لاشك أن العالم بأسره يمر بأزمة اقتصادية ، وباعتبارنا جزءاً من هذا العالم فلا بدَّ أن يصيبنا رذاذ من هذه الأزمة أو بعض شظاياها وللأزمة العالمية أسباب جمَّة .. كنت أوجزت بعضاً منها في مقالة سابقة بعنوان (( نادي روما )) نقلاً عن كتاب من تلك الكتب الكثيرة التي تتحدث عن ذلك النادي .. . وهي ازدياد عدد السكان وخطر التصحّر. وجشع أصحاب رؤوس الأموال .. . الخ . وذكرت أيضاً أن علماء نادي روما يعالجون هذه المشكلة أو يحاولون حلها .. أو معالجتها بما أوتوا من العلم .. وتمنيت لو اضطلع علماؤنا بمثل هذه المعالجة .. وباعتباري وقراء هذه الخاطرة إلاَّ أقلنا لسنا من علماء هذا الوطن .. . أفلا يحق لنا أن نتدارس ولو على سبيل الدردشة في بعض أسباب هذه الأزمة .. . ولا أقول في كل أسبابها لأن ذلك هو جدير بالصفوة المختصة في علم الاقتصاد والاجتماع وغيرها من العلوم الحديثة والقديمة . وحديث الدردشة هذا يمكن أن يوجه إلى المواطنين كافةً الموسرين ومتوسطي الحال بخاصةً على اعتبار أنهم الأكثر في نظري مسؤولية عن بعض هذه الأزمة وكلما زاد المرء يسراً عمَّ خيره أو تفاقم ضرره .. والوطن هو مجموعة من المواطنين يتفاوتون منصباً وعلماً وسعةً ومسؤوليات .. ونظرية العقد الاجتماعي تحدث عنها المفكرون منذ القرن الثامن عشر .. . فإذا وضعنا النقاط على الحروف بصدق وصراحة تبدأ مسيرة الألف ميل بخطوة واحدة ونتجاوز الصفر بخط بياني نحو الأعلى . ولنأخذ مثلاً على ما نقول ارتفاع الأسعار وأسبابه .. . ألم يساهم جشع التجار والمنتجين فيه .. وحتى طمع الحرفيين في تقاضي أجور تفوق أضعاف الجهد الذي يبذلونه . ألم يكن للأموال والطاقات التي نهدرها دون مردود قسط في افتعال الأزمة .. . ؟ من منا لا يهدر طاقة كهربائية دون مردود مثلاً .. فيترك مصابيح عديدة في منزله مضاءة دون مبرر .. ؟ . من منا لا يستهلك عشرين لتراً من الماء وهو يحلق ذقنه مع أن لتراً أو أقل يكفي لتلك المهمة .. ؟ . أما الحفلات والدعوات .. . فالمآكل التي تهدر والفضلات التي تلقى في المجارير وأكياس القمامة تكفي لتغذية عدد كبير من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود الذين حال ارتفاع الأسعار بينهم وبين ما هم بأمس الحاجة إليه .. فلو اقتصر الاستهلاك على قدر الحاجة لكان هناك متسع لتواجد المواد في الأسواق وازداد العرض واتسعت رقعة نسبة المستهلكين وساهم ذلك في هبوط الأسعار لحد ما .. . لو فكر المواطن الموسر وحتى متوسط الحال قبل شرائه السلعة فيما إذا كان بحاجة إليها أم أنها من ( لزوم ما لا يلزم ) . المطاعم في بلاد الدنيا تقدم لك ما تطلب وحسب .. . ولا يطلب المواطن أكثر مما يستطيع أكله .. ولا يدفع إلاَّ قيمة ما طلب .. أما في بلادنا فالمطاعم تفرض عليك ما تبسطه من أنواع المأكولات وأصناف المقبلات كماً ونوعاً .. ونحن على ذلك حريصون مباهاةً وافتخاراً وزهواً دون أي اعتبار للفضلات التي تكدس فيما بعد في طريقها إلى الإتلاف .. كلنا نتذمر من التهريب ونلعن المهربين ونلقي اللوم على المتغاضين عنه .. ونتسابق على اقتنائها . قد يقال في هذا الصدد ولكن هنالك أشياء مفقودة لا غنى عنها غير أن الأزمة بذاتها افتعلت نفسها وبزوال الأسباب تزول الأزمات أو تخف وللوطن والمجتمع ضريبته .. وللفقراء والمحتاجين وذوي الدخل المحدود في ذمة الآخرين حقوق ..
جريدة حمص ـ العدد 1733 ـ تاريخ 19 / حزيران / 1987 ..
|