة، إنها كنزة العيد، لقد حاكتها لي أمي قبل الانتفاضة بيومين، وبالأمس أردت أن أقيسها.
قلت: يا ولد يا فارس، ليس هناك عيد هذا العام.. ما معنى العيد وكل بيت في الضفة وغزّة ودّع شهيداً أو اثنين؟؟ قم البس كنزتك الجديدة وانزل إلى الشارع، شعرت بالدفء في هذا اليوم البارد، وحينما بدأت أرمي الحجارة صرت خفيفاً، أطير مثل عصفور..
خطر لي أن الحجارة التي أجمعها على صدري ستفسد كنزتي الجديدة، وقد تغضب أمي، ولكنني تذكرت أن قذيفة أصابت بيتنا الليلة الماضية واختفت معها كلّ خزانة الملابس، ولكن أمي لم تغضب، بل ابتسمت بمرارة وضمّتني إلى صدرها!.
وأنا نفسي لم أعرف أن صورتي تعرض في "التلفزيون" إلا بعد أن انتشر الخبر، وصار الناس يتحدّثون عنه! وكدت ألا أصدّق وأنا أرى نفسي! "هل هذا أنا حقاً..؟"
فكل أطفال فلسطين متشابهون، كلّهم يرمون الحجارة ولا يخافون الدبابات! لكن الذي جعلني أصدّق هو كنزتي الجديدة، فليس في فلسطين كلها كنزة أجمل منها!
لقد بدت خطوطها الحمراء والخضراء مثل ألوان العلم، ويبدو أن المصوّر قد أعجب بها فراح يتابع حركاتي منذ أن حملنا أحمد إلى سيارة الإسعاف، ثم تبعني وأنا أهجم على الدبابة اللعينة وكأنني أفتح قلعة أو حصناً! مع أنها مجرّد دبابة! كيف لو أن ذلك المصوّر رأى أبي الشهيد قبل عشر سنوات كيف قفز إلى برج دبابة صهيونية بعد أن ملأ جسده بالقنابل والديناميت، عندها يمكن أن تتخيلوا تلك الصورة الرائعة التي لا يزال أهل فلسطين يتحدّثون عنها..
لقد انتفضت الدبابة بعنف، ثم تفكك معدنها الثقيل وهمد بارداً، خامداً بلا حسٍّ أو حركة! وشهد كل من رآها أن شهباً كالبرق كانت تخرج من جوانبها، مصدرة أصواتاً وصخباً, ظلّ ساعة كاملة يختلط بزغاريد الأمهات الفلسطينيات، كان ذلك أبي، وأنا فارس، أصغر أبنائه جميعاً!



يوم صيفي


في هذا اليوم من شهر تموز أفاقت الشمس باكراً مثلما اعتادت. وبدأت تنفذ مهماتها بكلِّ همة ونشاط: نثرت حزماً من النور في كل اتجاه حتى شعرت أن بقايا الظلام تهرول راكضة إلى الغرب بأقصى سرعة وأغرتها زرقة البحار والمحيطات وقلة الغيوم السارحة في السماء أن ترسل مزيداً من الدفء والنور..
وبعد أن اطمأنّت إلى أنها لم تنسَ شيئاً من واجباتها اليومية تناولت دفترها الكبير المنير وراحت تسجّل مذكّراتها
كم من أشياء مختلفة تراها الشمس كل يوم بعينها الكبيرة اللامعة، بعضها يملأ القلب سعادة بينما تثير أشياء أخرى حزنها وألمها وأنتم تستطيعون أن تتخيلوا كيف تعبّر الشمس عن فرحها وحزنها..!
عرفت الشمس أنها سترى في هذا الوقت من السنة لوحات ومشاهد أبطالها عمال وفلاحون أشدّاء.
يجمعون غلال الصيف الكثيرة سبقوا الشمس ذاتها في الخروج إلى حقولهم وبساتينهم. أرسلت حزماً من أشعتها إلى عناقيد العنب لكي تنضج سريعاً وإلى أشجار التفاح لكي تزداد خدود تفاحها حمرة وجمالاً..
لكنها حزنت جداً عندما رأت في أماكن كثيرة أطفالاً صغاراً فقراء حين أغلقت المدارس أبوابها راحوا يعملون في الحقول والكروم أعمالاً صعبة يعجز الكبار عن تحمّلها، وكم تمنّت أن يكون هؤلاء الأطفال في الحدائق والمسابح يمرحون ويقضون عطلة الصيف مسرورين ليعودوا إلى مدارسهم أكثر سعادةً ونشاطاً..!
لكنها منذ زمن بعيد لم تسجل في مذكرتها موقفاً مضحكاً مثلما رأت اليوم..
حين مررتُ فوق قرية صغيرة بيوتها تتسلق سفح أحد التلال تراكض الأطفال يسوقون الخراف والحمير إلى الظل، وحينما نظروا إليَّ ظللوا عيونهم بأيديهم فعرفت أن وهج أشعتي كان شديداً وحدها السحالي والأفاعي والكثير من الزواحف كانت سعيدة بهذا الصيف الحار فانطلقت لتنام خارج جحورها..
خَلَتِ الطرق تماماً من المارة والدواب حتى بدأت أشعر بالملل لكنني فجأة رأيت طفلة تخرج مسرعة من بيتها المحاط بالأشجار لكنها لم تجلس تحت إحداها كما ظننت بل تركت الظل واختارت مكاناً مكشوفاً ثم نظرت إلي تماماً صدقوني لقد رأيتها تضحك وتكشف عن أسنانها حتى أن واحداً منها قد سقط، ثم رمت إلي شيئاً.. إنه شيء صغير جداً.. سرعان ما غاب في وهج أشعتي، وأخرجت من جيبها ورقة شفافة حمراء من ذلك النوع الذي تغلف به السكاكر والشوكولا وضعتها على عينيها وراحت تنظر نحوي كأنها تطمئن إلى أن هديتها قد وصلت إليّ ولكنني يا أصدقاء لم أعرف حتى الآن ماذا يمكن أن تكون هذه الطفلة السمراء قد رمت إلي..
أتعرفون أنتم؟! أخبروني أرجوكم..
لأنني الآن سأغلق دفتري قليلاً.



رسالة من أرنون


أنا اليوم أكتب رسالة، لمن سأبعث بها؟! لا يهم، أعرف أنها رسالتي الأولى من هنا، من أرنون، هل تعرفونها؟!
أرنون ليست اسماً لزهرة أو نوعاً من الأشجار.. ليست سمكة فضية في البحر الأحمر ولا نوعاً من بنادق الثوار.. لا، لا. أعتقد أنها كلّ ذلك معاً.. إنها قريتي.. التي اعتدنا أن نسمع صوت رصاصها يزغرد على سفوح الجبال المحتلة وسط الليالي الباردة قريتي أرنون.. كم يبدو اسمها اليوم لذيذاً ومنغماً!!
حين ألفظ اسمها أحس أن أسراباً من طيور ملونة الريش تحط فوق سطح بيتنا وتبدأ تغرد بفرح وحبور وكأنها تشعر معنا أن أرنون قريتي الحبيبة قد عادت إلى أهلها بعد سنين طويلة من الفراق عندما احتلها اليهود، وحرثوا أرضها ليزرعوا ألغاماً وأسلاكاً شائكة.
قبل اليوم كنت كلما ذكرت أرنون تقفز إلى مخيلتي دبابة إسرائيلية ضخمة تقتحم مدرستنا والرشاش مصوب نحونا! بينما أصوات الجنود وهم يصرخون بنا كلما حاول أحدنا الاقتراب منهم! كم كانت كلماتهم مضحكة! ورغم ذلك لم يخطر ببال أحد أن يبتسم، أما اليوم فإن شلالاً من الضحك انهمر فوق رأسي وأنا أتذكر جندياً صغيراً أشقر مرقوشاً بالنمش مثل صدفة، راح يزعق عندما رأى ابن خالتي أحمد ينحني عند جدار المدرسة:
هي، هي ييلد لو، لو ييلد( ).
ثم يدير رشاشه باتجاه أحمد الذي يعود إلينا غاضباً مزمجراً:
يهود، جبناء! سترون غداً ماذا ينفعكم هذا الغول الفولاذي الذي تحتمون به.
ولا أدري كم كان عمر أحمد عندما برّ بوعده ودمر للعدو دبابة ضخمة مع مجموعة من رفاقه رجال المقاومة، وترك الجنود يتراكضون مذعورين وسط النيران التي بدأت تلتهم موقعهم وهم يصرخون: هيلب. هيلب( ).
اليوم يسعدني أن أرى أن ذلك الكابوس قد انتهى وقد عادت أرنون مثل كل قرى ومدن الجنوب الحبيب حرة عربية!
بالأمس زرت المدرسة. لا تزال آثار جنازير المصفحات على الدرب ولكنني أيضاً رأيت آثار أقدام الشباب الثوار الذين لم يهنأ عيشهم ما دام الوطن محتلاً فجعلوا من أجسادهم قذائف ترعب الأعداء، نعم ترعبهم لقد كانوا يرقصون طرباً، يوم طُردوا من أرضنا لأنهم ما كانوا يعرفون متى تخطف أرواحهم! اليوم أم غداً حتى أن جندياً منهم، استدعته القيادة وسرحته فوراً لأنه مازح رفيقه على الهاتف بعد أن سأله من يتكلم؟ فأجاب:
هزبلله( ) عندها رمى الجندي سماعة الهاتف مصعوقاً وظل بعدها يومين يهذي محموماً.
لقد كتبتُ رسالة من صفحتين، لا أدري لمن سأبعث بها، ولا أعرف إن كنت سأعود لأزيد فيها فالذكريات كثيرة كثيراً جداً. ولكن المهمّ أنّ أرنون الحبيبة قد عادت اليوم حرّة..
وها أنا الآن سأحمل واحداً من هذه الأعلام، وأصعد به إلى الرابية القريبة، لأغرسه فوق الموقع العسكري الذي نزح الأعداء منه..



ألعاب


الآن حينما نظرت إلى ابني وهو يجلس أمام الحاسوب منهمكاً في ألعاب غريبة تخترعها هذه الآلة العجيبة، أتذكر ألعابنا التي عاشت معنا أطفالاً، ويا لها من ألعاب تشبه مغامرات سحرية! أين منها أن تجلس أمام جهاز، تضغط أزراره الكثيرة، لترى نفسك تقود سيارة بسرعة فائقة وسط كثير من الحواجز والموانع..!
أو أنك توجه خنزيراً شجاعاً ذاهباً لتحرير صديقته الأسيرة عند الأعداء الأقوياء! وعليك أن تخترق كل الأخطار التي يواجهونك بها!.
وأغرب من ذلك أن تجد نفسك في ساحة حرب، وأنت تطلق في كل اتجاه على أسلحة العدو التي تفاجئك في كل لحظة، مما يجعل ريقك يجف وأعصابك تتوتر! بينما تحس نفسك قد صرت محارباً حقاً تسقط الطائرات الحديثة بضغطة زر، ثم سرعان ما تراها تتحول إلى كتلة من لهب متناثر..
وألعاب كثيرة غيرها، وكلها مرسومة بأناقةٍ وإتقان حتى تكاد تظن أنها حقيقة وليست مجرد رسوم!
كم اختلفت الحياة يا أصدقائي! أذكر أن أهل الريف رأوا في الجرّار القادم إليهم أول مرة شيئاً خارقاً، راحوا يدورون حوله، يتلمسونه بحذر ثم أخذوا يألفون صوت محركه المزعج وكأنهم يستمعون إلى ناي الراعي العائد كل مساء، لكنهم لم يخمّنوا أن هذا الحديد الثقيل الذي يخرق قلب الأرض الصلبة يمكن أن يطير! فكانت رؤية الطائرة تشبه رؤية مارد قفز من الروايات والأساطير ليعيش معنا وجهاً لوجه ثم بدأت المكتشفات تأتينا مثل سيل من العجائب بينما كبار السن يفغرون أفواههم دهشة وكم ضحكنا حين رويت لأولادي أن جدتي غضبت جداً حينما لم ينطفئ المصباح الكهربائي رغم كل نفخها عليه، وهي التي اعتادت أن تطفئ السراج بنفخة واحدة لذلك لم تجد بديلاً عن تغطيس المصباح أخيراً في برميل الماء.
أما نحن الأطفال، فكنا نجد في أواخر الصيف فسحة قصيرة للعب بعد موسم الحصاد والقطاف فنلتقي مساءً في ظاهر القرية، لتبدأ ألعابنا الكثيرة وكلها ألعاب خشنة قاسية لا يصمد فيها الضعيف الرقيق الجسد! فالذين اخترعوا هذه الألعاب من أجدادنا أرادوها مثلما تملأ النفس بالمتعة أن تنشط الجسد وتبنيه بناءً متيناً!
ولم تكن لعبة البلاطات معقدة جداً، فكل واحد من الفريقين كان يبني أربعاً من البلاطات الحجرية ثم يرمي كل فريق بلاطات الآخر بالتناوب والذي تسقط بلاطاته قبلاً يخسر الشوط وكم كنا نبتهج عندما نرى إحدى البلاطات تتناثر قطعاً بفعل رمية قويَّة صائبة فنهتف جميعاً:
هَي.. أحسنت يا بطل!
وكم من ليلة قمراء مرت ونحن نركض باحثين عن لاعبي الفريق الخصم المختبئين لنمسك بهم قبل أن يتمكن أحد منهم من العودة ومحو الخريطة التي رسمها رئيسهم، لأن هذا، لو حدث، يعتبر حسماً للشوط لصالحهم، وهذا يجب أن لا يحدث أبداً.
ألعاب كثيرة ما كان أحبَّها إلينا وأشهاها، تحولت كلها إلى حكايات نقصّها على أبنائنا حين يملّون من الجلوس أمام الحاسوب والنظر إلى رسومه السحرية..
ولكن أبي حين سمعني أروي هذه الذكريات لأحفاده، أصغى قليلاً ثم هزّ رأسه مبتسماً وهو يقول:
أتسمي هذه ألعاباً ممتعة؟ كيف لو أنك عرفت الألعاب التي كنّا نلعبها زمن كنا شباباً.. تلك وحدها تستحق أن يتحدث الناس عنها ثم خرج وهو يضحك.. تبادلنا النظرات ورحنا جميعاً نغرق في ضحك عالٍ.


حلم أحمد


لم يذهب أحمد الصغير إلى المدرسة هذا اليوم، لأن جندياً إسرائيلياً سحبه من فراشه، ربط يديه خلف ظهره، وركله فسقط عند العتبه!!
والغريب أنه لم يخف، ولم يشعر بالألم رغم الدم الذي بدأ ينزف من ركبتيه!
جروّه إلى سيارة مصفحة كانت تربض أمام الدار، وهناك لطمه الجندي الجالس فيها بعقب بندقيته على رأسه فنام..
وبينما هو نائم، رأى أحمد الصغير معلمه يستقبله عند باب المدرسة، يبتسم لـه، ثم يمسح جبينه بيده وهو يقول: لماذا تأخرت عن المدرسة يا أحمد؟! ألاّ تعلم أن هذا اليوم موعد الامتحان؟؟ هل تريد أن تسقط في صفّك وأنت طالب مجتهد؟؟
نزلتْ أسئلة المعلم على رأسه مثل زخّة من مطر غزير، وأراد أن يجيبه باختصار:
نحن في غزّة يا أستاذ! نحن في غزّة، هل نسيت؟! لكنّ الأستاذ اختفى فجأة، وبقي مكانه جندي يعتمر خوذة مصبوغة بكثير من الدم، سحبه باتجاه باحة المدرسة، حيث رأى جنوداً آخرين قد صفّوا التلاميذ عند سور المدرسة بعد أن عصبوا عيونهم وراحوا يطلقون عليهم كلاباً شرسة بدأت تنهش أرجلهم وأيديهم المربوطة خلف ظهورهم!
وتعجّب أحمد كيف قصف الرعد فجأة، وانسكب مطر غزير غسل الأجساد، فانسابت أقنية من دم في باحة المدرسة، وكيف تراجعت الكلاب مذعورة هاربة!
فتح عينيه بصعوبة، كان جندي يقف فوق رأسه تماماً، يدلق الماء البارد فوق وجهه، أحسّ أنه عطشان، فراح يرشف قطرات الماء المتناثرة، لكن جسده كان ثقيلاً جدَّاً!
*إنتي إنتفادا؟؟؟ (قال له الجندي) ليش إدرب حجاره؟؟!
لم يكن أحمد يشتهي أن يضحك! ولكن لهجة الجندي الغريبة جعلته يبتسم ويجيب:
لا، أنا لا أضرب الحجارة.
*لخين شو إعمل ولد ملعون؟!
-لست ملعوناً! أنا أذهب إلى المدرسة.
*مدرشة وبش؟؟
-وأبيع الصحف.
*أبوك شو إعمل؟
-أبي شهيد، رحمه الله.
*هم! أبوك مخرّب؟!
-لا أبي فدائي شهيد، وأنتم من قتله!
ركله الجندي ركلة قوية، فأحس جفنيه يثقلان من جديد، ورأى أمه بثوبها الموشّى بالزهر تساعده في رسم خريطة ملونة لفلسطين!
رسم بالأخضر مرج ابن عامر وبالأزرق شاطئ حيفا ويافا وعسقلان ثم شواطئ غزّة الحبيبة، وبالأصفر راح يلوّن رمال النقب، ووضع بقعة حمراء كبيرة حول القدس، ثم كتب بكل هذه الألوان: وطني.. وطني.
لم ينهض أحمد من حلمه، لكن فلسطين نهضتْ! نهضت من خرائب البيوت والأشجار المقتلعة بالجرّافات، وراحتْ أعلام خضراء وحمراء تخفق فوق القدس ويافا، سمع أجراس الكنائس تقرع، والمؤذنين تتردد أصواتهم من حيفا إلى النقب رأى أحمد أباه يعود مبتسماً، يفتح ذراعيه للقائه، قال:
كنتُ أعرف أنّك ستجئ! وأننا سنلتقي!.
كانت جراحه لا تزال تنزف! ودمه لم يجفّ، لكن كثيراً من أزهار الدحنون كانت تنمو عليها.
ركض أحمد يضمّ أباه، دُهش لأنه لم يسأله عن أمه وأخوته، بل راح يسأله عن الشيخ ياسين ورفاقه الثوار، أراد أن يعرف من حلّ مكانه في قيادة الهجمات ضد جنود الاحتلال..
قال أحمد: أبي! لم يعد هناك احتلال! لقد تحررت فلسطين، إن علمنا يخفق الآن فوق القدس وبيارات يافا! لقد انتهى ذلك الزمن الملعون.. انتهى!
لم يجب الأب، قاده من يده وراحا يشقّان طريقهما وسط أشجار عالية تتدلى من أغصانها ثمار غريبة لم يعرفها، ويخيّم صمت كثيف لزج!
لم يعد إلى البيت بعد ذلك أبداً! ولم يبق من أهالي غزّة أحد إلاّ خرج في جنازته!
كان مسجّى على أكتاف الرجال، ملفوفاً بعلم فلسطين، بينما رسمت بقع من دمه على بياض العلم نجوماً وزهوراً مثل شقائق النعمان، وشهد كل من رآه أنه كان يبتسم، نعم يبتسم ابتسامة عذبة..!
والصحيح أن الذين عرفوا أحمد لن يستغربوا ذلك أبداً، فهو –مثل كل أطفال فلسطين- لم يكن يخشى الموت، بل زيادة على ذلك كله، كان مرحاً جدَّاً! لم نره يوماً عابساً أو مقطَّباً! حتى أن واحداً من رفاقه السائرين في جنازته الآن نسي لعلعة الرصاص وهدير الشباب وهم يهتفون:
الله أكبر يا شهيد! وغداً سنثأر يا شهيد!
نسي ذلك وراح يهمس: يا إلهي! هل رأيتم.. إن أحمد يبتسم؟!
مسحنا الدموع التي عاجلتنا، وقلنا:
نعم! لا بدَّ أنه يحلم حلماً جميلاً!



لعبة النهر


كان سامر سعيداً جداً ومحظوظاً لأن نهراً رائعاً يمرّ من قريته، ولأن كثيراً من الطيور تأتي في فصلي الربيع والصيف تتمشى على ضفتيه، وتنقر البذور والثمار المتساقطة، وهي تخوض في الماء بسيقانها الطويلة!
ولم يكن سامر وحده سعيداً، بل شاركه هذا الفرح كل أهل قريته، والحقيقة أن النهر هو السبب الذي حوّل حياتهم إلى متعة لا تنتهي أبداً، فلا يكاد اسم النهر يفارق ألسنتهم..
فإذا حدّثوك عن الماضي، راحوا يروون كيف أن أجدادهم صنعوا زوارق بسيطة من القصب، ووصلوا القرى البعيدة عبر هذا النهر، فباعوا واشتروا، وربحوا مالاً، وجلبوا حلوى أحبّها الأطفال كثيراً...
عشرات القصص والحكايات الممتعة يتناقلونها، والنهر دائماً حاضر فيها أبداً، فبعد كل جملتين ينطقون بهما تسمعهم يقولون:
الحمد لله! والشكر لله..!! لقد كرّمنا بهذا النهر الطيّب!
ويعلّق "عيروض" الذي لا عمل لـه سوى مشاكسة الأولاد والبنات، وإحصاء أعشاش الطيور على أشجار الضفة: اسمعوا يا ناس!
هل تظنّون أن النهر مرّ من قريتنا هكذا لأجل خاطرنا فقط؟!
لا أبداً وحياتكم!! إننا نحن من بنينا البيوت على ضفتيه، وحفرنا الترع، وأقمنا المزارع، ولأول مرة يبدو كلام عيروض واضحاً وجميلاً! فابتسم الناس.. وعادوا يحمدون الله على كل حال.
كان سامر صديقاً لعيروض على الرغم من كلّ شقاوته وأفكاره الغريبة، فهو معجب بخفة ظله وروحه المرحة، ولكن يبدو أنّ الشقاوة تعدي.! واختراع الألعاب الغريبة قد يجرّ على الأطفال أموراً ما كانوا يحسبون لها أيّ حساب..!!
ففي يوم من الأيام قرر سامر أن يكون له مع هذا النهر قصة ما يرددها الناس زماناً طويلاً، فبدأ خياله يعدّ الأفكار، وكان كلما اهتدى إلى فكرة سرعان ما يتخلّى عنها! إمَّا لأنها غريبة جدَّاً، أو لأنها تثير الفزع أو الخراب وهذا لا يقبله صديقنا سامر، وهو التلميذ المجتهد الذي يفوز دائماً بالمراتب الأولى في صفه، ويصفّق له المدرّسون والطلاب في نهاية العام الدراسي.
فقد فكّر في أن يصنع تمساحاً كبيراً من الورق المقوّى والجلد، ثم يطلقه في مياه النهر ليرعب أهل القرى المترامية على ضفتيه بعد أن يعلّق عليه يافطة فيقول:
"احذروا فالتماسيح قادمة إليكم"!!
ولكنه نفى الفكرة عنه، ثم خطر له أن يصنع طوفاً من الخشب العتيق، ويغرس في وسطه عموداً طويلاً وفوقه علم القراصنة بالجمجمة والعظمين!! ولكن صديقه "كنان" نصحه بترك ذلك قائلاً: قراصنة؟! أنت أبله حقاً، ما حاجتك إلى ذلك كله؟؟ بل ماذا سيقول الناس عندما يرون ذلك؟! وزاد غضب كنان عندما علم أن صديقه كان ينوي ربط هرّة إلى الطوف! فراح يتمتم: أيضاً؟ لا هذا عيب وحرام!!
وافترقا بلا وداع ثلاثة أيام كاملة لم يلتقيا خلالها أبداً!! لكن سامر استطاع أن يهتدي إلى الفكرة المناسبة أخيراً:
جمع كل ما أمكنه من زجاجات فارغة حتى زادت عن الثلاثين، ثم أدخل في كل منها نسخة من رسالة كتبها، ثم أحكم سدّها ورماها إلى النهر ليحملها التيّار بعيداً بعيداً..
وعاد سامر إلى البيت وهو مطمئن أنه سيتسلّى كثيراً في هذه العطلة، أمّا الرسالة التي كتبها سامر وأودعها في الزجاجات دون أن يطلع عليها أحداً من أصدقائه فقد كانت تقول:
إنّ ملك قرية النهر العالية ينوي أن يزوج ابنته الحسناء ممّن يستطيع أن يحلّ لغزاً سيطرحه الملك عليه في اليوم المحدد للمسابقة! وقد جعله يصادف يوم افتتاح المدرسة!
ثم طلب إلى كل من يود المشاركة في هذه المسابقة أن يراجعه على هاتفه المنزلي، بعد أن أثبت الرقم في ذيل الورقة وإلى جانبه توقيعه الأنيق:
الداعي لكم بالفوز.. سامر.
وصار سامر لا يبرح منزله، بل يظل قريباً من الهاتف، وكان كلّما رنّ جرسه يسرع بالردّ:
آلو.. أنا سامر نعم! فمن أنت من فضلك؟!
ويجيئه الصوت من الجهة الأخرى: مرحباً سامر، ماذا بك يا ولد ما عدت تعرف خالك؟!
-أهلاً خالي، ظننتك شخصاً آخر! أنا آسف، سأنادي أمي..
وتكرر ذلك حتى أوشك أن يملّ، وعرف أن تجربته فشلت بل إنها لم تكن مسلّية أبداً! وقد نغّصت عليه أوقاته! فالناس جميعاً صاروا يعرفون أنّ الملوك الذين يزوّجون بناتهم بهذه الطريقة ليسوا موجودين إلاّ في الحكايات وحدها، إنّ الذين يشاركون في مسابقات كهذه يجيئون على ظهور الخيول الأصيلة، مثل فرسان الحكايات، ولا يتّصلون عبر أجهزة الهاتف..! وأنّ لعبته أصلاً لم تكن سوى لعبة حمقاء..
بدأ يندم لأنه صادق عيروض الشقيّ، صاحب المغامرات والخيال الغريب..
بعد أيام، وبينما كان سامر مشغولاً بعزق التراب حول وردته البيضاء في حديقة المنزل، جاء من يناديه ليردّ على الهاتف، إنهم يطلبونه!
في البداية ظنّ أنّ واحداً من أصدقائه يريد أن يدعوه لزيارة أو نزهة، لكنّ المتحدّث كان امرأة يسمع صوتها أول مرّة عبر سمّاعة الهاتف!
سلمتْ عليه بحرارة بعد أن سألته:
أنت سامر؟
قال: نعم أنا سامر، لكن من أنتِ لو سمحتِ؟!
راحت تشكره من صميم قلبها لأنه خفف عنها عبء مشكلة كبيرة...
-ولكن أيّة مشكلة؟ لم أفهم..!
*إنها الزجاجات يا عزيزي! الزجاجات التي حملها النهر إليّ.. إنها الآن ملأى بمربى الخوخ والمشمش والكرز، ولولاك لما كنت أعرف كيف أتدبّر أمري!
الحقيقة إنّه لم يكن لديّ ما يكفيني منها لقد التقطت عشر زجاجات وسعت كلّ ما صنعت من المربّى هذا العام، وأنا أعدكَ أنني سأرسل لك بعضه في أقرب فرصة، إنني أريدك أن تتذوّقه.. ثم شكرته مودّعة.
"مع السلامة" قال سامر، وحمد الله على أنها لم تسأله أية أسئلة أخرى عن الملك أو عن ابنته الحسناء التي توشك على الزواج!! وأقسم أنه لن يتسلّى بعد اليوم إلاّ بما ينفع الناس..!


جنود شجعان


كم كان صعباً على ريّان أن يرى جنود الأعداء يسرحون ويمرحون في شوارع مدينته، بعد أن دخلوها بالدبابات والمجنزرات، وراحوا يحرقون الزرع، ويقتلعون الأشجار المثقلة بالثمر..
رأى ريّان قبل ذلك الشباب وهم يقتحمون النيران بصدورهم، ويدافعون عن بيوتهم وحقولهم بالأسنان والأيدي، ورأى الشهداء يسقطون كلّ يوم.. سار في جنازاتهم مردداً مع الناس:
الله أكبر على كلّ معتدٍ جبّار.. وقبل ذلك رمى الجنود بالحجارة حتى كلّت يداه، وكم من مرّة أخذ يهزج ويغنّي وهو يرى حجارته تتساقط فوق السيارات العسكريّة، والجنود حولها يسرعون لإخفاء رؤوسهم داخل الخوذ الفولاذيّة، وهم يشهرون رشاشاتهم في وجه الأولاد.. صارخين: أولاد.. وحوش..!!
يضحك ريّان.. إذا كان الأولاد الذين يواجهون الدبابة بالحجر وحوشاً فماذا ندعو الجنود الذين قدموا من آخر الدنيا ليحتلوا بيوتنا، ويخرّبوا مزارعنا؟!
جفاه النوم وهو يفكّر كيف انقلبت الموازين، فأصبح الحقّ باطلاً.. ومع طلوع الفجر غفا، فدخل في حلم لذيذ، لم يرَ مثله منذ زمن بعيد..!!
رأى نفسه يسير في أحد شوارع غزّة وحيداً، بينما اختفى رفاقه جميعاً فقط أصواتهم كانت تصل إليه، ناداهم.. فلم يسمعوه!! حثّ خطاه نحو أصواتهم.. ولم يطل انتظاره..
فجأة رآهم ينبثقون من رأس الشارع وهم يعتلون برج دبابة من نوع دبابات الأعداء الضخمة، ويصهلون بأصواتهم العالية المتداخلة، حتى أنّ بعضهم كان يغنّي بسعادة غامرة..
"ماذا فعلتم أيها الأشقياء" يهتف بهم ريّان.. لكنّ صوته يضيع في زحمة الضجيج والفوضى التي صنعوها، وحينما يصبحون قربه تماماً يمدّ أحدهم يده ويساعده على الصعود فوق ظهر الدبابة، مفسحاً له مكاناً إلى جانبه..
أحسّ ريّان شعوراً غريباً لا يمكن وصفه..! فهذه هي المرّة الأولى التي يمتطي فيها ظهر دبابة، قبل لحظة واحدة كانت تبدو له مثل وحش كاسر كريه..!!
تلمّس فولاذها بيده فبدت باردة مثل قطعة من الثلج المعدنيّ، ورغم ذلك كان يحسّ نوعاً من الفرح الغامض حين رأى ابن جيرانهم "محمود" هو الذي يقود الدبابة ببراعة تامّة، وكأنه أمضى حياته في هذه المهمّة.. نظر إليه بعينين ضاحكتين متسائلاً وسط الهدير الصاخب:
محمود..! كيف يمكن أن يحدث هذا..؟!
اكتمل الحلم حين وصل الموكب إلى حقل ريّان المرصوف بالحجارة والصخور الكبيرة، إنّه حقل من الوعر المخيف، حتى لا تبدو مساحات التراب بينها سوى بقع صغيرة حمراء...
وقفت الدبابة في أول الحقل، ثم أخرجتْ من جوفها سكّة ضخمة، وراحت تحرث الصخور ثم تلقيها جانباً، فتفوح من تحتها رائحة التراب الطازج، بينما الأولاد يهتفون بصوت واحد:
الله أكبر.. الله أكبر..!!
أيقظته أمه مستغربة أن يظلّ نائماً بعد طلوع الشمس..!!
هل تريد أن تواصل النوم..؟ "سألته"
-لا... لا... صباح الخير يا أمي.. شكراً لكِ لأنك أيقظتني.
لبس ريّان ثيابه على عجل، وتناول وهو يسير لقمة صغيرة.. لقد أحسّ شوقاً غامراً لرؤية رفاقه.. لم تعد أمّه تسأله عند خروجه من البيت..! فالجواب معروف سلفاً..!
وهي الآن تجلس في فناء البيت تملأ حضنها بحبّات من الباذنجان، كلّ واحدة بحجم قبضة اليد سوداء، تلمع في عين الشمس التي بدأت تملأ أرض الدار..
انحنى ريّان وتناول واحدة من الحبّات اللامعة، ثم وضعها في عبّه وهو يبتسم... نظرت إليه الأمّ ولم تقل شيئاً، إنها تعرف أنّ له أفكاره.. لكنّها تثق بأنّه دائماً لا يتصرّف مثل الأولاد الحمقى..!
خرج ريّان من الدار مثل زوبعة صغيرة، حتى أنّه لم يسمع صوت أمه وهي تطلب منه ألاّ يتأخّر في العودة، لقد صار قلبها يخفق مثل طائر ذبيح كلّما خرج ولدها من البيت بعد أن ملأ الجنود الشوارع، وهم يطلقون النار على عابر..
وصل ريّان إلى الساحة وهو يسير بمحاذاة الجدران، كان الجنود يقفون بجانب سيارتهم المصفّحة وهم يلغطون بلغتهم الغريبة، ويشيرون إلى رأس الشارع، وما أن لمحوا ريّان حتى أشهروا بنادقهم الرشاشة، ووجهوها إليه صائحين:
"كف.. كف!!"
لم يقف.. كما أمروه، بل مدّ يده في عبّه، وأخرج حبّة الباذنجان ورماها نحوهم كما تُرمى القنبلة اليدوية وهو يصيح بكلّ قوّة صوته:
خذوا يا كلاب..!!
قبل أن تصل "القنبلة" إليهم كان الجنود ينبطحون، وهم يلقمون سلاحهم، حتى أنّ بعضاً منهم أسرع يختبئ خلف السيارة المصفحة.
انعطف ريّان مسرعاً ليختبئ خلف زاوية بحيث يرى الجنود دون أن يروه.. كانوا لا يزالون ينبطحون، بل أخذوا يزحفون مبتعدين عن الثمرة المخيفة..َ!!
ومرّ زمن تأكد للجنود فيه أنّ القنبلة لن تنفجر، نهضوا بحذر مقتربين من الباذنجانة "القاتلة" تناولها أحد الجنود، تأملها طويلاً ثم رماها في الساحة، وراح يطلق النار عليها من رشاشه منتقماً منها، فحوّلها في لحظة إلى نثار..
نهض بقيّة الجنود ينفضون التراب عن ثيابهم غاضبين، لكنّ واحداً منهم لم يستطع النهوض أبداً لقد جعل الخوف قلبه ينتفض سريعاً، ثم يتوقّف..!
رفع الجنود رفيقهم القتيل، ومضوا بسيارتهم المصفحة مثيرين خلفهم زوبعة من الغبار والضجيج بينما كان ريّان يعود إلى بيته ضاحكاً ليتناول وجبة من الباذنجان اللذيذ..!!

حكايـــــة


اعتاد سامح أن يرافق أباه في معظم أعماله داخل المدينة منذ أن أصبح قادراً على المشي.. والحقيقة أنّ الأب قد عبر عن ندمه مرّات كثيرة أمام أصدقائه لأنّه عوّد سامح الصغير هذه العادة السيّئة، ولكن ما العمل؟ لقد كان سامح ولداً لطيفاً، قليل الكلام، يتأمّل وجوه أصدقاء والده الذين يصادفانهم هنا وهناك، ويبتسم لهم حينما يداعبون شعره سائلين:
هذا القمر ابنك؟؟
-أجل.. إنّه سامح..!
-ما شاء الله..! إنه ولد لطيف..!
والحقيقة أنّ والد سامح لم يكن رجلاً قليل الأعمال، فهو مقاول ناجح يحتاج معظم أوقات النهار أن يبقى خارج المنزل، يشرف على المشاريع والورشات التي يديرها، ويذهب إلى المصرف ليسحب مالاً، كي يسدد رواتب العمّال والموظفين في مشاريعه..
كلّ هذه الأعمال وغيرها كان الأب ينجزها بينما سامح الصغير يرافقه هادئاً، لا يطلب شيئاً، ولا يشغل بال أبيه أبداً، حتى كأنَّه غير موجود.. وهذا ما شجّع الأب على القبول بمرافقته الدائمة ما دام ابنه لا يلهيه عن التفكير في شؤونه..
أحياناً كان الأب يسأل ابنه الصغير:
لو أنّك الآن في المنزل.. مع أمّك.. وأختك.. ومع الجدّة.. نعم الجدَّة..!! هل مللتَ حكاياتها..؟؟ ولم يكن الجواب سهلاً.. يحكّ سامر رأسه الأشقر الجميل وينظر طويلاً إلى أصابعه النظيفة قبل أن يقول:
لا يجب أن أبقى في البيت... أبداً.. أبداً‍‍
-ولم يا أخي... (يسأله الأب)
-كيف أبقى وحيداً مع هؤلاء النسوة..؟؟ أنا أريد أن أبقى معك.. نذهب معاً.. ونعود معاً، ثم كيف يمكن أن أتركك وحدك في هذا العمل الكثير..؟
وقريباً سأذهب إلى المدرسة.. عندها لن أضايقك أبداً..‍‍!!
يضحك الأب ويضمّ ابنه إليه، يقبّله وهو يقول:
لا بأس.. على كلّ حال أنت رفيق جيّد.. وأنا لا أملّ من رفقتك أبداً..!! هل تملّ أنت؟؟
-أبداً.. أبداً.. لذلك تراني معك دائماً..!.. ويضحكان وهما يتجهان إلى المصرف لسحب مبلغ من المال.
أمام كوّة المحاسب وقف الأب يتناول رزم النقود، يعدّها على مهل، ثم يلقيها في محفظة وضعها على الأرض قربه، وجانبه وقف سامر يتأمّله صامتاً كعادته..
بدا الأب منهمكاً في عدّ النقود، وها هي الرزم تتساقط في المحفظة واحدة بعد الأخرى.. عندها انحنى سامح فوقها بحركة مفاجئة، فزجره أبوه بحركة من يده.. تراجع لحظة ثم عاد ينحني فوق المحفظة ثانية وثالثة وفي كلّ مرّة يزجره أبوه بحركة من يده..!!
نفد صبر الأب المنشغل بالعدّ، فأمسك رزمة من النقود.. قدّمها إلى سامح وهو يقول منزعجاً:
خذ يا أخي.. لكن لا تشغلني..!!
لكنّ الولد لم يمسك النقود، فلم يكن هذا ما يريده، تابع بحثه في قعر المحفظة حتى وجد ربطة المطاط التي انفلتت من إحدى الرزم.. تناولها.. وابتعد.

صدر للمؤلف
o الغيمة تمرح شعر للأطفال وزارة الثقافة
o أنشودة المطر شعر للأطفال وزارة الثقافة
o نائل يلتقي أباه شعر للأطفال وزارة الثقافة
o عصفور الثلج شعر للأطفال اتحاد الكتاب العرب
o حكاية المهر دحنون قصص للأطفال اتحاد الكتاب العرب
o طيور الكلام شعر اتحاد الكتاب العرب
o أغنيات بطعم الليمون شعر للأطفال اتحاد الكتاب العرب
o مشاغبات صغيرة شعر وزارة الثقافة

عودة        الرئيسية