| |
الحرب الضروس التي تشنها الصهيونية العالمية على أمتنا ، من أجل اغتصاب أرضنا وإفناء شعبنا ، تلك الحرب المتواكبة مع الهجمة الاستعمارية الأمريكية، متعددة الأساليب والأسلحة ، ولعل السلاح الإعلامي أمضى هذه الأسلحة وأقواها منطلقاً وتأثيراً . ولقد تفنن أعداؤنا في استخدام هذا السلاح ، حتى أن لورنس غريزوولد ، وهو صحفي أمريكي يقول : ( .. . وإنه ليبدو لي عجيباً ، الآن ، أني ما أزال ، وقد بلغت العقد الخامس من العمر ، مثالياً ، إن أحداً لم يلفت نظري إلى أن الكذبة العاطفية أشد قوة من الحقيقة المجردة على الرغم من أني أنتسب إلى بلاد حددت الأكاذيب العاطفية سياستها طول قرن من الزمان (1 ) ) . من المؤسف حقاً أن نتجاهل هذا السلاح وندير للعدو ظهورنا يشيع عنا ما شاء ويرسم لشعوب العالم صورة بشعة لحقيقتنا . ( ورغم كل ما يقال بأن أجهزة الإعلام الغربية مغلقة في وجه الصوت العربي فإني أستطيع أن أؤكد ـ والكلام هنا للدكتور صباح قباني سفير سورية السابق في واشنطن ـ بأن هذا الكلام غير صحيح ، وأنه ليس إلاَّ منطق الكسالى الذين لا يريدون أن ينشطوا فيدعون أنه لا يمكن النفاذ إلى أجهزة الإعلام الغربية . إن شبكات التلفزيون الأمريكية الرئيسية الثلاث التي يرى برامجها في الدقيقة الواحدة أكثر من / 70 / مليون مشاهد ، إن هذه الشبكات تلاحق سفراء العرب في واشنطن بصورة شخصية ومستمرة من أجل أن تدعوهم للظهور على شاشتها للاشتراك في بعض برامجها السياسية وندواتها الإخبارية والتعليق على الأحداث من وجهة نظر بلادهم . بالإضافة إلى أن هناك نظاماً تتقيد به محطات الإذاعة والتلفزيون الأمريكية وهو نظام ( الوقت المتساوي ) الذي يعطى لأي شخص ذي علاقة ، الحق في أن يرد في المحطة خلال وقت مماثل كان أعطي لشخص آخر من قبل وصرَّح بآراء تستدعي الرد عليها ) (2 ) . ( 1 ) : إدفع دولاراً تقتل عربياً ص 158 . ( 2 ) : محاضرة الدكتور صباح قباني ـ الوجه الآخر للدبلوماسية ـ ألقيت في النادي العربي بدمشق ، ونشرت في مجلة المستقبل . إن هذا الكلام صادر عن شخص مسؤول يدل على أننا لا نعدم وسيلة توصل صوتنا إلى العالم وترد افتراءات الصهاينة إلى نحورها . الكذبة الكبرى : أدخل اليهود في روع العالم أجمع أن التوراة تؤيد لهم حقاً إلهياً مزعوماً في أرض فلسطين وصدقها الرأي العام العالمي . إن حلم إنشاء دولة إسرائيل ( تراءى لليهود منذ السبي الأول في القرن الثامن قبل الميلاد وسعى إليه اليهود منذ ذلك الحين)، ( لقد اقترحت مشاريع استيطان لليهود في أية بقعة من بقاع الأرض ، فقامت محاولات جادة لاستعمار أرض مدين وشمال الحجاز ومنطقة العريش وسيناء ، كما اقترحت يوغندة والأرجنتين ، وإقليم أضنة ورودس وأنجولا وموزمبيق. وغيرها) (3) . ولكن هذه المشاريع باءت بالفشل وعاد الاتجاه نحو فلسطين بذريعة الحق الإلهي المزعوم ووعود رمزية واردة في التوراة ، أرادوا ـ أن يجسدوها إلى واقع مادي ـ مستندين إلى نصوص التوراة ( العهد القديم ) وانطلت الحيلة على السذج من شعوب العالم الغربي ، لاسيما وأن التوراة ( العهد القديم ) جزء من الكتاب المقدس عند المسيحيين ، فاجتزءوا النصوص وبشروا بها منقوصة ، فسمع تبشيرهم المغفلون والسذج بل والرأي العام ، فآمنوا أن إرادة الله هي التي تتحكم باستيطان اليهود في فلسطين ، ومن يقدر على مقاومة إرادة الله .. . ؟ ولماذا لا يناصرون هذه الإرادة ، فيعملون على توطينهم فيها ، ويقول لورنس غيريزوول : ( المسألة تتلخص بكل بساطة بأن الكثرة الكبيرة من الأمريكيين لم تولِ المسألة تفكيراً ما ، وأن قليلاً منهم يفهمون أنها جزء من الأساس التاريخي الحقيقي لفلسطين والقضية الصهيونية فهماً صحيحاً ، وأن معظم معلوماتهم ـ أو مغلوطاتهم ـ عن الموضوع مستمدة من قراءتهم وهم صغار للتوراة في مدرسة الأحد والكنيسة . ومن هذه الانطباعات المبكرة تقبل معظم الأمريكيين الرواية التوراتية من غير ما نقد أو تجريح ، فوقع في وهمهم أن فلسطين كانت تقليدياً يهودية ، وأن القدس مدينة اليهود ، ومن ناحية ثانية ، فإن قلَّة قليلة منهم كانت تعرف شيئاً عن العرب وعن غير طريق الأفلام السينمائية ، .. . وقليل هم الأمريكيون الذين كانوا قادرين على أن يعطفوا كثيراً على أمة تصوروا أنَّها تحيا في الصحراء وتجهل الحياة الحضرية جهلاً تاماً ، ( 4 ) __________________________________ 3- مشاريع الاستيطان اليهودي ـ دكتور أمين عبدالله محمود ـ منشورات عالم المعرفة الكويت . 4- ادفع دولاراً تقتل عربياً ، لورنس غربزوولد . وهنا أضيف قائلاً أنه لو عرف الأمريكيون أن الكثرة العظمى من العرب تنزل المدن بل لو عرفوا أن العرب هم الذين أنشؤوا الحياة الحضرية في العالم لاستولت عليهم الدهشة . وعلى أي حال فإن الأساس الصحيح لهذه اللامبالاة التي يبديها الأمريكيون نحو العدوان الصهيوني إنما يتمثل في ما علق بأذهانهم منذ عهد الصبا الأول ، من روايات التوراة وما تنطوي عليه من دعاية للعبرانيين (4) أ . هـ . أقول وانطلت الكذبة على الخصوم والأنصار ، وأخذ خصوم هذه الكذبة (الحق الإلهي لليهود في فلسطين المقرر في التوراة) يناقشون الموضوع من خارج الكتاب المقدس ، فيشككون في تاريخية التوراة ، و قال آخرون أنَّها منحولة .. .الخ . و اسمحوا لي أن أقول أن كل من ناقش هذا الموضوع من هذا المنطلق سقط في الشرك المنصوب له ، وانطلت عليه الأحبولة ، بصرف النظر عما إذا كانت التوراة منحولة أو غير منحولة ، منزلة أو غير منزلة ، مقتبسة من الحضارات الأقدم أو غير ذلك . إن هؤلاء جميعاً أقحموا أنفسهم في معركة هم في غنى عنها ولن يكتب لهم النصر على أعدائهم لأنها معركة عقائدية تمس صلب الديانة المسيحية ، فضلاً عن أن رجال القانون يعلمون أن إثبات التزوير من أصعب وسائل الإثبات وأعقدها ، والحقيقة أنه لا وعود في التوراة لليهود بأرض فلسطين ولا هم يحزنون ، هذه الحقيقة تتجلى لنا إذا ناقشنا متن التوراة ، وأنا على يقين أنه ما من إنسان مسيحي مهما كان متمسكاً بالدين ومهما كانت مرتبته الدينية يرفض الحوار في متون التوراة أو الإنجيل ، هذا هو الأسلوب الذي يجب أن نتبعه في حوارنا مع المضللين والمضلَّلين وسيكون النصر حليفنا . المؤتمرات الدينية المشبوهة : أيها الأخوة : نشرت مجلة العربي الكويتية في العدد / 326 / الصادر في شهر كانون الثاني 1986 مشكورة مقالاً قيماً للأستاذ يوسف الحسن بعنوان ( مؤتمر دولي للمسيحيين الصهاينة أيضاً ) يقول فيه : في المؤتمر الأول للحركة الصهيونية المنعقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897 وصل القس البروتستانتي ( وليم هشلر ) إلى قاعة المؤتمر بصحبة هرتزل ، وهتف في المؤتمر مطالباً : ( استفيقوا يا أبناء إسرائيل ، فالرب يدعوكم إلى العودة إلى وطنكم القديم فلسطين ) .. وبعد /88/ عاماً .. وفي نفس المدينة بازل ، وفي نفس القاعة ، انعقد ، في أواخر أوغسطس 1985 أول مؤتمر صهيوني مسيحي دولي ضمَّ أكثر من / 600 / رجل دين ومفكر مسيحي، وقد هتفوا بحياة إسرائيل الكبرى، وصلُّوا من أجل (عاصمتها الموحدة الأبدية ، القدس)، وقرروا الانتشار في الأرض تنظيماً وحركةً وفكراً لخدمة وحماية وتكملة المشروع الصهيوني.. . ومن أجل (إرضاء الرب) أيضاً . وقد تركزت قرارات هذا المؤتمر على عدد من القضايا الرئيسية التي أبرزها : 1 ـ الضغط باتجاه مزيد من الاعتراف الدولي (بإسرائيل) كدولة لليهود، ودعم عمليات تجميع من شتى أنحاء العالم ، وخصوصاً من الاتحاد السوفييتي، لاستيطان الضفة الغربية وغزة ، وتكملة المشروع الصهيوني الممتد من الفرات إلى النيل تحقيقاً للنبوءات التوراتية . 2 ـ مطالبة جميع الدول والمؤسسات الدولية الحكومية والخاصة فتح أبوابها كاملة للمشاركة الإسرائيلية وعلى الدول الصديقة الانسحاب من هذه التجمعات إذا ما طردت منها ( إسرائيل ) . 3 ـ مطالبة جميع الأمم بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية (لإسرائيل) وبالتالي نقل سفاراتها إليها . 4 ـ إدانة كل أشكال اللاّسامية ضد اليهود . 5 ـ مطالبة الدول الصديقة بالامتناع عن تسليح العرب بما فيهم مصر . 6 ـ تشجيع أطروحة توطين الفلسطينيين في الوطن العربي ، وتوفير العدالة للاجئين اليهود العرب ( في إسرائيل ) . 7 ـ دعم ومساندة الاقتصاد الإسرائيلي وإنشاء صندوق استثمار مسيحي دولي لهذه الغاية مقره في أمستردام وبرأسمال مبدئي قدره مائة مليون دولار ويخص للصناعات التقنية والسياحية في ( إسرائيل ) . 8 ـ مطالبة العالم بعدم الانصياع لأنظمة المقاطعة العربية لإسرائيل . 9 ـ تعبئة الكنائس لنصرة ( إسرائيل ) وإنشاء تنظيمات بجذور شعبية لهذه الغاية ، ومطالبة مجلس الكنائس العالمي بالاعتراف بالرباط التوراتي بين الشعب اليهودي وأرضه الموعودة ودولة ( إسرائيل ) . 10 ـ الصلاة انتظاراً للمجيء الثاني للمسيح ومملكته القادمة في القدس . إلى آخر ما في المقال من حقائق تحركات مشبوهة يتزعمها رجال دين مسيحيون ، وعلى هذا المنوال ، أصدرت مجلة عالم المعرفة كتاباً بعنوان : ( الصهيونية غير اليهودية جذورها في التاريخ الغربي) تأليف ريجينا الشريف ، تعريب أحمد عبد الله عبد العزيز ، يفضح هذا الكتاب الأضاليل والتحركات والمؤتمرات المسيحية الداعمة للصهيونية . ونحن نعلم وندرك أن هذا الانحراف عن الدين المسيحي ما هو إلاَّ محاولة دنيئة لتهويد المسيحية، وليس ذلك جديداً فقد تعرضت المسيحية لمثل هذه المحاولات منذ نشأتها، وتصدى لها رجال مخلصون وعلى رأسهم استيفانوس أول شهيد في المسيحية وبولس الرسول وبرنابا . ونحن بدورنا ٍإذ نتصدى لهؤلاء المضللين نعتمد في ذلك على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد معاً : أولاً : العهد القديم ( التوراة ) : يعتقد اليهود أنهم شعب الله المختار وهذا الاعتقاد يدخل في صلب الديانة اليهودية نتيجة الفهم الخاطئ لنصوص التوراة ، وعندما يتبنى بعض المسيحيين أمثال ( مجموعة بازل الآنفة الذكر ) مكرسين هذه المقولة ، مستندين إلى الآية التالية : كل مكان تدوسه أقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان من النهر الكبير نهر الفرات إلى البحر العربي تكون تخومكم .. . الخ (تثنية 11 / 24 ) على أن الله اشترط على إبراهيم ونسله حفظ وصاياه: وقال لإبرهيم: وأما أنت فتحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم هذا عهدي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك (تكوين 17/19 ـ 10 ). ومن هذا نستنتج كما قلت في محاضرة سابقة أن هنالك التزاماً بين الطرفين ، الله من جهة وإبراهيم وذريته من جهة أخرى ، فإن حفظ إبراهيم العهد رعاه الله بالمقابل ، وإلاَّ فالالتزام مفسوخ بينهما ، فيقول الرب لإسحاق : من أجل أن إبراهيم سمع قولي وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي ( تكوين 26 / 5 ) لهذا كان إبراهيم ابناً باراً وبالإيمان يكون البشر أبراراً . فآمن إبراهيم ـ بالرب ـ فحسب له براً ( تكوين 15 / 6 ) . فإن خرجوا عن تعاليم الله أخرجهم الله من حظيرته وصبَّ عليهم جام غضبه . وبما أن المؤتمرين في ( بازل ) مسيحيون كما يدعون وليسوا يهوداً ، لذا بإمكاني أن أستشهد بالعهد الجديد مدعماً وجهة نظري حيث يقول بولص الرسول في رسالته إلى أهل رومية : فماذا نقول أن أبانا إبراهيم قد وجد حب الجسد ، لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ، ولكن ليس لدى الله ، لأنه ماذا يقول الكتاب فآمن ابراهيم بالله فحسب له براً ( رومية 4 / 1 / 3 ) . ويستطرد قائلاً : فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو نسله أن يكون وارثاً للعالم بل ببر الإيمان ، لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطل الإيمان وبطل الوعد .. . ليكون الوعد وطيداً لجميع النسل ليس من هو من الناموس فقط بل أيضاً لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا كما هو مكتوب إني قد جعلتك أباً لأمم كثيرة . ( رومية 4 / 13 / 17 ) . ولو عدنا إلى نصوص التوراة متحرِّين الوعد نجد أن العلاقة بين الله واليهود لا تقوم على عمود النسب وإنما دعامتها الإيمان كما ذكرت وإني متعمد ذكر النصوص لدعم وجهة نظري . فكم من مرة يعصى بنو إسرائيل الله ، فيغضب الرب عليهم ويقيل العقد ويشبعهم ضرباً وتهديداً : ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك وتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم تأتي عليك جميع اللعنات وتدركك . ملعونة ثمرة بطنك وثمرة أرضك ، نتاج بقرك وإناث غنمك . ملعوناً .. الخ ( تثنية 28/ 15 ) . ويقدر مؤرخو التوراة أن هذا الكلام ألهم موسى في عام 1451 ق.م ، ولعل من العسير علينا متابعة النصوص ، ولكن ألا يحق لنا بعد هذه التهديدات أن نتساءل عن موقف التوراة من اليهود ، تقول في سفر أشعيا ، وقد كتب هذا السفر في القرن الثامن قبل الميلاد : اسمعي أيتها السموات واصغي أيتها الأرض لأن الرب يتكلم : ربيت بنين ونشأتهم أما هم فعصوا عليَّ ، الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه ، أما إسرائيل فلا يعرف ، شعبي لا يفهم ، ويل للأمة الخاطئة ، الشعب الثقيل الإثم نسل فاعلي الشر أولاد مفسدون تركوا الرب واستهانوا بقدوس إسرائيل وارتدوا إلى وراء ، كل الرأس مريض وكل القلب سقيم .. بلادكم خربة، مدنكم محرقة بالنار (أشعيا 1/2 ) . وتقول التوراة في سفر أرميا : طوفوا في شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتشوا في ساحاتها .. . هل تجدون إنساناً أو يوجد عامل بالعدل طالب الحق فأصفح عنها ؟ .. . ضربتهم فلم يتوجعوا ، أفنيتهم وأبوا قبول التأديب ، صلبوا وجوههم أكثر من الصخر ، .. من أجل ذلك يضربهم الأسد في الوعر ، ذئب المساء يهلكهم ، يكمن النمر حول مدنهم ، كل من خرج منها يفترس : لأن ذنوبهم كثرت ، تعاظمت معاصيهم .. لما أشبعتهم زنوا وفي بيت زانية تزاحموا ، صاروا حصناً معلوفة سائبة .. . لأنه خيانة خانني بيت إسرائيل وبيت يهوذا يقول الرب .. . لذلك ها أنذا أجلب عليكم أمة من بعد يا بيت إسرائيل .. أمة قوية .. . أمة لا تعرف لسانها ولا تفهم ما تتكلم به .. فيأكلون حصادك وخبزك .. . ويأكلون غنمك وبقرك يهلكون بالسيف مدنك الحصينة .. اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم الذين لهم عيون ولا يبصرون ولهم آذان ولا يسمعون ، صار لهذا الشعب قلب عاص ومتمرد ، خطاياكم منعت الخبز عنكم .. ( أرميا 5 / 1 ) . وجاء في سفر حزقيال : إن إثم بيت إسرائيل ويهوذا عظيم جداً جداً وقد امتلأت الأرض دماء .. . لأنهم يقولون الرب قد ترك الأرض والرب لا يرى ، وأنا أيضاً عيني لا تشفق ولا أعفو أجلب طريقهم على رؤوسهم ( حزقيال 9 / 9 ) . .. . لذلك جعلتك عاراً للأمم وسخرة لجميع الأراضي .. . يا نجسة الاسم يا كثيرة الشغب .. فيك كشف الإنسان عورة أبيه .. إنسان فعل الرجس بامرأة قريبه ، إنسان نجس كنته برذيلة ، إنسان أذل فيك أخته بنت أبيه .. . ونسيتني يقول السيد الرب أنا الرب تكلمت وسأفعل .. أبددك بين الأمم وأذريك في الأراضي .. وتتدنسين بنفسك أمام عيون الأمم وتعلمين أني أنا الرب .. أجمعكم بغضبي وسخطي وأطرحكم .. الخ ( حزقيال 22 / 3 . ) . نحن نعلم أن إسماعيل عم يعقوب ( إسرائيل ) أي أنه أخو إسحاق من أبيه ، وأمه هاجر فلنسمع ما جاء في التوراة عن أولاد إسماعيل، تقول التوراة: فسمع الله صوت الغلام ، ونادى ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها : مالك يا هاجر ، لا تخافي لأن الله سمع لصوت الغلام حيث هو ، قومي احملي الغلام وشدي يدك به لأني سأجعله أمة عظيمة ( تكوين 21 / 7 ) . والكل يعلم أن إسماعيل هو جد العرب ، وهذا الذي سمعناه تأكيد لما قطعه الرب على نفسه تجاه إبراهيم في الإصحاح ( 17 / 20 ) من سفر التكوين حيث يقول: وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه ها أنذا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً، أثني عشر رئيساً يلد وأجعله أمة كبيرة ( تكوين 17 / 20 ) . وتستطرد التوراة قائلة : وهؤلاء هم بنو إسماعيل بديارهم وحصونهم اثنا عشر رئيساً حسب قبائلهم( تكوين 25/16) ، هذه هي الوعود التي قطعها الرب لإبراهيم وابنه إسماعيل وذريته فما رأى المتحزبين لليهود والصهيونية ؟ وتضع التوراة إسماعيل بمصاف إبراهيم وإليكم النص : إنه عندما أسلم إبراهيم الروح ومات بشيبة صالحة وانضم إلى قومه، دفنه اسحق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة في حقل غفرون بي صومر الحتي .. الخ وعبارة انضم إلى قومه بعد وفاته وردت عن إبراهيم وعن إسماعيل وأسلم روحه ـ إسماعيل ـ ومات وانضم إلى قومه ( تكوين 25 / 18 ) . فإذا كان إسماعيل جد العرب حسب العهد القديم قد وعده الله بالتكاثر والبركة وبأن يكون أمة عظيمة ـ فلماذا يعتبر المضللون العرب من الأمم واليهود وحدهم شعب الله المختار؟. هذا على الرغم من أننا لا نؤمن بأفضلية شعب على آخر ، والعرب ليسوا مفضلين على غيرهم لأنسابهم وإنما لإيمانهم ، ذلك حسب التوراة وحسب القرآن الكريم دستور الإيمان الإسلامي : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (3/110) فالقرآن الكريم لا يفضل العرب على غيرهم من الأمم إلاَّ بإيمانهم بالله ولأنهم يعملون بالمعروف ويتحاشون المنكر وينهون عنه ، فالنسب لم يكن في يوم من الأيام في عرف الأديان سبباً من أسباب الرفعة، ولعل من المستحسن أن نذكر آية قرآنية ثانية تؤكد ما ذهبت إليه : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ( 3 / 104 ) . أقول على الرغم من إنكارها للأفضلية العرقية القائمة على النسب فإن ادعاءات المتحزبين لليهود التفوق العنصري مناقضة لمنطوق التوراة ، فاليهود أبناء إسحاق والعرب أبناء إسماعيل وكلاهما موعود إن كانت هنالك وعود بالمعنى الذي يفهمه المتهودون .. تقول التوراة أيضاً : وقال الرب لإبراهيم .. ارفع عينيك ، وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً ، وشرقاً وغرباً ، لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد ، وأجعل نسلك كتراب الأرض حتى إذا استطاع أحد أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضاً ، قم امش في الأرض طولها وعرضها لأني لك أعطيها (تكوين 13/17). لقد مرَّ على هذا الوعد ما يقارب أربعة آلاف عام ومازال اليهود حسب الإحصائيات الأخيرة لا يتجاوزون خمسة عشر مليوناً من البشر مشتتين في كل أنحاء العالم .. علماً أن الأكثرية العظمى لا تمت إلى إبراهيم بصلة نسب ، فلماذا لم ينفذ الرب وعده ويجعل عددهم أكثر من تراب الأرض إذا كان الوعد لأبناء إبراهيم بالنسب . الحقيقة وحسب ما أفهم النص أن الله وعد بأن يكون أبناء إبراهيم بالإيمان لا يعدون ولا يحصون وقد نفذ وعده وصدق قوله ، فالمسيحيون والمسلمون يعدون بمئات الملايين ويشغلون ثلاثة أرباع الكرة الأرضية وجميعهم على دين إبراهيم ، بينما اليهود قد خرجوا على دين إبراهيم والأنبياء ولم يشفع لهم ما يزعمونه من قرابة جسدية لإبراهيم . لو كنا نجادل اليهود لما توقفنا عند هذه الشواهد من التوراة ، أما وإن (مجموعة بازل) مسيحيون منحرفون وجب علينا تذكيرهم بنصوص العهد الجديد . ثانياً : العهد الجديد : الإنجيل : لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به لتكون له الحياة الأبدية ( يوحنا 3 / 16 ) . إذن حسب الإنجيل لم يأتِ السيد المسيح لأجل اليهود ، وإنما جاء من أجل العالم بأسره ، هذه هي الفلسفة المسيحية . ( لم يأبه يسوع بالطائفية ـ ولا العرقية ـ ولا وجود لها في قاموسه ، ولم يؤسس طائفة ولم يسأل الإنسان عن طائفته ـ أو منبته ـ إنما كان في تعليمه وعمله لما كان على الأرض يرقى بالإنسان إلى الآب في الأعالي ، عظاته وأحاديثه ـ والكلام هنا للقس البروتستانتي المشيخي حنا خباز ـ ملأى بالتعاليم الأخلاقية كالمحبة والتواضع والطهارة والعفاف والمسامحة والإحسان والإيمان والقرب بالرب والصلاة... إن الديانة الطاهرة المقبولة عند الله والتي رسمها يسوع المسيح فهي حياة الله ، ومع الله ، وفي الله ولأجل الله وبصرف النظر عن الأطماع الشخصية ) ( 5 ) . لا أريد أن أبحث في فلسفة الإيمان المسيحي ولا في العقيدة المسيحية مبشراً أو واعظاً فليس هذا الغرض من صلب هذه الكلمة ـ ولست ممن يصلحون للخوض في هذا المضمار ـ إلاَّ بالقدر الذي يتيح لي البرهان على أن المسيحية بعيدة كل البعد عن العرقية والطائفية لعل أولئك الذين يتذرعون بمسيحيتهم لدعم إسرائيل يدركون خطأ تفكيرهم ووهن ما يتذرعون به ، لذلك فإني مضطر إلى الاستشهاد برأي القس خبـاز
5- فلسفة الإيمان المسيحي ـ مخطوط – حنا خباز. كما ورد في كتابه المخطوط (فلسفة الإيمان المسيحي) حول النزعة الروحية والنزعة الطائفية ، ولعلي لا أغير المعنى إذا استبدلت كلمة الطائفية بالعرقية ولربما كان هذا التبديل أقوم للمعنى الذي أراده المؤلف ، يقول رحمه الله : ( على بئر السامرة جلس شخصان قبل تسعة عشر قرناً ، وكانا يعلنان فلسفتين متباينتين ، فلسفة الله وفلسفة الناس ـ ولعل الأقوم أن نقول ( فلسفة الله وفلسفة اليهود ) : الشخص الأول هو سيدنا المجيد يسوع المسيح ، والشخص الثاني هو المرأة السامرية ، وفي الفلسفتين نزعتان ضدان هما الروحية والطائفية ـ العرقية ـ فيسوع يعطي فلسفة الله وفيها النزعة الروحية ، والمرأة السامرية تعلن فلسفة الناس وفيها (النزعة العرقية) فنرى في المرأة السامرية صورة صحيحة للتعصب ـ العرقي ـ والديانة الطقسية ، وترى في يسوع مثلاً كاملاً لفلسفة الله والديانة الطاهرة النقية . فهي تقول : أنت يهودي وأنا سامرية والتعامل بيننا معدوم ، ألعلك أعظم من أبينا يعقوب ـ من تجعل نفسك ـ آباؤنا سجدوا في هذا الجبل ، نحن ، أنتم ـ أورشليم، هذه أقوال عرقية جدلية تعصبية لا خير فيها، هدفها التفرقة، وتنتهي بالخصومة والنزاع، انظر ليس الله في كل ذلك ، فليس لحضرة الله مقر ـ بالعرقية .. الخ . أما جانب يسوع فيرى الأمر على خلاف ذلك لا محل فيه ـ للعرقية ـ ولا نظر إليها ، بل محور كلامه الرب ، القلب ، الروح ، ماء الحياة ، لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تجدون الرب ، الله روح ، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا ، الأب طالب مثل هؤلاء الساجدين . ترى هذا تمام الانفصال والتباين بين فلسفة الله التي أعلنها يسوع وبين الفلسفة العرقية التي تتجلى في السامرية ، فلسفة الله كلية الانفصال عن الطقوس والقيود الموضوعة هي حرية سماوية، روحية، إلهية، تسبح فيها النفس طالبة الخالق ، وهي تلاحظ أولاً وخاصة حالة القلب وعلاقته بربه، ليست العلاقة الصورية الطقسية ، بل العلاقة الجوهرية الحيوية ( 6 ) ) أ.هـ . وهكذا نتلمس بصدق إنسانية السيد المسيح ونبذه لكل ادعاءات اليهود في ذلك الوقت والتي مازالوا يتشدقون بها حتى الآن ويجرون وراءهم المغفلين من المسيحيين واليهود المقنعين .
وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات ، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية (متى8/11) . لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع عنكم ويعطي لأمة تحمل ثماره ( متى 21/42 ). أما أن تقرأ نصاً من كتاب أو فقرة من آية أو نجتزئ قصة ثم نتاجر بها لدعم آرائنا فذلك تزوير وانحراف عن الحقيقة إن انطلت على الجهلة والعوام من المخلوقات فليست عند العارفين المطلعين بشيء . وهذا يوحنا الحبيب يقول في إنجيله:كان النور ـ ويقصد المسيح ـ الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم، كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم، إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله، وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه، الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله . ( يوحنا 1 / 13 ) . هذه هي المسيحية الحقيقية وهذه هي فلسفة الإيمان المسيحي وهذه هي إرادة الرب وليس كما زعمت (شرذمة بازل) والأمثلة في الكتاب المقدس أكثر من أن تعد وتحصى . ولقد علَّق الدكتور (ديوي بيغل) من كلية ويسلى للاهوت على وجهات نظر المسيحيين الأمريكيين المختلفة تجاه إسرائيل في كتابه (الوحي والنبوءة) الصادر عام 1978 فقال:» إن كل جماعة مسيحية تدعي بأنها على حق إلاَّ أن بعض هذه الآراء لا يمكن أن تكون صحيحة لأنها تناقض التفسيرات الأخرى التي يمكن التثبت منها« . ويستنتج بيغل ، كغيره من العلماء التوراتيين ، أن الأساس الذي يعتمده المسيحيون المؤيدون للصهيونية بناءً على الكتاب المقدس بشأن قيام إسرائيل الحديثة لا يصمد أمام التمحيص الدقيق ويمكن تلخيص استنتاجاته في نقطتين : أولاً : إن نبوءة عودة إسرائيل إلى فلسطين كانت قد تحققت بالعودة من بابل كما جاء في التوراة ، ولا علاقة لذلك بإسرائيل القرن العشرين . ثانياً : إن وعد الله لإسرائيل (بالأرض) لم يكن دائماً بل مشروطاً ، وقد خرقته إسرائيل أيام التوراة بتقصيرها في إطاعة وصايا الله ، وهكذا تكون قد خسرت الوعد ) (7 ) أ.هـ . ( 7 ) : بول فندلي ـ من يجرؤ على الكلام ص 401 . ونحن نؤكد أن الوعد ليس بالأرض وإنما بالإيمان ، لقد وعد الله بني إسرائيل أن يكون منهم السيد المسيح ، وهو آخر أنبيائهم ، ولكنهم رفضوه وفسخوا العقد نهائياً بينهم وبين الله . يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ، هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً ، لأني أقول لكم لا تروني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب ( متى 23 / 27 ) . هكذا فسخ يسوع العقد مع بني إسرائيل نهائياً ، ولكن ألا نلحظ إذا تابعنا نصوص الإنجيل الذي يصور حياة المسيح على الأرض أن الخلاف بينه وبين اليهود كان يتمحور حول نقطة هامة جداً في نظر الفريقين هي فصل الدين عن الدولة . يسوع يرى فصلهما ما لقيصر لقيصر وما لله لله (متى 22/21 ـ ومرقص12/ 13) واليهود يريدونه ملكاً أرضياً ، يخلصهم من الحكم الروماني وينشئ لهم دولة مستقلة في فلسطين ، وهو يدعو للسلام والوئام والانصهار في بوتقة الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها وهم يتمسكون بعنصريتهم وتفوقهم المزعوم . إن منطق تاريخ اليهود يفسر لنا أنهم لا يريدون نبياً مسالماً ومخلصاً وديعاً كيسوع ، وإنما يبحثون عن المخلص العنيف الثائر المقاتل ، ودعوة يسوع المسالمة المتسامحة تصهر أمتهم في بوتقة الشعوب التي كان يعيش بينها كما المحت . ولذلك قال قيافا وكان رئيساً للكهنة في تلك السنة : أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون إنه خير لنا أن يموت إنسان واحد من الشعب ولا تهلك أمة كلها ( يوحنا 11/49ـ50 ) . أنا أعلم جيداً أن المسيحيين يعتقدون أن المسيح صلب فداءً للبشرية وليمحو الخطيئة الأصلية التي ورثها البشر عن أبينا آدم ، وأن السيد المسيح ما جاء إلاَّ لذلك ، ولكن من المؤكد أن اليهود لم يصلبوه تنفيذاً لمشيئة الرب ، ولا تحقيقاً للنبوءات ، لأنه ما من إنسان يمكن أن يوافق على أن يكون كبش الفداء ، وإنما فعلوا ما فعلوه وأقدموا على صلبه لأنه نادى بالسلام ، لأنه لم يوافق ولم يقدهم إلى الثورة على الحكم الروماني ، لأنه لم يساعد أو يساهم في العمل لإقامة دولة إسرائيل ، لقد رأوا أن يموت إنسان واحد من الشعب ولا تهلك الأمة بكاملها . فمنذ ذلك اليوم ـ حيث تلقوا الأوامر من قيافا ـ قرروا أن يقتلوه ( يوحنا 11 / 53 ) . وقـايضوا عليـه بالزعيم السياسي بـاربـاس ، و مع هذا يدعو (المؤتمرون في بازل) لدعم دولة إسرائيل . إن مفتاح الثورة عند اليهود هو التحريض على الامتناع عن دفع الضرائب هكذا فعل يهوذا الجليلي الذي كان من حزب المتطرفين الذي يرأسه صادوق .. الخ أما يسوع فقد نادى ما لقيصر لقيصر وما لله لله هذا المبدأ ( فصل الدين عن الدولة ) أكده في آخر عبارة لفظها قبل صعوده عندما سأله التلاميذ : ( هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل ؟ ) . لم يكن المجال واسعاً ليؤنب يسوع التلاميذ على هذه الأفكار الدنيوية التي ليست من أهدافه ولكنه اكتفى بالتوضيح بأنه لم يأتِ لمثل هذه الأمنيات العنصرية ، وإنما جاء للعالم كله وللبشرية جمعاء قائلاً: ستنالون قوة متى حلَّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقاصي الأرض (أعمال 1/8)(8 ) . وقبل ذلك قال:مملكتي ليست من هذا العالم. (يوحنا 18/36) . ومع كل هذا يزعم ( البازليون ) أنهم مسيحيون وأن إرادة الرب تقضي بدعم دولة (إسرائيل)، ضاربين عرض الحائط بالفكر المسيحي مفسرين العهد القديم ، وكأن بينهم وبينه حجاباً . وقد أشار بولص الرسول لمثل هؤلاء بقوله: ولكن عميت بصائرهم ـ بنو إسرائيل ـ إلى اليوم، حين يقرأ العهد القديم، فذلك الحجاب باقٍ عليهم ولا ينكشف، لأنه لا يبطل إلاَّ بالمسيح وإلى اليوم حين يقرأ كتاب موسى فالحجاب ملقى على قلوبهم ولا يرفع الحجاب عن أحدهم إلاَّ إذا رجع إلى الرب (2 كورنتس 3/13)( 9 ). ويضيف بولص الرسول في رسالته إلى أهل كورنتس: وإن كان إنجيلنا محجوباً فهو محجوب عن الهالكين ، الذين أعمى إله هذا العالم بصائرهم لأنهم لايؤمنون لئلا يشرق لهم نور الأنجيل مجد المسيح الذي صوره الله).(2كورونتس /3/)10 هذه العبارة الواردة في رسائل بولص تدلنا دلالة واضحة على أن أمثال ( شرذمة بازل ) كانت متواجدة ومواكبة للمسيحية منذ نشأتها، وقد حاربهم دون هوادة، وقد دعاهم بالرسل الكذبة . ( 8 ) : الفأس والشجرة ـ عزة ضاحي ـ الكاتب العربي . ( 9 ) : العهد الجديد ـ ترجمة يوسف عون . ( 10 ) : العهد الجديد ـ ترجمة يوسف عون . لأن مثل هؤلاء رسل كذبة فعله ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح ، ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور فليس عظيماً أن كان خدامه أيضاً يغيرون شكلهم كخدام للبر الذين تكون نهايتهم حسب أعمالهم ( 2 كورنتس 11/13 و 14 و 15 ) . ويستطرد في رسالة ثانية قائلاً : فإنه يوجد كثيرون متمردون يتكلمون بالباطل ويخدعون العقول ولاسيما الذين من الختان ( اليهود ) الذين يجب سد أفواههم ( تيطس 1 / 10) . أيها السادة : إن استعراض تاريخ المسيحية في القرن الأول الميلادي والثابت في الكتاب المقدس يدلنا دلالة واضحة على أن هنالك كثيراً من الذين اعتنقوا المسيحية من اليهود,حاولوا تغيير مسارها وتهويدها واضعين العراقيل في وجه الأمم لتبقى حكراً على اليهود وأغراضهم وأحلامهم وأطماعهم فوقف بولس الرسول تلك الوقفة الجبارة فوصفهم بالأخوة الكذبة .. الخ موضحاً : لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان .. المسيح يسوع .. ليس يهودي ولا يونانيٌ وليس عبدٌ ولا حر ، ليس ذكرٌ ولا أنثى ، إنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع فإن كنتم للمسيح فأنتم إذاً نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة ( غلاطية 3 / 36 ـ 38 )، الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله فإن كنا أولاداً فإننا ورثة الله ووارثون مع المسيح ، إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه (رومية 8 / 17 ) . ولعله من المفيد أن أذكر ( شرذمة بازل ) في ختام كلمتي بهذا التساؤل الذي ورد في رسالة بولص إلى أهل رومية : أم الله لليهود فقط ؟ أليس للأمم أيضاً بلى للأمم أيضاً ؟ ( رومية 3 / 29 ) . وبعد : أرجو أن أكون وفقت في وضع لبنة صغيرة في صرح الحقيقة ، وكم أتمنى لو ينبري رجال الدين والمفكرون المسيحيون العرب للتصدي لتخرصات الصهاينة وأضاليلهم ، تلك مسؤولية كبرى ملقاة على عاتقهم دفاعاً عن أمتهم ودينهم ووجودهم.
ألقيت في المركز الثقافي في حمص في شباط 1986 كما ألقيت في نقابة المحامين في حلب بتاريخ 1986
|