القتـــــاد
لمــاذا لا نعترف .. ؟!
  
 

 

ما أحوجنا في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها أمتنا بمجموعها إلى الكلمة الرصينة و ضبط النفس والتعقل والابتعاد عن الانفعال والعواطف فنحن جميعا أبناء وطن واحد يربطنا ببعض مصير واحد فضلا عن كل الروابط الأخرى التي لا أجد مبررا لتعدادها فقد حفظناها طلابا وعشناها شباباً وأضحت جزأ من كياننا وتفكيرنا وحياتنا .
أن معالجة الأمور تقضي البحث عن أسباب المحنة فمتى عرف الداء وجد الدواء ولعله من نافل القول أن أذكر أننا في عصر الذرة ولربما أول ما يخطر في ذهن المرء أني قصدت المنجزات الجمَّة التي كانت الذرة نواتها ومعجزة وجودها .. والحقيقة أني أقصد الربط بين هذه النتائج الضخمة من المخترعات وذلك الجزء الصغير من المخلوقات في عالم المادة .
فالذرة وهي كما نعلم أصغر جزء في العنصر وأدق بكثير من أن ترى بالعين المجردة، إذا فتت أحدثت الأعاجيب التي ترى وتسمع وإن كتلت وجمعت كانت الجبال والشموس والأفلاك وكل ما في الوجود …. وما البحار والمحيطات إلاَّ مجموعة من قطرات الماء .
وأعطت الأديان السماوية القليل قيمة كبيرة ولم تغفل أدق الأشياء ـ وما يغرب عن ربك من مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ـ آية كريمة عرفها العرب منذ أربعة عشر قرناً … وقبل ألفي عام قال يسوع : لو كان فيكم إيمان بمقدار حبة خردل لاستطعتم أن تنقلوا هذا الجبل من مكانه . ولم يغفل رجال الفكر المعاصر والقادة عظمة الصغر إن صحَّ هذا التعبير فهذا هو الرفيق ماوتسي تونغ زعيم الصين ومفكرها يقول : رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة .
ويروي المؤرخون أن زيادة نصف سنتيمتر إلى طول رجل غيرت مجرى التاريخ ذلك أنه عندما تقدم نابليون بونابرت إلى الكلية العسكرية طالباً الانتساب إليها والانضمام إلى طلابها تبين أن طوله ينقص عن الحد المعين نصف سنتيمتر فتداولت اللجنة فيما بينها وقررت بالنتيجة التساهل بهذا النقص الزهيد فكان ما تعلمون من حروب وويلات وقتلى بالملايين وزلزلة عروش وأمجاد وانتصارات و...الخ ..
خطيئة ثانية ارتكبها أحد قادته ـ التقيد بحرفية الأوامر ـ أثناء معركة واترلو جعلت من ذلك الإمبراطور سجيناً منفياً في جزيرة القديسة هيلانة . خطيئة جاءت به وأخرى أودت بإمبراطوريته وما بين الخطيئتين وبعدها العجب العجاب .
وبعد الذي ذكرت وذكّرت ـ بتشديد الكاف ـ أين نحن من هذا كله ؟؟ أين نحن من الذرة وحبة الخردل ورحلة الألف ميل والنصف سنتيمتر ؟؟ ما مدى تمسكنا بالأمور الدقيقة وبالأخطاء الصغيرة ؟؟ …
سألت مرةً عن معنى المثل العامي الذي نتداوله دائماً فيما بيننا
ـ حط بالخرج ـ قيل لي أن الخرج ذو فتحتين كبيرتين سائبتين كما تعلم وأي شيء تضعه فيه يفقد ويضيع .. ومع هذا فإننا مع مشاكلنا نضع في الخرج إلى أن تتراكم دون حل ويصبح من العسير علينا حلها وإيجاد المخرج المناسب فتقع الواقعة
ـ ماشي الحال ـ هو دستورنا في حقل التربية نتغاضى عن أكاذيب أطفالنا إن لم نعلمهم إياها فننشئ شباباً غير صادقين مع مجتمعهم ، غير صادقين مع وطنهم حتى ولا مع أنفسهم ... نسرق على مرأى منهم ونطلب منهم أن يكونوا أمناء في رجولتهم والمواعيد تضرب في المصراع . وليس للساعات حساب في قاموسنا ولا الدقائق. لكن الزمن ثمين جداً في سباقك مع الريح فهو أغلى من حياتك ... وعلى كافة الأصعدة فإن الأخطاء الصغيرة إذا تجمعت سببت كارثة إن لم يكن أكثر من ذلك .
إذا استعرضنا على الصعيد السياسي والخلقي مجموعة أخطائنا منذ بدء الاستقلال وتعالوا نعترف جميعاً ـ شعباً وحكاماً مسئولين وموظفين ومواطنين .. في هذا القطر وفي الوطن العربي من محيطه إلى خليجه . الذين حكموا هذا الوطن في كافة المراحل والعهود والنظم إذا اعترفنا بالحقائق أدركنا النتائج الخطيرة التي نعاني منها اليوم والتي أضحت تهدد كياننا ووجودنا . لن أدخل في التفاصيل وسأتركك تفكر ملياً من أية نقطة تشاء . ابدأ باستعراض مراحل القضية الفلسطينية وأزمة الحكم في الوطن العربي ككل وفي موقف الشعب من هذا كله وتهاونه ولا مبالاته وإني لأشفق عليك حين تصل إلى النتيجة التي وصل إليها أحد الأوربيين حين تجوَّل في شوارع دمشق وأراد تذوق – تين الصبِّير- كما يفعل الدمشقيون وقد حاول بعد أن قدمت إليه التينة مقشرةً استبعاد البذور المنتشرة فيها بدبوسه وإذا به يفقد الثمرة بكاملها ولم يبق منها ما يأكل.
العروبة 4712 تاريخ 25 / 3 / 1980