أنتَ صديقي قصص للأطفال

خير الدين عبيد

منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2005


أنتَ صَديقي


وكُلَّ صباحْ
أشيلُ حقيبةَ الكتبِ
وأمّي لم تزل تُلقي
على سمعي وصّيتها
كُلِ التّفاحة الحمراء لا تنسَ
تقبّلني.
وكُلَّ صباحْ
أرى ابنة جارنا مثلي
تشيلُ حقيبة الكتبِ
واسمع أمّها توصي
كُلي التفاحة الحمراء لا تنسَي
تقبّلها.
وكلّ صباحْ
معاً نمشي على الدربِ
يسابقُ بعضُنا بعضاً
بلا تعبِ
فترقصُ بيننا البسمة
ولكنْ لم نكن نحكي
ولا كِلْمَة.
أكُلَّ صباحْ؟
سنبقى مثلما قالوا:
صبيّ أنتَ فلتلعبْ مع الصبيان
وبنتٌ أنتِ إيّاكِ...
سنبقى هكذا دوماً بلا أسماء
أنبقى هكذا غرباء؟
دنوتُ وقلتُ مبتسماً:
صباح الخير
فقالت بعد أن ضحكت:
صباح الخير
أنا ماهر
أنا ليلى
بصوتٍ واحد قلنا:
ألسنا نحن جيرانا؟
نعمْ.. كنّا وما زلنا
فتحتُ حقيبتي فَرِحاً
مددتُ يدي بتفّاحة
وإذ تفّاحةٌ أخرى
تُقَدَّمُ لي بكفّين
شعرنا حينها أنّا
تجاوزنا مخاوفنا
وأصبحنا صديقين.





البصمة


ـ 1 ـ
بدأت هذه القصّة عندما دلقَ رامي الحبر.
إذن... رامي دلقَ الحبرَ الأزرق، حاول فتحَ العلبة فاندلقَ عن غيرِ قصدٍ.
اتّسختِ الطاولةُ والكتبُ و... يداه.
خاف... ركض إلى صندوقِ المناديلِ الورقيّة، نَسَلَ واحدةً و... لَمحَ بصمتَه مطبوعةً على المنديل.
طبيعيٌّ أن تُطبَعَ بصمةُ إبهامِهِ على المنديل، لكنّ المُحيِّر أنّ تلكَ البصمةَ كانت على شكلِ أرنب.
أرنب؟!
نعم... أرنبٌ خائفٌ بأذنين طويلتين.
ـ 2 ـ
رجعَ رامي من المدرسة. عفواً... نسيتُ أن أصفَ لكم شكلَه.
رامي يشبه... ما هذه الورطة؟ إنّه يشبهُ جَميعَ الأولاد، أقصد أنّه لا يختصُّ بملامحَ معيّنة، فهو ليس طويلاً ولا قصيراً، لا سميناً ولا نحيفاً، آه تذكّرتُ... إنّه يملكُ بصمةً سحريةً تتلوَّنُ مثلَ الحرباء، لكنْ كيفَ تتغيّر لا أحدَ يعلم، حتّى رامي نفسُه لا يعرف.
فعندما رجع من المدرسة برفقة صديقته مها، حدّثتهُ طوالَ الطَّريق عن حياتِها القاسية بعدَ موتِ أمّها، شارحةً أنّها تعتبرُ نفسَها أمّاً صغيرةً تجاهَ إخوتِها، على الرّغم من الأخطاءِ الكثيرةِ التي تقع فيها، فالبارحة وضعت سُكَّراً للبيض المقليّ بدل الملح، وقبلَهُ بيوم ألبستْ أخاها الذّاهبَ إلى الحضانةِ حذاءَه بالمقلوب.
ضحك رامي... قال:
ـ أنتِ أمٌّ حقيقيةٌ... أنتِ رائعة.
ابتسمت مها... قالت:
ـ شكراً لك... أنتَ صديقي.
ـ عندما رجع رامي من المدرسة، بلّلَ إبهامَهُ بالحبر... بَصَمَ... كان لبصمتِهِ شكلُ وردة.
ـ 3 ـ
لم يكن رامي شرّيراً ولا مؤذياً، على العكس كانَ لطيفاً مهذباً.
لكن... لماذا ضربَ وائلاً؟
لنبدأ من عند مها، تحديداً عندما قرأت من السّبورة عبارة (مها مجنونة تضع للبيضِ سكّراً بدلاً من الملح) شعرت بالخجل... خصوصاً عندما دخلَ التلاميذُ إلى الصفِّ بعدَ الفرصة وراحوا يضحكون.
مَنْ كتبَ هذه العبارةَ؟ سألت مها نفسَها، إنّه رامي... ومن غيرهُ؟
مسحتِ العبارةَ، وقرّرتْ أن تُوبّخَ رامي بعد انتهاء الدّوام.
انتهى الدّوامُ... انصرفَ التلاميذ... انصرفتْ مها ناظرةً إلى رامي المختبئ خلفَ سيّارةٍ صفراءَ نظرةَ عتاب.
ورامي المختبئ خلفَ السيّارةِ لم يكن متخوّفاً من مها، كان كامناً لوائل.
أجل. فوائلٌ هو الصّديق الوحيدُ الذي حكى له رامي تلك الحادثةَ الطّريفة. دون أن يدري أنّه ولدٌ أحمق يحبُّ إغاظةَ رفاقهِ ولا يحترمُ شعورَ الآخرين.
رامي المختبئ خلفَ السيّارة فاجأ وائلاً... وبّخَهُ ولكَمَه.
وَرِمَتْ كفُّ رامي من تلك اللكمة، ومع هذا بلّل إبهامَه بالحبر... وبَصَمَ. كانت البصمةُ رأسَ أسد.
ـ 4 ـ
رامي يتفرّس في الأوراقِ المليئة بالبصمات...
إنّه مذهول... كلُّ بصماتِهِ متشابهة، إنّها مجرَّدُ خطوطٍ ملتفّةٍ على بعضها ولا معنى لَها.
أين اختفى الأرنب؟ أين اختفتِ الوردة؟ والأسدُ... أين هو؟!
إنّهُ ما يزالُ يبلّلُ إبهامَهُ بالحبرِ ويبصمُ، يبلّلُ سبّابته... خنصُرَهُ... بنصُرَه... دونَ فائدة.
هل كان يعيشُ حلماً؟ أم أنّهُ تحوّلَ إلى ولدٍ عاديٍّ كبقيّةِ رفاقه؟؟.





رحلة ورقية


ـ وقوف.
ـ جلوس.
وضعَ معلّمُ الرّسمِ حقيبته على الطّاولة، نظر إلى التلاميذ، وجد وجوهَهم كئيبةً.
ـ ما بكمْ؟
ـ تأجّلت رحلتُنا اليومَ بسبب المطر.
ـ لا تزعلوا. الآن سنذهبُ في رحلة.
ـ والمطر؟
ـ لن يبلّلَنا المطر!!
وفتح حقيبتَه، أخرجَ أوراقاً ملوّنةً، وعيونُ التّلاميذِ تنظرُ إليه مُتعجّبة!
أمسكَ ورقةً حمراءَ، وراحَ يثنيها من الوسط، من الزّوايا، على شكل مربع، ثمَّ مثّلت، ثمَّ.....
يبتسم قائلاً:
ـ هذا هو العنقاء.
يصيحُ التلاميذ:
ـ الطّائر الخرافيّ؟!
ـ لا تضيّعوا الوقت. اصعَدوا على ظهره... تمسّكوا ببعضكم... لا تخافوا، سألفّ رقبتَه بساعديّ، ونطيرُ إلى البحر.
كان طائراً رائعاً، جناحاه كشراعين... ومنقارُه كسهم.

ركبَ التّلاميذُ مع المعلّمِ على ظهر العنقاء... وطاروا.
الغيومُ حولَهم كندف القطن...
قوسُ قزح كقلادةٍ على صدر السماء... أمّا اللّقالقُ المهاجرةُ فتشبهُ رتلاً من الجنود.
أحسّوا برطوبة البحر... نزلوا.
كانتِ الورقةُ الثانيةُ ذاتُ اللّونِ الأبيض، قد تحوّلتْ إلى زورقٍ بين أصابعِ المعلّم.
ـ هيّا... جَدّفوا بأيديكم، سنسافر إلى الجزيرة.
بدأ التّلاميذ بالتجديف، الأمواجُ تؤرجحُهم... والسّمكاتُ الصغيرة تدغدغ الأصابع المغموسةِ في الماء، وطيورُ النورس تحلّق فوقهم مغنّيةً:
ـ واق... واق، واق... واق.
فيغنّون:
ـ هيلا... هب، هيلا... هب.
يصلُون إلى الجزيرة المحدّبة كظهر سلحفاة، الخضراءِ كشجرةِ جوز.
يستقبلُهم ولدٌ زنجي بضحكةٍ رنّانة، وقفزاتٍ رشيقة.
لقد صنعَه المعلّمُ من الورقة الثالثة السّوداء، إنّه لا يلبَسُ شيئاً، عارٍ تماماً كشجرةِ الشّتاء.
رسمَ المعلّمُ ورقةَ توتٍ بدلاً من السّروال، قال:
ـ الآن. العبوا مع صديقكم ورقة.
ركضَ التّلاميذُ مع ورقة حول الجزيرة، تسلّقوا الأشجارَ، أمسكوا حبالَ الّليف وتأرجحوا مثلَ طرزان، كسروا جوزاتِ الهند التي رمتْها قرودُ الجزيرة، سال ماؤها على أصابعهم، فتلامعتْ.
استمروا باللعب... حتّى غروبِ الشّمس، وعندما بحثوا عن معلّمهم، وجدُوه قد انتهى من ثني الورقةِ الأخيرةِ ذاتِ اللّونِ النّحاسي، محوّلاً إيّاها إلى جرس.
وقبلَ أن يحرّكَ المعلّمُ الجرس بيده، سمع التلاميذُ رنيناً، أفاقوا من أحلامهم، لكنّهم لم يستطيعوا التمييزَ بين رنينِ جرس المدرسة الذي يعلنُ انتهاءَ الحصّة، وبين رنينِ الجرس المصنوعِ من الورق الملوّن، والذي أعلنَ انتهاءَ أجملِ رحلةٍ ورقيّة.





حياة صحن


أنا صحنٌ. صُنِعتُ من مادة الميلامين، طُبعَتْ فوقي حبّةُ كرز، إنّها كالشّامة على وجهٍ أبيضَ دائريّ... عمري سنتان بالضّبط، فتاريخُ خروجي من المعمل مصكوكٌ على قفاي.
عُرضتُ في صالةِ أدواتٍ منزليّة، وُضِعتُ على رفّ زجاجيّ بين دلّةٍ مذهبّةٍ للقهوة المرّة، وبين دزّينةِ كؤوس شراب شفّافة تتلألأ كالجواهر. بقيتُ أسبوعاً فقط، اشترتْني سيّدة... عرفتُ أنّها ستشتريني... لقد نَظَرتْ إليّ بإعجابٍ، لذا سارعتُ إلى وداع الكؤوس متمنياً لَها السّلامةَ من الكسرِ والامتلاء بأحلى المشروبات، وتحديداً شراب الكرز. أمّا دلّةُ القهوةِ فقد بيعتْ البارحة.
عشتُ في المطبخ، خصّصتْني السّيدةُ لسكبِ طعامِ صغيرها لؤيّ، ولؤيٌّ طفلٌ صغير، شعرهُ أسودُ جَعْد، يزعلُ بسرعةٍ ويرضى بسرعة، وأطرفُ شيءٍ فيه، مُحاولته قلعَ حبّةِ الكرز المطبوعة على وجهي بأصابعِه اللّطيفةِ، حتّى إنه في كثيرٍ من الأحيان يأكلُ محتوياتي بسرعة كي يقطفَ الكرزةَ، لكنّه لا ينالُ سوى التوبيخِ من أمّه لأنّه وسَّخَ أصابعَه ببقايا الطّعام.
أحياناَ كنت أعاني، فإذا صبّتِ السيّدةُ بداخلي حساءً حارّاً، وهذا تصرّفٌ غير صحّي، أشعرُ بأنني أحترقُ وأذوبُ. ومِمّا يزيدُ في معاناتي تذكّري للؤي، فما إن تدخل اللّقمةُ الأولى إلى فمِه حتّى يصرخَ... ويمدَّ لسانَه، فتسارعُ السّيدةُ وتسقيه كأس ماء.
في عيد ميلادي الأوّل، صادفَ أنْ وضعتِ السيّدةُ بداخلي قطعةَ حلوى، أكلَها الصّغير بنَهَمٍ ولحسَ أصابعَه، أمّا اليوم... فبدَلَ أنْ أحتفلَ بعيد ميلادي الثاني حدثتْ مصيبة!؟
كنتُ في المصحنة، مستلقياً فوق زورقٍ زجاجيٍّ، أمسكتني السّيدةُ بإصبعيها وسحبتني، فجأةً... اصطدمتُ بمغرفةٍ كبيرةٍ معلّقةٍ على الحائط، انزلقتُ من بين إصبعيها، تأرجحتُ في الهواء، سمعتُ شهقةَ السّيدة و... ارتطمتُ بالبلاط... وانكسرتُ نصفين.
في هذه اللحظة بالذّات، تذكّرت العشراتِ من أصدقائي: فناجينَ القهوة، وكؤوسَ الشّاي، وصحونَ البلّلور، وقد كُسِروا أمامي في المطبخ، تذكرتُهم كُلّهم دون استثناء، وشعرتُ نحوهم بالتقصير، صحيحٌ أنني كنت أحزنُ لكسرهم، لكنّني الآن أحسّ كم عانوا وكم تألّموا.
أفقتُ من شرودي، لقد وضعتِ السّيدةُ نصفيّ فوق بعضهما بحسرةٍ، فاتحةً الخزانةَ الّتي تحتوي علبة القمامة، وقبل أن ترميني في العلبة... ظهرَ لؤي، ركض إليّ صارخاً باكياً، أخذني بين يديه الصغيرتين، ضمّني إلى صدرهِ قائلاً: هذا صحني... سألصقُه.
شعرتُ بالسّعادةِ، فكّرتُ بطريقة أشكرُ بها لؤي، بغتةً تذكّرت...
لقد انكسرتُ في منتصفِ حبّة الكرز، ضغطتُ على نفسي محاولاً أن تِنزَّ الحبّةُ عن شرابٍ لذيذٍ...
يبلّلُ أصابعَ الصغير... ويلعقُه، ليبدو فمُه كحبّة توتٍ رائعة.



الحائط


تنهّدُ الحائطُ... قال:
ـ آهٍ. من أين أبدأ... وماذا أقول؟.
أتذكّر أنّني قبل عشرِ سنواتٍ، كنت تراباً، أشربُ المطرَ وآكلُ البذورَ، لكنّ شرُبي وأكلي مختلفان عن شرابِ وطعامِ البشر، فأنا في الّربيع... أُخرِجُ من جوفي تلك البذورَ، على شكلِ زهورٍ مُلَوّنةٍ، وحشائشَ خضراء تبهجُ العين.
وأذكرُ أنّ أمَّ عدنانَ جاءت ذاتَ صباحٍ تحملُ سطلاً ومِجْرَفَةً، جرفتني... وضعَتني... في السّطلِ وأفرَغَتني أمامَ بيتِها، وبعدَ أن ملأت عِدّةَ سطولٍ على شكلِ كومةٍ، جاءتْ بالقشِّ والماءِ، عجَنتنا مع بعضنا وراحت تَبني منّا حائَطاً بينَ دارِها ودارِ جيرانِها.
بعدَ أيّامٍ تصلّبتُ، شعرتُ بأنني صرتُ قاسيا... فحزِنت.
لكنْ... في اليوم التالي، وبعد أن طَلَتني أمّ عدنانَ بالكلسِ الأبيضِ، فرِحتُ، لقد بَدَوتُ كحمامةٍ بيضاء. وبدأت قصّةُ سعادتي.
ففي الصباح، يقفزُ الدّيكُ الملوّنُ على ظهري، يصَفِّقُ بجناحَيه ويصيحُ معلِناً ولادةَ أملٍ جديد.
تُهرَعُ إليه الدّجاجات بفرحٍ... وتنبِشُ عندَ قدمي، باحثةً عن حبّاتٍ لذيذةٍ تتسابـقُ إلى نَقرِها.
ويفيقُ الأولادُ، ينادونَ بعضهم، يجتمعونَ بجانبي... ويبدأُ اللّعب.
سعفانُ ومحمودٌ، يتباريانِ بالقفزِ فوقي، يرجعانِ إلى الخلفِ، يركضانِ... ويقفزان واضعينِ أيدَيهما على ظهري، فيبدوانِ كمُهرَينِ رشيقينِ يقفزانِ العوارضَ الخشبيّةَ.
حمدانُ وخلفانُ وجدعانُ، يلعبونَ لعبةَ الاختباء، ويختبئ حمدانُ خلفي كأرنبٍ خائفٍ، فأحنو عليه كأُمٍّ.
أمّا ريمُ. فتُقبِلُ نحوي، حامِلَةً قطعةً من الفحمِ، وتبدأُ الرّسمَ على وجهي الأبيضِ، أحياناَ ترسمُ سِربَ سنونو، أو مزهريّةً، أو...
وكلّما امتلأَ وجهي بالرّسومِ والأسماءِ والأشعارِ، طلَتْني أمُّ عدنانَ بالأبيض، وهذا الطّلاءُ يُغري الأولادَ بالرّسمِ والكتابةِ من جديد، يحملونَ قطعَ الفحمِ، ويُهروِلونَ نحوي كأنّني مدرسةٌ فتحت أبوابَها لليومِ الأوّلِ.
وعندَ العصرِ، وفوق ظلّي الكثيفِ، تمدُّ أُمُّ عدنانَ سجادةً من الخِرقِ الملوّنةِ، وتنامُ قيلولتَها، وتشخر.
على الرّغمِ من كلّ ذلك، لم أنسَ صداقتي للزّهورِ والحشائشِ، فبعدَ كلّ شتاءٍ، تنتشُ البذورُ الّتي أحملُها في جوفي، فتمُطّ الحشائشُ والأزهارُ رؤوسَها من شقوقي وتكبرُ، وكم كانَ مدهشاً منظرُ إحدى الزّهورِ البنفسجيةِ الّتي نمتْ فوقَ المزهريّةِ الفارغةِ التي رسّمتها ريم، حتّى إنَّ أهالي الضّيعةِ كلّهم جاؤوا ليَروا تِلكَ المصادفةَ الرائعة.
وتمرُّ السَنونُ، وتتوالى الفصولُ، ويزدادُ تشقُّقي... وأشعرُ أنّني لا أقوى حتّى على حَملِ ديكٍ خفيفِ الوزنِ، و...
أسمعُ عدنانَ يريدُ هدمي! نعم... هدمي. فاليوم... جلسَ معَ أمِّهِ في ظلّي، أسندَ ظهرَهُ إليَّ، قال:
ـ سأهدمُ الحائطَ، إنّهُ مُتداعٍ ويكادُ ينهار.
ردّتْ أمُّ عدنان:
ـ ونبقى دونَ حائط؟‍!
ـ مَنْ قالَ إنّنا سنبقى دونَ حائط؟ سأبني بدلاً عنهُ سُوراً منَ الحجارةِ المصقولةِ.
ثمَّ دخلَ البيتَ، مُخرجاً مَهدّةً حديديّةً كبيرة.
ارتَجَفتُ خوفاً، كدتُ أنهارُ... لكنّني تماسكتُ عندما رأيتُ أُمَّ عدنانَ تنظرُ إليَّ بعينينِ حزينتين، وتقول:
ـ أرجِعِ المهدّةَ، أنا راضيةٌ بالحائط.
ـ لكنّه قديم!
ـ ابنِ لنفسِكَ بيتاً جديداً، وسَوِّرْهُ بحائطٍ من الحجر، أمّا أنا فسأرمِّمُه.
ثمَّ مسحتْ بيدها الحانيةِ على ظهري، وسَكَبتْ دمعتينِ ساخنتين.

زالَ خوفي...
وأقسمتُ أن أهدي أمَّ عدنانَ في الرّبيعِ القادمِ، زهرتينِ بيضاوينِ ستنبتانِ مكانَ الدّمعتينِ بالضّبط.






خيوط الحليب


الشّمسُ دينارٌ ذهبيّ.
والقمرُ درهمٌ فضّي.
وحسّانُ ـ لكثرةِ ما يحلمُ برؤيةِ الدّراهم والدّنانير ـ أصبحَ وجههُ مدوّراً.
صراحةً... الدّنانيرُ والدّراهمُ مغريةٌ، نقوشُها النّافرة رائعة، الخطوطُ الكوفيّة حلوة، والأحلى لمعانُها وصوتُ رنينها.
طيّب... إذا كنتُ أنا كاتبُ القصّةِ معجباً بالدّنانيرِ على الرّغمِ من كَبرِ سنّي، فماذا سأحكي عن حسّان الصّغير عندما لمحَ أوّلَ مرّةٍ دنانيرَ ذهبيّة معَ ابنِ الملك داخلَ السوق؟
باختصار... جحظت عيناه، اقتربَ منهُ رغمَ كثرةِ الحرّاس، قائلا:
ـ ما هذه؟
ـ دنانير.
ـ ماذا ستشتري بها؟
ردّ أحدُ الحرّاس غاضباً:
ـ حصاناً... هيا.. اذهب لشأنك.
بعدَ أسبوعٍ، تقابلَ حسّانُ مع ابنةِ الوزيرِ في المكانِ نفسه، لكنّ الحرّاس كانوا أقلَّ عدداً.
لن أصفَ لكم كيفَ رأى الدّراهمَ الفضّية وبماذا شعر، فخيالكم خصب، سأكتفي بسردِ الحديث الّذي دار بينهما:
ـ يمكنني لَمسَ دراهِمكِ؟
ـ ماذا؟‍ ألم تلمس دراهِمَ في حياتك؟
قلَبَ حسّانُ شفتيه، واحمرّتْ أذناه.
ـ خُذها.
فجأةً نطَّ أحدُ الحرّاس صائحاً:
ـ ماذا يفعلُ هذا المتشرّد بالدّراهم؟ تفضّلي يا مولاتي الصغيرة... ألن تشتري الثوبَ الحريريّ المطرّزَ الذي أعجبَكِ البارحة؟
تبادلَ الصّغيرانِ النظرات، وسارا باتّجاهين مختلفين.
عادَ حسّانُ حزيناً إلى كوخِهِ في طرفِ المملكةِ، قرفَصَ بجانبِ الباب متأمّلاً أباه الذي يكسرُ الحطب، وأمَّه التي تمسكُ النّعجةَ لتحلبَها في وعاءٍ نحاسيّ.
وقفَ فجأةً، اقتربَ من الوعاءِ اللامعِ كقرصِ الشمس. آه... إنّه يشبِهُ ديناراً كبيراً من الذهب، يكفي لشراء حصانٍ أصيل.
أمسكتِ الأمُّ ضرعي النّعجةِ بكفّيها، وراحت تحلب.
خيوطُ الحليب البيضاء تصدِرُ لحناً طروباً.
الّلحنُ حرّكَ خيالَ حسّان، لقد وضعَ التاج وصارَ ملكاً، ها هو يركبُ حصانَهُ متفقّداً
أطفالَ مملكتِه.
الحليبُ يغمُرُ أرضَ الوعاء، تغيبُ الشمس ويطلعُ القمر، أوووه... درهمٌ فضّيٌ عملاق...
ـ تعالوا يا أطفال، احْملوا القمر... أقصدُ الدّرهمَ الفضّيَّ العملاق، اذهبوا إلى السوقِ واشتروا ما تحتاجون: ثياباً... حلوى... ألعاباً؟ ولا تَنسوا أن تُهدوا ابنةَ الوزيرِ اللّطيفة ثوباً حريرياً مطرّزاً بخيوطِ الذهبِ والفضة.
آه... ما أحلاكم، اصطفّوا. سأضعُ التّاجَ على رأسِ كلّ واحدٍ منكم مدّةَ دقيقةٍ، فأنتم أصدقائي.
هل أنتم جاهزون؟
وأفاقَ حسّانُ من شرودِهِ على ضحكةِ أم‍ّه الرّنانة:
ـ حسّان! أما زلتَ تحلمُ كعادتك؟ هيا... احملِ الوعاءَ، ظهري يؤلمني.
انحنى... حملَ الوعاء... ارتجّ الحليبُ وبدأت فقاعاتُ الهواءِ على حوافه بالانفجار.
وكلّما انفجرت فقاعةٌ، انفجرَ حلمٌ من أحلامِه.
اغرورقت عيناهُ بالدّموع، و....
تعثّرَ... انقلبَ الوعاءُ على قفاه، فبدا كدينارٍ صدئٍ حزين.



الحريّة

وراءَ البحر...
كانت توجدُ مملكةٌ، وكان مَلكُها يخصّصُ يومياً ساعتين للسّمَر، يسمعُ الشّعرَ والنكاتِ والحوادثَ الغريبة.
مرّةً... قال له أحدُ المسامرين:
ـ هل تعلمُ ـ يا ملكَ الزّمان ـ أنّه يوجدُ في مملكتِك رجلٌ لم يخرجْ من بيته منذ عشرِ سنوات؟
قال الملك متعجّباً:
ـ عشر سنوات؟
ـ وأكثر. حتّى إنّه لم يمطّ رأسَهُ خارجَ الباب.
ـ عشر سنوات؟‍!
ـ اقسمُ لك.
ـ وماذا يفعل؟
ـ يقرأ ويكتب.
ـ ومن أينَ يأكلُ ويشرب؟
ـ أخوه يأتيه بكلّ ما يحتاجُه.
حَكَّ الملكُ قفا كفّه مفكّراً، وقال:
ـ سآمُرُ أحدَ الجنودِ بحراسته، فربّما أتاهُ لصٌّ، وسرقَ ما كتبَه.
في اليوم التالي، كان أحدُ الجنودِ مُسمَّراً بجانبِ الباب، لكنّه لم يستمرَّ في الحراسةِ أكثرَ من يومٍ واحد.
فما إن أصبحَ الصّباحُ، حتّى كان الحارسُ ماثلاً بين يدي الملك، وثيابُه ممزّقة!
صاحَ الملكُ حانقاً:
ـ مَنْ فعلَ بكَ هذا؟
ـ الرّجلُ الّذي احرسُه.
وأحضرَ الملكُ الرّجلَ، ونظرَ إليه طويلاً، وقال:
ـ لماذا تطاولتَ على حارسي؟
ـ لأنّه سلَبني حرّيتي.
ـ حرّيتَك! لكنَكَ منذُ عشرِ سنواتٍ لم تخطُ خطوةً واحدةً خارجَ بيتِك.
ـ أجلْ. فعلتُ ذلك بإرادتي، لكن... عندما علمتُ بوجودِ الحارسِ، شعرتُ بأنني سجين.
فكّرَ الملكُ مليّاً، وقال:
ـ عفوتُ عنك... اذهبْ. ولن تجدَ بعدَ اليوم أحداً أمامَ بابِك.


الغسّالة


أمامَ الغسّالةِ الآلية في سلّة بلاستيكية بيضاء، وَضعت ربّةُ البيت ثياباً متّسخة ولعبتين: أرنباً بريّاً مصنوعاً من الفرو البنّي، وديكاً أبيض صغيراً، له عُرفٌ من الجوخ الأحمر.
نظرَ الأرنبُ إلى باب الغسّالة الدائريّ، فبدا له كعين مرعبة، جفنُها معدنٌ صقيل، سطحُها زجاجٌ سميك، بؤبؤها رغوةٌ وفقاعات.
خاف... نصبَ أذنيه الطّويلتين، هَمسَ:
ـ ديك. انظرْ إلى الغسّالة... اسمعْ صوتَها، لقد التهمتْ وجبةَ غسيلٍ كاملة بلقمة واحدة، وها هي تَهضمُها، آخ... الظاهر أنّها ستلتهمنا بعد قليل.
أخرجَ الدّيكُ رأسَه من كُمّ البنطال، قال:
ـ لا تذكّرني... أكادُ أموتُ فزعاً.
ـ والحلّ؟
ـ لا يوجدُ حلٌّ، سنُغسلُ ونُنشرُ على الحبل.
ارتجفَ الأرنبُ، قال:
ـ من أذنيّ طبعاً، أعرف... وستُلقَطُ من عُرفِكَ بلقّاطة.
ـ لنبقى يوماً كاملاً، لكنّنا... سنصبحُ نظيفين طيّبي الرّائحة.
ـ ألم نكنْ نظيفينِ قبل أن يلعبَ بنا الأطفالُ، والله... إنني أفضّلُ أن أدخلَ مِعدَةَ ثعلبٍ على أن أدخلَ بطنَ هذا الوحشِ المعدني.

حرّك الدّيكُ جناحيه، قال:
ـ أرنب، هذا قَدَرنا. والحقيقةُ أنّنا متّسخان زيادةً على الّلزوم، انظرْ إلى نفسِك.
ـ معك حقّ. لكنْ يمكن لربّة البيتِ أن تنظّفَنا في الحمّام كأولادها، نحنُ حيوانانِ، أمّا أنْ ندخلَ الغسّالة و... آه... لا أستطيعُ التخيّلَ، سأهرب!
ـ ماذا؟! أعِد كلمتَكَ الأخيرةَ لو سمحت.
ـ سَـ... أهـ... رب، هل سمعت؟ سأذهبُ إلى الحقول.
ـ لا... الظّاهرُ أنّ رائحةَ مساحيقِ الغسيلِ قد أثّرتْ عليكَ. أنتَ تُخرّف.
ـ قلْ ما يحلو لك... وداعاً.
وقفزَ الأرنبُ من السَلّة، راكضاً عبرَ البابِ المواربِ إلى الشارع؟

صراحةً... ظنَّ الأرنبُ أنّه نجا لمُجَرّد خروجه من البيت، لكنْ. ما إن داسَ الإسفلتَ بقوائمهِ حتّى زعقت في وجهه مزاميرُ السّيارات، ركضَ كالملسوع ناصباً أذنيه قافزاً من رصيفٍ إلى رصيفٍ، ومن ساحة إلى ساحة، حتّى وصلَ أخيراً إلى حديقة، وبلمح البصرِ دَسّ نفسَه تحت شُجيراتِ الورد، وراحَ يلتقطُ أنفاسَه.
كانت حديقةً جميلة، مليئةً بالأزهار الملوّنة المزروعة ضمنَ أحواضٍ هندسية مُنسّقة، تتوسّطُ كلَّ حوضٍ شجرةُ نخيلٍ عالية، تحتضنُ أعشاشَ عصافير.
ومِمّا زادَ في ارتياحِ الأرنب، ذلك الرّذاذُ النّاعمُ المتطايرُ من نافورة الماء الرخاميّةِ وسْطَ الحديقة.
قال الأرنبُ بصوتٍ حالم:
ـ أين الحقولُ. في أيّ جهةٍ هي؟ لابدَّ أن أعتمدَ على حاسّة الشمّ فأنا أميّز رائحتَها مهما كانت بعيدة.
أخذَ نفَساً عميقاً، وبدلَ أن يشتمّ رائحةَ البراري، امتلأتْ رئتاهُ بالدّخانِ الأسود.
نظرَ حولَه متضايقاً، رأى الأبنيةَ العالية تنتصبُ كالرّماح، شعرَ بأنّه في سجنٍ كبير.
تمنّى لو تحوّلَ إلى قطّة، لكان تَسلّقَ الشّجرةَ ورأى حدودَ المدينة.
فكّرَ أن يرجعَ إلى البيت، أن يُغسلَ ويُنشرَ مع صديقه، لكن كيف؟ لقد ضاع!
واستسلمَ للنوم.
في المنام... رأى نفسَه يلعبُ مع إخوته الأرانبِ في البراري، يدخلونَ في وكرٍ ويخرجون من آخر...

يقضمون الجزرَ... يتسابقون و...
تتغير زُرقةُ الفضاء فجأة، لتصبحَ حمراءَ كلونِ عُرفِ الدّيكِ الجوخيّ.
يلمحُ في السّماء شبكةً معدنية هائلة، تَهبطُ ببطءٍ نحو الأرض.
يسمعُ أصواتاً مُفزعةً تُصدرُها الحيوانات.
الشّبكةُ تَهبط.. العصافيرُ تزقزقُ مذعورةً... الأسُود تزأرُ... الذّئاب تعوي... الغزلانُ تنفرُ... أفراسُ النّهر تتركُ الماءَ وتركضُ كتلالٍ متحركة... الفيَلة تُلوّح بخراطيمها تحاربُ الهواء.
الشّبكةُ تسقطُ كأنها لطّاشةُ ذبابٍ كبيرة تَهوي فوقَ بعوضة.
والحيواناتُ تركضُ جماعاتٍ، القطُّ بجانبِ الفأر، والنّمرُ بجانب الغزال، كلّهم يريدُ الخَلاص.

والشّبكةُ ترتطمُ بأجسامهم، تحبسهم جميعاً، تحملهم جوّاً... تنزلُ بِهمُ البحرَ، ترفعهُم... تنزِل بهم ثانيةً، ثمَّ ترميهم في أقفاص حديدية، كلّ نوعٍ يُسجن وحدَه، القطط... الفهود.. الفيلة... و... والأرانب.
يأتي الناس متفرّجين.
ـ الله ما أضخمَ الفيل!
ـ انظر إلى الفهد، كأنّ جلدَهُ مثقوبٌ بطلقاتٍ نارية.
ـ ذاك أرنب... اضربوه.
ويفيقُ الأرنبُ مرعوباً، دون أن يدري أنّ كلمةَ اضربوه ليست مناماً، فأحدُ الأطفالِ لَمَحَهُ ونادى متعجباً:
ـ ذاك أرنب، اضربوه.
ومن بين الحجارة النازلـةِ فوقَه كالمطر، تمكّنَ الأرنبُ من الفَرار، وبدأ رحلةً جديدةً بين العجلات والأقدام.
ركضَ وركضَ حتّى كادَ يموتُ تعباً.
وبغتةً... انزلقَ تحتَ حاويةِ قمامةٍ، وقفَ يستجمعُ أنفاسَه، و...
لمحَ صديقَه الدّيكَ مَرميّاً بجانبِ أحد الأكياس، كان نظيفاً بلون الثّلج، اقتربَ منه بلهفةٍ، قال:
ـ ديك... مرحباً يا أعزّ صديق.
فتحَ الدّيكُ عينيه بصعوبةٍ، دون أن يُجيب.
ـ لماذا لا تتكلّم... ماذا جرى؟
وبمشقّةٍ كبيرةٍ... أشارَ الدّيكُ بطرَفِ جناحهِ إلى جهاز الصّوتِ داخلَ صدرِه.
ـ آهٍ... يا لصديقي المسكين، لقد رمَوكَ لأنّ جهازَ صوتِكَ تعطّلَ أثناءَ الغسيل، ولم يعد أحدٌ يسمعُ صياحَكَ الرنّان. إنّهم قُسَاةٌ، تعالَ يا صديقي الجميل... دعني أحتضنك.
وعندَ منتصفِ الليل...
وبينما كان عاملُ النّظافةِ يجمعُ القمامةَ، لمحَ تحت الحاويةِ لعبتينِ متعانقتين نائمتين.


المستقبل


ـ أنا أكرهُ المدرسةَ، لن أذهبَ إليها، سأتركُها.
ورمى حقيبتَه، فتناثرت على الأرضِ، كتبٌ ودفاترُ وأقلام.
نظرتِ الأمُّ إلى صغيرها الوحيدِ بحزنٍ، قالت:
ـ لماذا؟
ـ الدّراسةُ تتعبُ رأسي.
ـ ومستقبلُك؟‍!
نظرَ صبحي إلى كتبه المرميّةِ، قال:
ـ إذا تابعتُ الدراسةَ، سيؤلمني رأسي، ربّما أجنُّ، ولن أصلَ إلى مستقبلي.
عملَ صبحي في ورشة النّجارة ثلاثة أيام، لكنّه في صباح اليوم الرّابع، رمى المطرقة، وركضَ إلى البيت.
في غرفة الجلوس، وبينما كانت أمُّه تكتبُ رسالةً إلى أبيه المسافر، دخلَ صبحي لاهثاً.
ـ ما بك؟
ـ أنا أكرهُ النّجارةَ، لن أذهبَ إلى الورشة سأترُكها.
حكّتِ الأمُّ أنفَها بغطاءِ القلم، سألت:
ـ لماذا؟
ـ لأنّها خطِرة.
ـ ومستقبلُك؟!
فتحَ صبحي كفّه، تأمّلَها، قال:
إذا تابعتُ العملَ، ربّما تُقطعُ أصابعي، كما قطعَ المنشارُ الكهربائيّ إصبعَ معلّمِ النجارة...
وقتها... كيف سأمسك بمستقبلي؟!
استمرّ صبحي يعملُ في دكّان الخيّاط شهراً كاملاً، بعثتِ الأمُّ خلالَه ثلاثَ رسائلَ إلى زوجها تشرحُ لـه حالَ وحيدِها، كتبت لـه أنّها متفائلةٌ، وأنّها كثيراً ما تُغمضُ عينيها لتتخيّلَه خيّاطاً مُحترفاً، يقصدُه الزبائن من كلّ مكان، ومع هذا لم تنسَ أن تخبرَه في نهاية كلّ رسالةٍ أنّ غيابَه طال، وأنّها مشتاقة.
اليوم. وبعد مُضِيِّ الشّهر، دخلَ صبحي البيتَ في غير موعدِه.
ـ خيراً؟‍! هل نسيتَ شيئاً؟!
ـ لا.
طيّب، لماذا أتيتَ... ما القصّة؟
ـ أنا أكرهُ الخياطةَ، لن أذهبَ إلى الدّكان، سأتركه.
أحسّتِ الأمُّ بوخزة في قلبها، كأنّ ابنها وخزَها بإبرةِ خياطة. أخذت نَفَساً عميقاً، قالت:
ـ ومستقبلُك؟
نظرَ صبحي إلى ثوبِ أمّه المزركش، قال:
ـ الخياطة صنعةٌ دقيقةٌ، إنّها مرهقةٌ للعيون، تصوّري إنّ معلّمي يضعُ على عينيه نظارةً سميكةً، سميكةٌ جداً. آه... لا يمكن أن استمرّ... ربّما أفقدُ بصري، ساعتها...
كيف سأرى مستقبلي؟!
ويكبر صبحي دونَ أن يتعلّمَ صنعةً، وكلّما شجّعته أمّه على العمل، يقول:
ـ قرّرتُ أن أنتظرَ والدي، سيأتي ومعه أموالٌ كثيرة.
ثمَّ أخرجَ كرسيّاً وجلسَ أمامَ البيت.
وتمضي الأيام والأسابيعُ والشّهور، وصبحي جالسٌ أمامَ البيتِ في أوّلِ الزّقاق، يتنقّلُ من فيءِ حائطٍ إلى فيءِ شجرة.
ومرّةً. وقفَ أمامَه متسوّلٌ عجوز، رثُّ الثّيابِ قبيحُ المنظرِ، نتنُ الرّائحة، قال:
ـ صبحي. مرحباً.
ـ كيف عرفتَ اسمي؟
ضحكَ المتسوّلُ، قال:
ـ أعرفُ اسمَكَ من زمان. لقد قرأته على أغلفةِ دفاترِكَ وكتبِكَ التي رميتَها، يومَ قرّرتَ تركَ المدرسةِ، وسمعتُه من الخيّاط والنجّار عندما رفضتَ العمل.
وقفَ صبحي مشدوهاً... تأمّلَ المتسوّلَ بفضول، صرخ:
ـ من أنتَ؟
قهقهَ المتسوّلُ، صرخَ:
ـ أنا مستقبلُك.
انهارَ صبحي على كرسيّه، غطّى وجهَه بكفّيه، وراحتِ الدّموعُ تنهمرُ من عينيه...
بينما كان المتسوّل يجتازُ الزّقاقَ الضيّقَ، بقدمينِ حافيتينِ مُشقّقتين.



حوار


في السّاعة العاشرة بالضّبط، مساءَ الثلاثاء، التقى كلبان.
لم يكن لقاؤهُما على وجبة عظام، أمام دكّان جزّار، بل مصادفةً.
كان بارود يجلس على المقعد الخلفيّ، في سيّارة جيب، ويمطّ رأسَه من النافذة.
عفواً... بارود هو اسم كلب صيد سلوقي، أبيضُ اللّون منقّطٌ بالرّمادي، قوائمُه دقيقة وطويلة، وعيناه تلمعان أكثرَ من الطّوقِ المذهّبِ في رقبته، أمّا فتحتا منخريه فتنفتحان وتنغلقان كأنّهما تشمّان رائحةً مجهولةً.
الكلبُ الآخر ـ أسميتُه الآخر لأنَّه بلا اسم ـ فهو كلبٌ شارد، متّسخ... هزيلٌ وهرِم.
عندما نزل السّائق من سيّارة الجيب لشراء بعضِ الأغراض، مطَّ بارود رأسه من النافذة، تلفّت... لمح كلباً قربَ الحاوية، يحاول بعجَ كيسٍ أسود.
ـ هيه... يا كلب.
ترك الكلب الكيس، نظرَ بريبةٍ إلى بارود، قال:
ـ ما بك؟
اقتربْ. سأحدّثك.
نقّلَ الكلبُ نظرهَ بين الكيس الأسود وبارود، ثمّ مشى نحوَه بخطىً بطيئة.
ـ ما اسمك؟
ـ كلب.
تقصد كلباً شارداً؟
ـ تماماً.
ـ أنا بارود، كلبٌ سلوقي.
ـ تشرّفنا، أتسمح لي بالانصراف، أنا جوعان، وأظنُّ أنّ الكيسَ الأسودَ يحتوي مأكولاتٍ لذيذة.
نبحَ بارود غاضباً، قال:
ـ إلى متى ستبقون على هذا الحال، كلابٌ شاردة، بلا كرامة، تأكلون بقايا الأطعمة، تنامون في المزابل، انظر إلى شكلك... أهذا منظر كلب؟!
أغمضَ الكلبُ الشاردُ عينيه، قال:
ـ معك حق، سأحاول أن أبدو بمظهرٍ أفضل.
ـ كلّ مرّةٍ أرى كلباً مثلَك، ويقولُ لي كلاماً مثلَ كلامِك.
ـ صح. كلُّنا نتكلّمُ مثلَ بعضنا.
ـ ونحن. أقصدُ الكلاب السّلوقيّة، إلى متى سيبقى النّاسُ يقارنوننا بكم؟ تصوّر... البارحة انزعج منّي صاحبي، فخاطبني بنبرةٍ قويّة: (كلاب....... كلّكم كلاب. طِباعكم واحدة، إذا أزعجتَني مرّةً أخرى سأرميك إلى المِزبلة).
اقتربَ الكلبُ الشّارد من النافذة، هامساً:
ـ نحنُ السّبب، أعرف، شوّهنا صورةَ كلِّ الكلاب، لكن ماذا يمكُننا أن نفعل؟
ـ كم أكرهُ هذا السؤال، انظر إليّ، ماذا تظنُّ أنّني فعلت حتّى وصلتُ إلى هذه المرتبة من الكرامة؟
ببساطة... استغللت قدراتي، لي حاسّةُ شمِّ... أشمُّ بِها رائحة الطّريدة على بعدِ أميال، لي قوائمُ سريعةٌ أعدو خلفَها، لي أنيابٌ... أنقضُّ بِها على طريدتي فأصطادها بمهارة فائقة.
ـ كلامُكَ سليم، سأحاولُ جاهداً أن أفعلَ مثلكَ. أنا أعرفُ أنَكَ مدلّلٌ، تأكلُ لحوماً خاصّة، معبّأةً في علبٍ جَميلة، وتنامُ في بيتٍ سقفُهُ هرميّ، صدّقني... سأحاول أن أفعلَ مثلَك.
ـ سأحاول... سأحاول، كم سمعتُ هذه الكلمةَ من الشّاردينَ القذرين أمثالك.
فجأةً. نطّ الشّاردُ نابحاً، مكشّراً عن أنيابٍ طويلةٍ، قائلاً:
ـ أخرس يا كلب. صارَ لكَ ساعة وأنتَ تعطيني دروساً في الكرامة، ناسياً أنّني أكبرُ من أبيك، اسمع... طالما أنّ الله وهبَكَ هذه القُدُرات، لماذا لم تستغلّها لصالحنا؟ لماذا تركضُ خلفَ صاحبكَ كذليل، ولا تركضُ أمامنا كبطل؟ لماذا تصطادُ الطّريدة وتقدّمُها للإنسان طالما تعرفُ أنّ الجوعَ ينهشُ بطونَنا، لماذا ترضى أن يُوضعَ في رقَبتِكَ طوق؟ لماذا...؟
ـ كفى أرجوك. أنتَ تُهينُني أكثرَ من اللازم.
هدأ الكلبُ الشّارد، وقال:
ـ لا تزعل منّي يا بني، كلانا بلا كرامة، ما قلتَهُ لي صحيحٌ، وما قلتُه لكَ صحيحٌ. إيه... مرّةً قال لي جدّي: (إذا نَبحتِ الكلابُ في وجهِ بعضها ضاعت كرامتُها) لذا سأتركُكَ... كفانا نُباحاً!
استدارَ الكلبُ الشّاردُ الهرِمُ، مرَّ قُربَ الكيسِ الأسود دونَ أن يبعجَه، كان يمشي برشاقة، يركضُ... يقفزُ... كأنّه جروٌ صغير لم تُسلَب كرامتُهُ بعد.

القط الأسودُ الهرِم


جلسَ القطُّ الأسودُ الهَرِمُ، على حائطٍ طينيّ، ناظراً إلى السماء.
كانت عيناه تلاحقان الغيوم، والغيومُ تتبدّلُ أشكالُها بفعل الرّيح، فتبدو كعصفورٍ... أو فأر... أو مكنسة.
ارتجفَ جلدُه، كأنّ الكهرباءَ لسعته، حينما تذكّرَ المكنسةَ التي ضُرِبَ بها قبل ساعة.
أغمضَ عينيه متنهّداً، قال:
ـ إيه. بعدَ كلّ هذا العمرِ أُضرَبُ؟ فعلاً... لا يوجدُ أقسى من البشر.
فتحَ عينيه، نظر خلسةً إلى السماء، متمنّياً أن تكونَ المكنسةُ قد تلاشت، لكنّه فوجئَ بغيمةٍ تتشكلُ مثلَ قطّ، قطٌ يشبهه تماماً، تقَنفَذَ شَعرُه، نظرَ مُحملقاً، ها هو قطّ الغيم يهبطُ إليه متأرجحاً، كطيّارة ورقيّة. القطّ الهَرِمُ ينكمشُ على نفسه، وقطّ الغيم يقتربُ منه... يدنو، يحطّ على الحائط ذاته، جاثماً قبالتَه وجهاً لوجه.
تبادلَ القطّان النظراتِ، وتحوّلَ الخطّ المستقيمُ في عينيّ القطّ الهَرِمِ إلى إشارة تعجّب!
قال قطّ الغيمِ بصوتٍ نديٍّ:
ـ مرحباً.
ردّ الهَرِمُ مُتلعثماً:
ـ أ... أهلاً.
وتفرّسَ في شكلِ قطّ الغيمِ، قائلاً في نفسه:
ـ غير معقول!! إنّه يشبهني، الفرقُ الوحيد أنّه أضخمُ ولونُه أبيض.
قال قطّ الغيم:
ـ صدقت.
لفّ الهَرِمُ ذيلَه على جسمه بعصبيّة، قال دهِشاً:
ـ وتقرأ أفكاري؟!
ـ مؤكّد.
تماسكَ الهَرِمُ، قال:
ـ ماذا تريد منّي؟
ـ أريدُ محاكمتَك.
ـ ماذا؟!
ـ اسمعْ. طوالَ حياتِكَ تتسلّقُ الحيطانَ، تنزلُ الدّورَ، تجلسُ قربَ النّوافِذ، تَرى ما يحدثُ وتَسمعُ ما يقالُ، دون إذنٍ من أحد.
ـ القططُ لا تأخذُ إذناً من أحد.
ـ صحيحٌ... لكنّها لا تؤذي.
قال الهَرِمُ مدافعاً:
ـ أنا لم أؤذِ أحداً طوالَ حياتي.
قال قطّ الغيم:
ـ قبل ستِّ سنوات، عشتَ عند أمّ ياسر التي تحيا وحيدةً، كانت ترعاكَ وتطعمُك يومياً مئةَ غرامٍ من اللّحم.
ـ تذكّرت.
ـ وعندما ذهبتْ لزيارة جارتِها، سمحتَ لنفسكَ بمناداةِ خمس قططٍ شاردة، أدخلتَها البيتَ، أجلستَها قربَ المدفأة، ثمَّ أكَلَتْ وشَرِبَتْ على هواها، ولم تنسَ أن تعبثَ بأثاثِ الغرفة.
ـ لا علاقةَ لي. القططُ الخمسةُ تحبُّ الّلعبَ.

ـ طالما تعرفُ أنّها تحبّ الّلعبَ، لماذا أدخلتَها؟
ـ أشفقتُ عليها. كان الطّقسُ بارداً، والمطرُ...
ـ ها ها. قلتَ المطر! قبل سـنةٍ... وجدَكَ سامرٌ على عتبةِ دارهِ، كنتَ مبلّلاً بالمطر... ومريضاً.
قال الهَرِمُ واثقاً:
ـ سامرٌ صديقي.
ـ صديقُك؟! لماذا إذن ألْهَيتَهُ عن دراسته، وأخّرتَه عن مواعيدِ نومه. لقد رسبَ بسببك.
ـ لا، الكسلُ سببُ رسوبٍه، كم حاولتُ الاختباءَ كي يدرسَ، لكنّه كان يبحثُ عنّي حتّى يجدَني... إنّه يحبّ ملاعبتي... ثمَّ لماذا لا تذكرُ إلا التصرّفاتِ السيّئة؟ نسيتَ أنّني آكلُ الفئرانَ والصراصير في كلّ بيتٍ أدخلُه، ألم تكن ضحكاتُ الأشخاصِ الّذينَ لعبوا معي تملأ المكانَ فرحاً؟
قال قطّ الغيم:
ـ أنتَ لا تعترفُ بأخطائك، على كلّ حالٍ... تفضّلْ واشرحْ ليَ السببَ الذي ضربَك الخبّازُ من أجلِه بالمكنسة.
ـ الحسد. يحسدني لكثرة جلوسي وتفكيري في الحياة، إنّه لا يحبّ التفكير.
ـ قلْ لا يحبّ الكسل. أنتَ لم تكن تفكّر. إنّك دائمُ النّوم والتمطّي، هو يعجنُ... والفئرانُ تأكلُ الطّحينَ من الأكياس أمامَ عينيك، دون أن تتحرّك. وفوق هذا تريدُه ألا يضربَك؟!
ـ كيف تريدني أن أصطادَ الفئرانَ وأنا هَرِمٌ، مفاصلي تؤلمني، عضلاتي فقدَتْ مرونتَها، حتّى مخالبي تثلّمتْ. آهٍ... ما أقسى البشر!!
وهَرَّتْ من عيني الهَرِمِ دمعتانِ ساخنتانِ.
نظرَ قطّ الغيمِ إليه بمودّةٍ وعطفٍ، قال:
ـ لا تبـكِ. أنت صادقٌ في كلّ ما قلتَه، يااه... أنتَ مَن أبحثُ عنه منذ سنوات.
مسحَ الهَرِمُ عينيه، قال:
ـ أنا! تبحثُ عني... لماذا؟
ـ كي أنقلَكَ إلى السّماء، ستُدَحرِجُ النّجومَ كالكرات، وتطاردُ الشّهبَ، وعندما تتعبُ ستنامُ على الغيوم.
سألَ الهَرِمُ بجديّة:
ـ من أنت؟
ابتسمَ قطّ الغيم، قال:
ـ أنا أنت. أقصدُ أنّني روحُكَ الخيّرة، لقد انتهتْ حياتي على الأرض، سأسافر إلى السّماء، وداعاً.
وبدأ قطّ الغيم بالارتفاع، متحوّلاً إلى قلبٍ أبيض.
كان القطّ الأسودُ الهَرِمُ جالساً دونَ حراك، على حائطٍ طينيّ، ناظراً إلى السّماء... وكأنّه نمرٌ منحوتٌ من البازلت، وُضِعَ على بابِ مُتحف.



الملك والبومة


ما سرُّ البومة؟ لماذا أحبَّها الأهالي في مملكة التّلال البعيدة...؟
لماذا نحتوا لها قلائدَ صغيرةً من الفخّار وعلّقوها في رقابِ أطفالِِهم؟
سأروي القصّةَ من بدايتها.
كان يحكمُ مملكةَ التّلالِ البعيدة، ملكٌ ظالمٌ، يسلبُ أموالَ الأهالي ويسمحُ لحاشيته بالاعتداءِ عليهم.
مرّةً... استدعى كبيرَ النّحاتينَ، قائلاً له:
ـ ستبدأ غداً بنحتِ تمثالٍ لي.
ـ هذا شرفُ كبيرٌ لي يا مولاي.
ـ ماذا يلزمُك؟
ـ قطعةَ رخامٍ بحجمِكَ، وساعةً من الزّمنِ، أراكَ فيها كلّ يومٍ، ليصبحَ التّمثالُ مشابهاً لكَ تماماً.
ـ لك ما تريد. انصرف.
مضتْ ثلاثةُ شهورٍ، عملَ النحّاتُ بكلّ طاقتِه، وأنجزَ العمل.
أنشأ رئيسُ التشريفات ساحةً جديدةً، نجميةَ الشّكل، لَها خمسةُ رؤوسٍ، ثبّتَ على كلِّ رأسٍ سمكةً نُحِتَتْ من المرمر، يتدفّقُ الماءُ من فمها، ليصبّ في بركةٍ محاطةٍ بالزّهور، يتوسّطُها عمودٌ أخضر، وُضِعَ فوقَه تمثالُ الملكِ المنحوتِ من الرّخام الأبيض.
أُنجزَ العملُ تماماً ليلةَ عيدِ التتويج، نام الجميعُ، استعداداً لصباحِ الغدِ، حيث سيُدشّنُ الملكُ تمثالَه.
وصلَ موكبُ الملك، الطّبولُ والمزاميرُ تعزفُ لحنَ الخلودِ، والأهالي الواقفون بعيداً عن السّاحة يصفّقون بفتور، ناظرين بطرفِ عيونهم إلى حرّاس الملكِ ذوي السيوف الطّويلة، والوجوه المقلوبة.
رأى الملكُ تمثالَه، انفرجتْ شفتاه عن ابتسامةٍ عريضة، فابتسمت حاشيته كلّها. اقتربَ من التمثال، حدّقَ إليه... وفجأةً... صرخَ ثائراً:
ـ أغبياء. كيف تسمحونَ بذلك؟
تبادلَ أفرادُ الحاشيةِ نظراتِ الدّهشةِ، سألَ رئيسُ التشريفات متلعثماً:
ـ ماذا حدثَ يا مولاي؟
ـ أأنتَ أعمى؟! انظرْ إلى رأس التمثال.
حَملق رئيسُ التشريفاتِ إلى رأس التّمثال، شَهقَ قائلاً:
ـ المعذرة... المعذرة يا مولاي، إنّها فعلُ طائر، الطيورُ لا عقلَ لَها!
لكنْ... متى حدَث ذلك؟ أكيدٌ في الّليل...
ربَّما كانت بومة. وقفتْ على رأسِـك وفعلتها، أقصدُ على رأسِ التمثال، إنّها بلهاءُ وقليلةُ أدب.
تململَ رئيسُ الحرسِ، قال:
ـ لا تغضبْ يا مولاي، سأصطادُها وآتيك بها كي تنتفَها ريشةً ريشةً، أقسمُ بشرفي.
ثمَّ التفتَ إلى أحدِ الجنود، قائلاً:
ـ اصعدْ إلى التمثال، وامسحْ رأسَهُ.
استدارَ الملكُ راجعاً إلى قصرِه وهو يرتعدُ غضباً.
مضتْ ليلتان، والجنودُ الخمسةُ المأمورونَ بصيدِ البومةِ، مختبئونَ بين أغصان الأشجارِ المحيطةِ بالتمثال، مُمسكينَ بسهامهم، منتظرينَ قدومَها.
عند منتصفِ الّليلةِ الثالثة، سمعَ الجنودُ نعيباً، شدّوا أوتارَ سهامِهم، وحينما لَمحوا البومةَ تُرفرفُ قربَ التمثالِ، أطلقوا السّهامَ، فأخطأ أحدُها وأصابَ التّمثال...
تشظّى الرّخامُ... تطايرَ الشّررُ، نعبتِ البومةُ مذعورةً، وهربت مُختفيةً في العتمة.
في الصّباح... عَلِمَ الملكُ بما حلّ بتمثالِه، فاستشاطَ غضباً، وهرولَ إلى السّاحة.
وقف أمَامه، ناظراً بذهولٍ إلى عينيه المفقوءة...الحاشيةُ صـامتةٌ... خائفةٌ... تنتظرُ الأوامرَ. قال لوزيرِه:
ـ استدعِ كبيرَ النّحاتين، ليرمّمَ العين.
ثمَّ التفتَ إلى رئيس الحرس، قائلاً:
ـ اسجنِ الرّماةَ، وعذّبهم جميعاً. لقد شجّعتهم البومةُ فأصابوا تمثالي عَمداً.
صارت مملكةُ التّلال البعيدة أشبهَ بمقبرة، فلا الأهالي خرجوا من بيوتِهم خشيةَ أن يصيبَهم مكروهٌ ولا ظهرت البومةُ في السّاحة... وكأنّها أحسّت بالعطب.
وعادَ الملكُ إلى سَمَره ومُجُونه كالعادة، حيث الطعامُ والشّراب... والرّقصُ والغناء.
ومرّةً... بينما كان يأكلُ حبّاتِ العنب، دخلَ عليه رئيسُ الحرس:
ـ المعذرة يا سيدي. لقد حدثَ أمرٌ مزعج.
ـ بصقَ الملكُ حبّةَ العنبِ من فمه، قال:
ـ ماذا حدث؟
ـ وجدنا يدَ التمثال مبتورةً.
هبَّ الملكُ واقفاً كالمجنون، ركضَ كالملسوعِ إلى باب القصر، خارجاً لأوّل مرّةٍ دون أن يضعَ التاج... أو يرتدي عباءةَ الحريرِ المزركشة.
كانت يدُ التمثال اليمنى مبتورةً من الرّسغ، لقد سقطت أرضاً وتكسّرت أصابعُ الكفِّ وصارت كالحصى.
تجمّدَ الملكُ كالتمثال، عندما رأى المشهدَ، لقد احتوت السّاحةُ تلك اللحظة تمثالين!
كسرَ الوزيرُ الصّمتَ، بقوله:
ـ ماذا تأمر يا مولاي؟
ـ أنزلوا التمثالَ، خذوه إلى القصر.
بعد ذهابِ الملك، لم يبقَ في السّاحة غيرُ رئيسِ الحرس، لقد قرّر أن يصطادَ البومةَ بنفسه.
في القصر... سألَ الملكُ وزيرَه:
ـ أيّها الوزير... مَن لـه مصلحةٌ بِبتر يدِ تمثالي؟
ـ يا مولاي، الظّاهرُ أنَّ بعضَ الأهالي لا...
ـ أكملْ.
ـ البعضُ فقط لا يحبّونَك.
ـ وما ذنبُ تمثالي؟
ـ تمثالُكَ هو أنت.
ودخلَ الحاجبُ، قال:
ـ رئيسُ الحرسِ بالباب يا مولاي.
ـ ليدخل.
دخلَ رئيسُ الحرسِ ماسكاً سهماً ملَوّناً بالدّم.
ـ مولاي. أصبتُ البومةَ بسهمي هذا.
ـ وأين البومةُ؟!
ـ هربتْ، لكنّها ستموتُ لا محالة.
سُرّ الملكُ... أمسكَ السّهمَ، جلس على كرسيّه مسترخياً، وانصرفَ الوزيرُ ورئيسُ الحرسِ، تاركَين الملكَ مُنتشياً بالنّصر.
وبعد لحظاتٍٍ من خروجهما، سمعَ الملك نعيبَ بومةٍ! نعيبٌ حادّ يتردّدُ في أنحاء القاعة.
تجهّم وجهُه... وقفَ متلفتاً، ازدادَ النّعيبُ حدّةً، وامتزجَ مع نعيبِ بومة ثانيةٍ وثالثةٍ وعاشرةٍ.
وضعَ كفّيه على أذنيه ودارَ حولَ نفسِه، وقد تملّكهُ الخوفُ...
نعيبُ البومِ يملأ فضاءَ القصر، ضغطَ على أذنيه مهرولاً نحو تمثاله... النعيبُ يصمُّ أذنيه... إنّه يضربُ بالسّهم أذني التمثالِ فيكسرهُما... يطعنُ بهِ رأسَه الرّخاميَّ... جذعَه... رجليه، فيترنّح ويهوي محطّماً.
انقطعَ النعيبُ، هدأ الملكُ، جلس على كرسيّه، مسحَ العرَقَ المتصبّبَ عن وجهه، فشعرَ بالرّاحة:
ـ أيّها الحاجب.
ـ أمرُ مولاي.
ـ استدعِ كبيرَ النحاتين.
وفورَ مُثولِه، قالَ له:
ـ ستبدأ غداً بنحتِ تمثالٍ للبومة.
فتحَ النحّاتُ فمه مُتعجباً، ابتسمَ الملكُ، اقتربَ منه، ربّتَ على كتفه، قال:
ـ اسمعْ يا صديقي. سأعترفُ أن البومةَ كانت أحكمَ منّي، لقد أجبرتني على تحطيمِ غطرستي... أنا أعلمُ أن الأهالي أحبّوها ونحتوا لها قلائدَ من الفخّار. لذا... فهي تستحقُّ أن تَنْحَتَ لَها تمثالاً من الرّخام الأبيض، وتثبّتهُ فوقَ العمودِ الأخضر، وسطَ السّاحةِ النجميّة.
هذا ما حصلَ في مملكة التّلالِ البعيدة، فهل عرفتمْ سرَّ البومة؟.


الجَدّة


العصفورُ يحكي حكاية الغناء.
القطّة تحكي حكايةَ الّلعب.
وأنا سأحكي حكايةَ الجَدّة.
منذ ستّة أشهر، اشترتِ الجدّة لحفيدتها صدّارةً مدرسيةً زرقاءَ بلون عينيها، لَها جيبٌ على شكل سلّة طرّزتِ الجدّة عليه زهرةً لَها سبعُ بتَلات، ملونةٌ بألوان قوس قزح:
أحمر... برتقالي... أصفر... أخضر... أزرق... بنفسجي... وكحلي.
منذ ستة أشهر والجَدّة تستيقظ باكراً، تشعل المدفأةَ، تضعُ القفصَ على حافّة النافذة، يزقزقُ العصفورُ منتشياً بالضّياء، تتمسّح القطّة الكسلى بقدمَي الجدّة، تتقوّسُ... تموءُ:
ـ فطورك جاهزا.
ـ مياو... مياو.
ـ حاضر. حليب فاتر.
ـ مياووو.
القطّة تلعقُ الحليب، الحفيدة تفطر، العصفور يغمس منقاره في الماء، والجدّة تضع السكاكر داخل الجيب.
في المدرسة، يحسّ الجيب بكفٍّ صغيرة تدخل جوفه، جوفه المليء بالسكاكر. الأصابع اللطيفة تمسك سُكّرةً، فمُ الحفيدة يمصّها، تذوبُ الحلاوة فيه، فترسمُ عليه ابتسامةً حلوة.
والجيبُ الّذي له شكلُ سلّة، المطرّز بزهرةِ قوس قزح، لا يحتوي دائماً على السّكاكر، فأحياناً تملؤه الجدّة بالزّبيب الجاف، أو بقلب الجوز، أو قطعة نقودٍ معدنية فضيّة الّلونِ تخرجها الحفيدةُ بسبّابتها وإبهامها، وتركض لتشتري الكعك.
منذ ستّة أشهر والجيب يعيش أحلى الأوقات، سلّة مملوءة بهدايا الجدّة، هدايا يومية لذيذة ومفرحة.
مرّة غسلت الجَدّة الصدّارة، ورشّتها بماء الورد، شعَرَ الجيب بانتعاش، فلون الصّدارة أزرق كسماء صافية، وهو... أي الجيب... على شكل سلّة، المطرز بزهرة قوس قزح، يحلق فيها.
منذ ستة أشهر لم يحزن الجيب كما حزن اليوم.
كفّ الحفيدة تدخل جوفه، تبحث داخله ولا تجد شيئاً. الأصابع المتوتّرة تفتّش في أطرافه دون فائدة.
تتكرّر محاولات التفتيش، الأصابع الخمس تبحث، تضغط على طُعَن الخياطة...
زهرته تذبل، والأصابع الخمس تزداد عصبيّة، طُعَنُ الخياطةِ تنفتق، يتمزق، تتساقط البتلات السّبع لزهرته، الأصابعُ تخرج من طرفه الآخر، دون أن تجد شيئاً.
خرجتِ الحفيدةُ من المدرسة، ركضت تحت المطر صوبَ البيت كي تطمئنَّ على صحّة جدّتِها...
إنّها لم تستطعْ أن تنهضَ من فراشها صباحاً، وصلت لاهثة، الباب موارب، دخلت بِهدوء...
الجَدّةُ مستلقيةٌ في فراشها، القفصُ على الطّاولة قرب رأسها...
لحنٌ حزينٌ يغنّيه العصفور، اقتربت... لَمحتْ صحنَ الحليب ملآنَ، والقطّة نائمة على صدر الجَدّة.
الحفيدةُ تقتربُ من جدّتِها... تناديها... تَهزّها...
تنسلّ القطّة خارجَ البيت، ويسكتُ العصفور.
لقد أغمضتِ الجَدّةُ عينيها إلى الأبد.
بكتِ الحفيدةُ بحرقة، نظرت عبر النّافذة إلى السّماء، رأتْ قوسَ قزح يتحوّلُ إلى زهرة هائلة...
زهرة لَها سبع بتلات، كلُّ واحدةٍ بلون، فتحتِ النافذةَ، هبّتْ نسمةٌ رطبة...
شمّت رائحةً عطرة... رائحةً منعشةً تملأ الدنيا.



عقال جدّي


الحاج أحمد... هو جدّي.
إنّه الآن شيخٌ في الثمانينَ من عمرهِ، وعلى الرّغمِ من مرضِه، فجسمهُ ما يزالُ قوّياً، وعيناهُ الزّرقاوانِ تلمعانِ ذكاءً.
أذكرُ أنّه طيلةَ فصلِ الشّتاء، كان يستيقظُ عند آذان الفجر، يتوضأ... يصلّي، يلبَسُ ثيابَه، يضعُ كوفيّته البيضاءَ، وفوقَها يثبّتُ عقالَه الأسودَ المبروم، ثمَّ يذهبُ إلى معصرة الطحينة والحلاوة.
والمعصرةُ مبنيةٌ من الحجارةِ والطّين على شكل أقواسٍ، وألذّ شيء فيها دفئها، فالجوّ في الخارج بردٌ ومطرٌ، وفي الدّاخلِ حلاوةٌ ساخنةٌ طريّةٌ، يقدّمُها جدّي للضّيوف، بعد أن يرشَّ فوقَها حبّةَ البركة.
ويستمرّ جدّي في عمله طيلةَ الشتاء، وتتوالى الفصولُ، وأذهبُ إلى خدمةِ العلم، وفي أوّلِ إجازةٍ أزورُه، أحكي له عن حياتي العسكريّة وأصدقائي الجُدد، وبالأخصّ صديقي سمير الذي كان يعملُ صانعاً للعقالات، قبلَ خدمةِ العلم.
قال جدّي:
ـ أريدُكَ أن تأخذَ عقالي وتعطيه لصديقكَ كي يُخفي العقدة؟
ـ أيّةَ عقدةٍ يا جدّي؟
أنزلَ جدّي العقالَ عن رأسِه، وقال:
ـ هذه. إنّها تُضايقُني عندما أضعُه.
فعلاً... عقدةٌ كبيرةٌ ومزعجةٌ، حاضر.
وفورَ وصولي إلى القطعة العسكرية، أعطيتُ العقالَ لسمير، وشرحتُ له القصّة.
نظر سمير إلى العقال، وقال:
ـ ما رأيكَ أن تُهدي جدَّكَ عقالاً جديداً... عندي الكثير؟
ـ وهذا العقال!؟
ـ تَرميه.
بعد أسبوعٍ... أحضر سمير العقالَ الجديد، أخذتُه شاكراً. ثمَّ أمسكتُ القديم، وخرجتُ من الغرفة كي أرميه.
فجأةً... توقفتُ. كيف أرمي عقالَ جدّي الّذي كان يضعُه على رأسِه!
كيف أرمي العقالَ! وقد أوثقَ به جندياً فرنسياً، حاولَ هدمَ معصرته.
كيف أرميه! وكان على رأسه أيامَ النّصرِ إكليلاً منَ الغار.
عدتُ إلى غرفتي، وبجانب خوذتي المعلّقةِ على الحائط، علّقتُ العقالَ.
عندما جلستُ قبالةَ الحائطِ، أحسستُ بطعمِ الحلاوة في فمي، حلاوةٍ طريّة ساخنة...
هي من صنعِ جدّي بالتأكيد.



أغنية القرد العجوز


وقفَ الببّغاءُ الملوّنُ، قربَ القردِ العجوز، فوقَ شجرةِ السّنديان الكبيرة، وسـطَ الغابة... على طرف جدولٍ رقراق.
القرد: سلّمَ الله منقارَك، الكلماتُ تقطرُ منه كالعسل.
الببّغاء: شكراً. أنا شاطرٌ بالحكي... صدقت.
ـ شاطر فقط؟! أنت حكواتي.
قهقه الببغاء، قال:
ـ حكواتي!! ذكّرتني بالمقهى، حيث يجلس رجلٌ ذو طربوش أحمر، ويحكي قصصاً تُسلّي البشر.
داعبَ القردُ شَعرَ رأسه الأبيض بأصابعه، وبعد تفكير، قال:
ـ ببغاء، ما رأيك أن نجعلَ هذه الشّجرةَ مقهىً، وتكون الحكواتي؟
ـ حكواتي؟!
ـ نعم. السّنديانة هذه، أكبرُ أشجارِ الغابة، وظلّها كثيفٌ كما ترى، إنّها مقهى يبهجُ النفسَ، والله... لَشُربُ ماءِ جوزِ الهند تحت ظلّها يطيلُ العمرَ، خصوصاً عندما تغمسُ قدميكَ بماء الجدول... وتغنّي.
ـ فكرتك طريفةٌ، لكنّها أشبهُ بحلم.
ـ بل حقيقة. سأخبرُ حيواناتِ الغابة بالفكرة، سأغريها بحكاياتك، وبالطّعامِ والشّرابِ الّذي سيقدّمه لَها ابني قرّود بسعرٍ رمزيّ.
ـ طيّب. لنفترض أنّ الحيواناتِ المفترسةَ وافقتكَ، ماذا عن البقيّة؟
ـ ببغاء، فكّرْ معي، إذا تعاهدنا أن نتصالَح ساعتين يوميّاً، وقتَ القيلولة، تحتَ شجرةِ السّنديان تحديداً، أعتقدُ أنّنا سننجح، ما رأيك؟
ـ والله يا قرد. المسألةُ صعبةٌ زيادةٌ عن الّلزوم، لكنْ... لا يمنع أن تحاولَ جمعَها أسبوعاً على الأقل.
ـ تقصدُ أن نحاولَ معاً؟
ـ بالضّبط. هذا ما قصدتُه.
وانطلقا شارحَين الفكرةَ للحيوانات.
صراحةً... لم يحضر في البداية غيرُ الثّعلب والأرنبِ، جلسا على طرفي الظل، كانا يقظَين، القردُ يجلس قربَ الأرنبِ، والببّغاءُ يحكي للثّعلب قصّةَ الصّداقة.
انتشرَ خبرُ الّلقاء في الغابة، زالَ الخوفً... ونجحتِ الفكرة.
الببغاء... يقف على الغصن، لسانه لا يدخل إلى منقاره، يُنهي قصّة ويبدأ بأخرى.
قرّود... يطوف على الحيوانات بما لذّ وطاب من طعام وشراب، جوز هند... توت برّي... بلّوط... كلّ ذلك يُقدَّمُ في أوراق كبيرة خضراء، تُوضعُ على جذوعٍ قصيرة موزّعةٍ تحت السّنديانة.
أمّأ القردُ العجوزُ، فكان يسندُ ظهرَه إلى جذع السّنديانة، يراقبُ حيواناتِ المقهى مسروراً، ويغنّي.
الغريب أنَّ الحيواناتِ المجتمعةِ حولَ الجذوعِ، طباعُها متعاكسة.
مثلاً... كان النّمرُ لا يجلس إلا قبالةَ الغزالِ، ينظرُ إليه مليّاً، ويقول:
ـ ما شاء الله، ما أحلى عينيك؟ أنا أعرفك منذ ولادتي، لكنّني لم أنظر قطّ إلى عينيك الجميلتين.
ـ شكراً نمر. الجمالُ ليس حِكراً على عينَيّ، فوجهُكَ أيضاً مدوّرٌ كقمر.
ـ أخجلتني يا غزال، آهٍ... لماذا لم نتصالح منذ زمن؟
ـ لمن تكن تسمحُ بالصّلح، كنتَ دائماً مستعدّاً للافتراس.
ـ لا تذكّرني، كنتُ جاهلاً، لكنَّ قردَنا العجوزَ وصديقَه البّبغاءَ نوّرَا عقلي.
ويطلبُ النّمرُ للغزال توتاً بريّاً، ويلبّي قرّودُ مبتسماً، وما إن يضعُه على الجذعِ حتّى يسمعَ نداءَ الثّعلب.
ـ قرّود... ملفوفةٌ كبيرةٌ وغضّة، لأرنبي العزيز.
ـ حاضر.
ويقتربُ الأرنبُ من صديقِه الثّعلب، يتلامسُ فِراءاهُما، يقول:
ـ ثعلوب. أخجلتني بكرمِكَ، منذ ساعةٍ وأنتَ تُطعمُني، الجزرَ... الخسَّ، وأخيراً الملفوف.
ـ صحتين وهَنا، كُلْ يا صديق، أريدُك سميناً، ألا يكفي أنّني أذبتُ شحمَكَ لكثرة مطاردتِك؟
كُلْ، أريدُ أن أكفّرَ عن ذنوبي.
ـ ثعلوب... أخشى أن يكونَ كرمُكَ خدعةً، كي أسمنَ و......
ـ لا تكمل أرنوب فعلت ذلك قبل التعرّف عليك، وسماع حديثك، صحيح أنّني ما زلت آكلُ الّلحمَ، لكن لحمَ مَن؟ لحمَ الحيوانات الّتي فارقتها الحياة.
ـ لم أقصد إزعاجكَ، أنا أشعرُ بصدق حديثك.
ـ لا بأس. استعد للأكل، ها قد حَضَرَتْ الملفوفة، ولا تنسَ أن تكمِلَ لي كيف تعرّفتَ على أرنوبة الجميلة.
ويمضي الأسبوع، وتغصّ شجرةُ المقهى بالحيوانات، وينتشرُ الوِفاقُ من ظلّها إلى ظلالِ الأشجار المجاورة، و... تستيقظُ الحيواناتُ على صراخ القرد العجوز... تَهرَعُ نحوهُ، راكضةً وطائرةً، لترى المشهدَ المخيف!!
شجرةُ المقهى مكسورةٌ... كتلةٌ خضراء هائلةٌ مرميّةٌ على الأرض.
هاجتِ الحيوانات.
قالت: هذا عملُ طيور نقّارِ الخشب، نقرَتْ ساقَها فانكسرت.
وقالت: بل السّناجبُ. إنّها أسرعُ؟
وقالت: ربَّما حيواناتُ الغابةِ المجاورة.
قالَ الببغاءُ: وربما حيواناتٌ من غابتنا نفسِها.
مسحَ الغزالُ دموعَهُ... أشارَ إلى سنديانة قريبةٍ، قال:
ـ ستكونُ تلك الشجّرةُ مقهانا الجديد.
قالتِ الحيواناتُ: لكنّها صغيرة.
وقالت: ظلّها لا يَسَعُ نصفَنا.
وقالت: لننتظر ريثما تكبُر.
قالَ الببّغاءُ: هل سنبقى محافظينَ على عهدِنا، حتّى تكبر؟
صرخ قرّود قائلاً: أين أبي؟‍
تلفّتتِ الحيواناتُ حولَها... لم ترَهُ، نادت... لم تسمعْ ردّاً.
سكتَ الجميعَ، وحدَه الجدولُ كان يجري، تنعكس على وجهه صورةُ السنديانة المكسورةِ، فيترقرقُ مُصدِراً خريراً، أشبهَ بأغنيةِ قردٍ عجوز.

الجوهرة


بُمْ... بُمْ... بُمْ
يا أهلَ المَمْلكة... يا أهلَ المَمْلكة.
يقولُ الملك: من يُحضر أثمن جوهرةٍ في الدّنيا، سيصبحُ وزيراً، والمهلةُ شهرٌ واحد.
بُمْ... بُمْ... بُم
يا أهلَ المَمْلكة... يا...
وراح الناس يبحثون ويسألون.
مضر... كبير التجار، اختارَ صَدَفَةً كبيرة، فيها لؤلؤةٌ عظيمة.
مروان... صائغُ المَمْلكة، اختارَ حجراً كريماً بلّوريّاً، لونه يراوح بين الأخضر والأزرق، يسمّى الزُّمُرُّد.
اليمامة... حائكةُ السّجّاد الملكي، اختارت ياقوتةً صُلبة ثقيلة الوزن، لونُها يميلُ إلى الأزرق.
طارق... رُبّانُ السفينة، اختارَ جوهرةً ثمينةً، وجدها أحد غوّاصيه في البحر الأحمر، تُسمّى المَرجان.
بشّار... شاعرُ المَمْلكة، اختار نجمةَ القطب.
وانقضى الشهر... وقابَل الملكُ كبيرَ التّجَار ورأى لؤلؤته، وصائغَ المَمْلكة وزُمُرّدته، وحائكةَ السّجَاد الملكي وياقوتتها، ورُبّانَ السّفينةِ ومرجانته... وبعد أن سقاهم عصيرَ الّلوز، قال:
ـ شكراً لكم... جواهركم ثمينة، لكن. يوجدُ أثمن منها.
وحضر بشّار ليلاً، وقف مع الملك بجوار النافذة، وأشارَ بإصبعه إلى نجمة القطب، وقطّبَ الملكُ جبينه، ثمَّ ابتسم وقال:
ـ يوجدُ أثمن منها.
وجاء من أقصى المملكةِ رجلٌ يسعى، قالَ:
ـ يا قومُ... خذوني إلى القصر الملكيّ.
فأخذوه، ولمّا وقفَ أمامَ الملك، قال:
ـ أحضرتُ ـ يا ملكَ الزّمان ـ أثمنَ جوهرةٍ في الدّنيا.
نظرَ الملكُ إلى يده، رأى كتاباً، قال:
ـ أهذه هي الجوهرة؟
ـ لا. صحيحٌ أنَّ الكتابَ جوهرةٌ ثمينةٌ، لكنّني أحمِلُ أثمنَ منها.
ـ أين؟
ـ هنا. وأشارَ بيده إلى رأسه.
دُهشَ الملكُ، قال:
ـ جوهرةٌ في رأسك؟!
ـ أجلْ يا ملكَ الزّمان، العقلُ جوهرةٌ في الرّأس، كما اللّؤلؤةُ في الصّدَفَة.
سُرَّ الملكُ سروراً عظيماً، وأمرَ بتعيينه وزيراً للمملكة.



صدرللمؤلف

ـ خير الدين عبيد
ـ إدلب 1969.
ـ فنّان تشكيلي.
ـ الإصدارات:
1 ـ حديقة الألحان... قصص للأطفال... اتحاد الكتاب.
2 ـ جبل السّكّر... قصص للأطفال... اتحاد الكتاب.
3 ـ المهرّج.... قصص للأطفال... اتحاد الكتاب.
4 ـ حكايات شعبية للأطفال... اتحاد الكتاب.
5 ـ قصر الورد... قصص للأطفال... وزارة الثقافة.
6 ـ رسالة من المرّيخ... مسرحيّة... جائزة الشارقة للإبداع... المركز الأوّل.
7 ـ أحلام نجمة... مسرحية... جائزة أبو ظبي.
8 ـ الرّيش الطّائر... قصص للأطفال... وزارة الثقافة.

عودة        الرئيسية