يذهلني التناقض بين قدم مدينة حمص وتاريخها من جهة واندثار آثارها ومعالمها من جهة ثانية … فقد واكبت الحياة منذ عشرات القرون وكانت لها خير رفيق يفوح منها العطر ويكللها العز ويحليها الصمود … قدمت للعالم ما تفاخر به غيرها ولا أريد بحث تاريخها لهذا البحث أربابه وإنما أذكر للذكرى أنها صدرت قبل الفتح العربي أربعة أباطرة تسلموا عرش روما . وفيها أقام إمبراطور بيزنطة قبل الفتح العربي ينتظر نتائج حروبه مع أعدائه الفرس ويدير رحى حروبه … ولما جاء خبر انتصار جيوشه وطردهم لأولئك الأعداء انطلق منها إلى القدس سيراً على الأقدام وفاءً لنذر قطعه على نفسه ... وفيها يرقد أكبر قائد عرفه تاريخ العرب خالد بن الوليد . وعندما غزا تيمورلنك بلادنا عاج عنها تقديراً وإجلالاً لبطولة الراقد فيها فلم يمسها بأذى كمثيلاتها من المدن رغم بطشه وجبروته وهمجيته . أما على المستوى الأدبي فقد أنجبت عدداً لا يحصى من فحول الشعر والأدب ومازالت ... وأذكر على سبيل المثال الشاعر الكبير ديك الجن . كل هذا وأمثاله محفوظ في بطون كتب التاريخ وإياك أن تحاول تلمس معالم هذا التاريخ العريق في أثارها وأوابدها . فلا قصور ولا أقواس نصر ولا أبواب أثرية ولا تماثيل ولا مساجد ولا كنائس ولا حتى قبور .. وإن وجدت بعضاً مما ذكرت فإنها لا تتناسب مطلقاً مع ما تعرفه عن عراقة هذه المدينة . وأذكر أن سائحاً أحرجني وأخجلني حين طلب مني أن أدله على آثارها ومعالمها فارتبكت وارتج عليَّ ولم أجد مخرجاً سوى أن أقول له : تعود شهرة مدينتنا لوقوعها في طريق القوافل القادمة من روما إلى تدمر فعليك بتلك . ولئن ذهب بك الظن إلى أن الأسباب الحقيقية لدرس هذه الآثار يعود إلى أن الفاتحين والغزاة هم الذين ساهموا في ذلك فهدموا ونهبوا ودرسوا معالمها على مرّ الأجيال ، أصبت نصف الحقيقة وفاتك النصف الآخر وإليك الدليل . منذ عام مضى هُدم بناء المصرف التجاري في شارع القوتلي رغم المعارضة التي بنت رأيها على أن هذا البناء يجب الحفاظ عليه فهو يتسم بطابع مميز ولحقبة معينة من تاريخنا . وأذكر أن الموضوع نوقش على مستوى جريدة العروبة كما تناوله المواطنون في مجالسهم وحوارهم وأذكر أن أحدهم قال لي لماذا تدافعون عن بناء يذكرنا بالانتداب الفرنسي فضلاً عن أن عمره لا يناهز الخمسين عاماً . قلت إذا هدمنا كل بناء لا يناهز عمره الخمسين عاماً فكيف يتاح لنا رؤية الآثار التي يزيد عمرها عن ذلك . ولئن كنت ترى في الانتداب الفرنسي ما يشين هذه الأمة فأنا أرى فيه فخاراً وعزاً وتضحيةً فهو يذكرني بتضحية يوسف العظمة ورفاقه من أبطال ميسلون ومقاومة حسن الخراط وهنانو وصالح علي وسلطان الأطرش وغيرهم ممن بذلوا الكثير في ساحات الشرف والنضال الذي استمر ربع قرن من الزمن لم ينم فيها المستعمر ليلة واحدة ملء جفونه . يذكرني بأناشيد ـ يا ظلام السجن خيِّم ـ وبلاد العرب أوطاني ـ كل زائر لموسكو سيشاهد حتماً بناء البلدية الأثري الذي اقتضى المخطط التنظيمي لأحد الشوارع هدمه فاستنفرت الدولة كل خبراتها وعبأت قدراتها العلمية والفنية لإنقاذه وتم لها ذلك حين جروه عدة أمتار إلى الخلف وتحقق الهدفان . أفلا يمكن الإبقاء على مبنى الروضة والبلدية وإقامة المشروع السياحي في مكان آخر . وهل ضاقت المدينة على رحبها . إن لهذا المقهى بشكله الحالي مكانة خاصة في قلوب المواطنين تضاهي مكانة صوت جرس ساعة ـ بيغ بن ـ المكسور والذي أصبح نشازاً وقد ألف اللندنيون هذا النشاز لعدة سنوات وعندما فكرت بلدية لندن إصلاحه ثارت ثائرة المواطنين دفاعاًً عما ألفوا فانصاعت البلدية لرأيهم . ترى لو أجرينا استفتاءً على مستوى مدينة حمص أو على مستوى القطر بكامله ألا نحصل على نتيجة تفوق ما حصل عليه صوت ـ بيغ بن ـ الناشز من التأييد. وليذكر أولو الأمر أننا من أمة حريصة كل الحرص على ماضيها وتراثها أكثر من غيرها من الأمم فنحن الذين نبكي الأطلال ونتفقد الأثافي ونسائل الرسوم .
العروبة 4649 بتاريخ 9 / 1 / 1980
|