عندما كانت أحرف هوامش مقالي ـ الثأر ـ تنضد في مطابع جريدة العروبة وقبل وصولها إلى أيدي القراء وهو المقال الذي تحدثت فيه عن قتل سجين بين أيدي سجَّانيه على باب دار الحكومة وهو في طريقه إلى المحكمة أُزهقت روح مواطن آخر وهو منهمك في بيع الكازوز للمارة أمام مقهى الروضة في مركز المدينة .. أزهقت روحه بعدة طلقات من مسدس عابر سبيل غدراً .. وبصرف النظر عن الأسباب التي دفعت القاتل لارتكاب جريمته وأخلاقية المغدور وأسبقياته فإن الحادث لا يجوز أن يُطوى عليه ستار النسيان دون تعليق وبعد أيام اختلف رجلان في حي الورشة من جراء اقتناء ذلك الطائر المشهور بوداعته .. وأدى اختلافهما إلى لعلعة الرصاص وكان حصاده مقتل رجلين بريئين لا علاقة لهما بالخلاف . وفي اعتقادي أن تكرار هذه الجرائم تعود أسبابها إلى تواجد السلاح بين أيدي المواطنين بدون مبرر فالترخيص العشوائي يؤدي إلى النتائج التي نشهدها بين الفينة والأخرى فضلاً عن سقوط عدد من الضحايا نتيجة إصابة من رصاصة طائشة كان مطلقها يعبر عن فرحته وابتهاجه في مناسبة من المناسبات وما أكثرها.. من المسلم به أن حماية الأمن وحفظ حياة الموطنين والسهر على حراسة أموالهم حق للدولة وواجب عليها .. فلا يجوز التخلي عن هذا الحق للأفراد .. فإذا كان هذا من المسلمات أفلا يحق لنا التساؤل عن الأسباب التي تحدو بالدولة إلى الإغداق على المواطنين بالتراخيص دون بيان المبرر الذي يعلل به طالب الرخصة طلبه . منذ عامين فتحت الدولة باب الترخيص على مصراعيه دون التقيد بالتعليل الذي ذكرت مع الإعفاء من شهادة منشأ السلاح .. فنشأ عن ذلك مزيد من تهريب الأسلحة واصطف الناس أرتالاً ينتظرون دورهم في طلب الترخيص وحصل الجميع على الموافقة المنشودة إلاَّ من كان محكوماً بجناية منهم . وأضحى حمل المسدسات في المدينة أمراً عادياً ومجالاً للمباهاة والمفاخرة ... إن الذي يحاول الإقلاع عن التدخين يبعد عن ناظره علب السجائر .. والذي يعيش بين الكتب لابد أن يصبح مطالعاً .. والذي يعيش مع السلاح أكثر إقداماً على جريمة القتل من الذي لا يمتلكه .. قد يقال باستطاعة المجرم القتل بسلاح غير مرخص .. وهذا القول صحيح ولكن الترخيص بهذه الغزارة يشجع المواطنين على حمل السلاح غير المرخص أيضاً لأنه ليس من المعقول أن يسأل رجال الأمن كل حامل سلاح عن رخصته وهم يعلمون أن تسعين بالمائة منهم مرخصون .. أيضاً منذ عامين وقد كثرت حوادث القتل بالرصاص الطائش فأتخذت إجراءات مشددة لمنع إطلاق الرصاص في المناسبات ونشط رجال الأمن نشاطاً ملحوظاً تنفيذاً لتلك التعليمات وأخذوا يرافقون الحفلات وتضاءلت الحوادث إلاَّ أن ذلك لم يستمر طويلاً وكأن الأوامر صدرت لمدة محدودة وعاد كل شئ إلى ما كان عليه مع زيادة في التصعيد وأنا شخصياً أعذر رجال الأمن لتهاونهم لأن في الأمر استحالة مادية .. فهم لا يستطيعون التواجد في كل مأتم أو عرس فضلاً عن أن هذا التواجد يصرفهم عن مهامهم الأساسية وواجباتهم الأمنية . كما وأن تخصيص مفارز لهذه الغاية لا تفي بالغرض المنشود وتكلف الدولة نفقات بغنى عنها تفوق الرسوم التي تتقاضاها من عائدات الترخيص .. والحل الوحيد هو إلغاء كافة الرخص ومصادرة كافة الأسلحة المرخصة بتعويض أو على الأقل مصادرة كل سلاح يحمل في شوارع المدن والقرى فذلك أحفظ لهيبة الدولة وأكثر أمناً للمواطنين . وبالمناسبة تحضرني رواية لا أدري مداها في الصحة مفادها أن صديقين كانا يتداعبان فأشهر أحدهما مسدسه على الآخر فقال له هذا : أليس من العار أن تشهر مسدساً ولا تطلق النار فما كان من حامل المسدس إلاَّ أن أرداه قتيلاً ؟؟
العروبة ـ 4783 ـ بتاريخ 21 /6/1980
|