(لا يمكن التعرّف على أية فكرة كاملة ما لم ترجع إلى تارخها) (أوغست كونت) هناك خطأ شائع مفاده أنَّ دولة إسرائيل وليدة الحركة الصهيونية التي تأسست في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي .. وأنها نتيجة للجهود التي بذلها مؤسس الصهيونية (تيودور هرتزل) وخلفاؤه .. والحقيقة أن حلم إنشاء دولة إسرائيل أقدم من ذلك بكثير ، عمره سبع وعشرون قرناً سعى إليه كثيرون ولم يوفقوا كما وفق هرتزل وخلفاؤه .. حلم دغدغ اليهود منذ السبي الأول في القرن السابع قبل الميلاد ذلك لأنهم اعتقدوا أنهم أمة واحدة رغم الاختلاط الذي حصل أثناء السبي بفعل الدولة المنتصرة أو لأسباب سياسية أخرى .. وقد بنوا اعتقادهم هذا على أساس ديني .. فهم (الشعب المختار من بين الشعوب .. .) فالزعيم أو المصلح الذي ترافق دعوته المناداة بملك إسرائيل الدنيوي والذي يعمل لتخليصهم من الحكم الأجنبي ولَمْ شتاتهم في أرض فلسطين فهو نبي نجح أم أخفق .. . أما النبي الذي يدعو لإصلاح اجتماعي وطاعة الرب دون التعرض لإقامة دولة إسرائيل فمصيره الإعدام أو الموت المؤكد … ولذلك قال لهم يسوع : ( أيها الحيات أولاد الأفاعي أنى لكم أن تهربوا من نار جهنم ها أنذا أرسل إليكم من أجل ذلك أنبياء وحكماء وكتبة ففريقاً تقتلون وتصلبون فريقاً في مجامعكم تجلدون ومن مدينةٍ إلى قريةٍ تطاردون حتى يقع عليكم كل دمٍ زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح) . ( متى 23 / 33 ). وقد القرآن هذه الحقيقة: (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده الرسل وأتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القدس ، أفكلما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ، ففريقاً كذّبتم وفريقاً تقتلون) . (البقرة /87). ويقول لهم السيد المسيح في الإصحاح ذاته : (وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء … فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء) ( متى 23 / 30 ) . وعلى الرغم من أنَّ قول السيد المسيح لا يحتاج إلى استشهاد أو تعقيب إلاَّ أني مضطر لتأكيد ودعم الفكرة التي طرحتها في مطلع هذا المقال بإيراد الأمثلة ومن نصوص الكتاب المقدس بالذات . لقد أقرَّ اليهود نبوة موسى لأنه أخرجهم من أرض مصر وسار بهم نحو فلسطين وكذلك بالنسبة ليشوع بن نون وداود وسليمان … الخ . هؤلاء جميعاً ساهموا في أمجاد أرضية لبني إسرائيل فهم أنبياء وأرجو أن لا يفهم من كلامي أني أنكر نبوة هؤلاء ـ وإنما أريد أن ألفت النظر إلى أنَّ اليهود أقروا نبوتهم لكونهم ساهموا في إشادة دولة إسرائيل الأرضية ـ أما الأنبياء الذين لم يتطرقوا للأمور الدنيوية فهم ليسوا أنبياء في نظرهم .. ففي أوائل القرن الثاني قبل الميلاد تجلى الصراع بين اليهود من جهة والحكام السريان من جهةٍ ثانية وقد تزعم الثورة على الحكام أسرة (الحسمونيين) الذين لقبوا فيما بعد بالمكابيين وكان زعيمهم في ذلك الوقت (متانياس) كاهن قرية يهويا ريب حيث قتل مرسلي أنطيوخوس أُبيفانيس (ملك سورية من 175ـ163 قبل الميلاد) وهرب إلى الجبال مع بنيه عام 168 ق.م وهناك شكل عصابة وابتدأ العصيان ولكنه توفي بعد ذلك بسنتين فخلفه ابنه يهوذا وبعد أن ظفر في بعض المعارك استقلََّ بأورشليم وأعلن الاستقلال إلاَّ أنه قتل في إحدى المعارك فاستأنف الحرب بعده أخواه يوناثان وسمعان ولكن هذه الأسرة لم تستطع تحقيق حلم الشعب الإسرائيلي في الاستقلال وتشكيل كيان مستقل فاقتصر همهما على توارث الكهانة فيها.. والمهم في الموضوع أنَّ أحبار اليهود ألَّفوا خمسة أسفار تشيد بحروب المكابيين وضموها إلى التوراة على أنَّ الكنيسة المسيحية تعتبرها من الأسفار غير القانونية (أبو كروفا) وقد قبل مجمع ترانت سنة 1516 السفرين الأولين بين الأسفار القانونية .. لم تأخذ بهذا القرار أغلبية الكنائس وهي تحوي تاريخ استقلال اليهود تحت قيادة الأسرة المكابية . ويعتبر اليهود يهوذا المكابي محررهم من النير السرياني .. في عام /6/ ميلادي فكرت الدولة الرومانية بتنظيم الضرائب وهذا يقتضي إجراء إحصاء سكاني فقام يهوذا الجليلي .. وكان متعصباً عنصرياً يرى أنَّ الله هو ملك إسرائيل وإنَّ الضرائب يجب أن لا تدفع إلاَّ لله وحده .. فقام بثورة وزاغ وراءه جمع غفير ( أعمال 5/37 ) وأشعل فتنةً في الناصرة وسائر بلاد الجليل والتف حوله رجال أشداء تحت شعار تحرير الوطن ولدى يهوذا هذا ما يحفزه على الثورة فقد قتل هيرودس أباه فانضم إلى حزب المتطرفين الجديد الذي يرأسه صادوق الذي كان برنامجه عدم الخضوع للرومان .. ومن أقواله:( أنتم راغبون في جمع إتاوات من أقل سنبلة ننبتها وأصغر زجاجة زيت نصدرها .. أنتم تجاوزون حدود الطمع أنتم تقصدون إذلال شعب الله المختار .. ) . فرفع يهوذا الجليلي وصحبه راية العصيان فباغتوا مستودع الأسلحة بصفورى فأخذوا ما فيه من عدد الرومان ونقودهم فدعا لهم الكهنة بالنصر والتوفيق فانطلقوا إلى طرد الرومان من فلسطين وعلم القائد الروماني فاروس بذلك فأسرع في الحضور إلى سورية بجيش جرَّار وانضمت إليه كتائب الأمراء المجاورين فألقى الرعب في أورشليم وقمع الثورة وقتل ألفي ثائر صلباً وفرَّ يهوذا إلى كهوف لبنان مفكراً بخطة جديدة للثأر إلى أن ألقي القبض عليه وصلب فطأطأ اليهود رؤوسهم وعدُّوه شهيد الأمة ونظمت القصائد تكريماً لذكراه .. . وصار اليهود يتحرقون انتظاراً لعمل شيء جديد وغدوا يعتقدون أنَّ ظهور المسيح المنتظر موقوف على رفع نير الرومان عنهم (إميل لودفيج ـ ابن الإنسان صـ50 ). أما يهوذا الاسخريوطي وهو التلميذ الوحيد الذي لم يكن جليلياً … عيَّنه يسوع أميناً للصندوق فكان يسرقه ( يوحنا 12 / 6 و 13 / 29 ) .. الأمر الذي يدل على أنَّ طمع يهوذا لم يكن الباعث الأقوى لخيانته ولو كان الأمر كذلك لما اكتفى بثلاثين من الفضة وهو مبلغ زهيد يعادل ثمن عبد في تلكم الأيام … ولكان أجدى له أن يبقى أميناً للصندوق يختلس منه ما تيسر فقد ظنَّ كغيره أنَّ يسوع جاء ليقيم دعائم ملك سياسي أرضي فطمع بمنصب رفيع في هذا الملك ومع مرور الزمن يرى أنَّ ملكوت المسيح الذي عقد عليه الآمال الكبار أصبح أمراً مشكوكاً فيه وإلاَّ لما أضاع المسيح الفرص التي كان يمكنه أن يظهر زعيماً عظيماً وملكاً قديراً . (يوحنا 6/15) فيعرض عنه وينفر منه وتستحيل النفرة إلى عداء وتغلف بالغدر والخديعة فعمد إلى تسليمه لأعدائه ليصلب ( قاموس الكتاب المقدس 1090 ـ كلمة يهوذا ) . أما يوحنا المعمدان ، ابن زكريا ـ يحيى ـ فكان ناسكاً زاهداً ساعياً لإخضاع نفسه والسيطرة عليها بالصوم والتذليل .. حاذياً حذو إيليا النبي في ارتداء عباءة من وبر الإبل . شاداً حقويه بمنطقة من جلد .. يتغذى بالجراد والعسل البري … يبكت الناس على خطاياهم ويدعوهم للتوبة لأن المسيح قادم .. وقد شبه نفسه بصوت صارخٍ من البرية (يوحنا 1/23) كان يدعو الجميع للهداية بصرف النظر عن جنسهم وطبقتهم (متى 3/9). لذلك قتل بمكيدة من عاهرة يهودية دون أن يرف للكتبة والفريسيين جفن أو يحرك ساكن . وهنا يجدر بنا أن نقارن بين هذا الموقف وبين ردة الفعل التي حصلت عند مقتل يهوذا الجليلي السالف الذكر .. وتتجلى لنا الصورة بوضوح إذا استعرضنا الأسبوع الأخير لحياة يسوع على الأرض حيث عقدت أخس صفقة في تاريخ البشرية ... صفقة المقايضة التي عقدها اليهود مع الحاكم الروماني حيث قايضوا على بارباس بيسوع. فاليهود كانوا ينتظرون المخلص ـ مخلص لليهود من حكم الرومان ينشئ لهم دولة في فلسطين تعيد أمجاد سليمان وداود ـ وجاء يسوع فالتبس عليهم الأمر .. . أهذا هو الذي ينتظرون .. .؟ . أهذا هو الذي تنبأ عنه أنبياؤهم ..؟ صفاته مطابقة مع الوعود المكتوبة في كتابهم المقدس ـ التوراة ـ ولكنها بعيدة عما يرومون .. . هم يريدونه مقاتلاً ثائراً عنيفاً سفَّاك دماء ولكن يسوع كان وديعاً محباً للسلام .. . الخ .. . وحصل أنه قبل الفصح بأسبوع زار يسوع ( بيت عنيا ) وكان قد أقام ألعازر من بين الأموات (يوحنا 12/1) فعلم جمعٌ كثير من اليهود بوجوده فجاءوا لينظروا يسوع وألعازر الذي أقامه من الأموات (يوحنا 12/9) فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا ألعازر أيضاً لأنَّ كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بالمسيح (يوحنا 12/10 و 11/10). وفي اليوم التالي سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أنَّ يسوع آتٍ إلى أورشليم .. فأخذوا سعوف النخيل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون ((أوصنا مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرئيل ) .. . ووجد يسوع جحشاً فجلس عليه كما هو مكتوب .. فقال الفريسيون بعضهم لبعض انظروا .. إنكم لا تنفعون شيئاً هو ذا العالم ذهب وراءه ( يوحنا 12 / 12 / 19 ) . ( وأوصنا كلمة عبرية ترجمتها الحرفية خلصنا الآن ) وهي هتاف ملكي يرادف في وقتنا الحاضر عاش الملك . إنَّ هذا النشيد كان اليهود ينشدونه عندما يأملون النصر وأنه كتب للمرة الأولى أيام نحميا رسول الجهاد حينما أعاد بناء الأسوار المهدمة ورمم المدينة الخربة ليتمكن اليهود العائدون من سبي بابل أن يعبدوا الــرب (نحميا 8/14/18) وكذلك رددوا هذا الهتاف بمناسبة رجوع سمعان المكابي ظافراً في حربه مع السوريين بعد أن انتزع عكا من حكمهم . إذن هو هتاف وطني أكثر مما هو هتاف ديني ( وكانوا يأملون أن يقوم السيد المسيح بعد فترة وجيزة فيضرب بالبوق ويهبَّ الشعب وراءه ثائراً حاملاً سيف الانتصار على أعدائهم ساحقاً روما تحت النعال رافعاً راية اليهودية على العالم أجمع .. لقد اختلط دخول المسيح أورشليم بهتاف الظفر الانتصار ودوت في أذنيه كلمات مزمور الأبطال .. إلاَّ أنَّ هذا الهتاف أثقل نفس يسوع وآلمه .. فلم يفهم الشعب بعد حقيقة رسالته.). ويستطرد الدكتور باركلي قائلاً : (( وكان من المستحيل على يسوع أن يوضح للشعب رسالته أو يصحح الخطأ الذي وقع فيه ..إنَّ الجمهور الثائر لا طاقة له أن يستمع لنصح … إنه كالموج الهادر لن يقف في وجهه شيء .. فهو ـ أي المسيح ـ لم يأتِ في صورة القائد المنتقم .. . ولكنه أتى إلى مدينة أورشليم كرئيس السلام .. في تلك الفترة لم يدرك أحد المعنى الخالد الذي جاء من أجله حتى ولا تلاميذه الذين كانوا أقرب الكل إلى قلب المخلص وفكره .. . لقد دارت أفكارهم في دوَّامة هستيرية الجماهير الصاخبة وأخذتهم حماسة الجمهور الثائر على أساس أحلامهم الوطنية الكاذبة وهكذا لم يكن فيهم ذات الفكر الذي كان في المسيح يسوع .. . ولم تكن فيهم نفس رسالته واتجاهه .. لقد كان يسوع في وادٍ وكانت الجموع ومعهم التلاميذ أيضاً في وادٍ آخر بعيد (باركلي : شرح إنجيل يوحنا) هنا أسقط في يد الكهنة الفريسيين وغيرهم وأخذوا يتساءلون لعله هو المخلص وتشاوروا فيما بينهم واستعرضوا ما رأوا بأم عينهم لقد زفته الجماهير هاتفة به ملكاً عليهم وها هو يدخل الهيكل ظافراً منتصراً دون إراقة دماء ولم يلق أية مقاومة لعله أسلوب جديد يختلف عن أسلوب الذين سبقوه .. لعله يريد تعزيز شعبيته قبل أن يشهر سيفه في وجه الحاكم الروماني معلناً الاستقلال .. وفي موجة التردد والتساؤل كان لا بد من قرار حاسم إما أن يسيروا وراءه كما سار الآخرون وذلك لن يفعلوه ما لم يتأكدوا من أنه رجل سياسة .. وإما أن يخاصموه ويحاربوه ويقبضوا عليه .. . فالقضية لم تعد تحتمل المزيد من التردد .. إنَّ معيار العمل السياسي عندهم دفع الضرائب والامتناع عن أدائها هو مفتاح التمرد .. . فلم لا يجربونه .. . فدسوا له من يسألونه : ( فسألوه قائلين يا معلم : نعلم أنك بالاستقامة تتكلم ولا تقبل الوجوه بل بالحق تعلم طريق الله ... أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا…؟ ) فشعر يسوع بمكرهم وقال لهم لماذا تجربونني .. أروني ديناراً، لمن الصورة والكتابة … فأجابوه وقالوا لقيصر .. فقال لهم أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ( لوقا 20 / 21 ـ26 ) و ( مرقص 12 / 13 ـ17 ) ، كان يسوع يعرف مسبقاً أن حياته تتوقف على جوابه وكان يعلم النتائج التي ستترتب على هذا الجواب ولكن هيهات لرجل العقيدة من أن يتراجع فكم بالأحرى إذا كان يسوع … لقد كانت مناسبة بل فرصة ليوضح لهم ويجلو الالتباس الذي وقع فيه الجمهور يوم أحد الشعانين ـ لقد أدرك أن ساعته قد أتت و انفض من حوله جمع غفير من مريديه … فاغتنمها خصومه ليشنوا عليه حرباً شعواء تجهز عليه … هؤلاء الأعداء الذين يعلمون أنه بالاستقامة يتكلم وبالحق يعلم طريق الله ولكنهم عن كل هذا غافلون وهم يريدون طريق دولتهم وملكهم الزمني والأرضي .. ولا سبيل للخلاص من يسوع إلاَّ باتهامه بما تبرأ منه فاتهموه بأنه يريد إنشاء ملك أرضي وأنه ينادي بنفسه ملكاً على اليهود وهذا ما يقض مضاجع الحاكم الروماني فيعدمه صلباً ويتخلصون منه وينقذون زعيماً سياسياً لهم هو بارباس.. فيصطادون عصفورين بحجر واحد.. يتخلصون من هذا الرجل الذي يدعو إلى التسامح والمحبة والوئام ويخلصون بارباس من غياهب السجون ويسأل الحاكم الروماني بيلاطس المتهم يسوع عن تهمته فينفيها قائلاً: (مملكتي ليست من هذا العالم .. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم لليهود .. . ولكن الآن ليست مملكتي من هنا) (يوحنا 18/36 ) .. . ويخرج بيلاطس إلى اليهود ويقول لهم ( أنا لا أجد فيه علَّةً واحدة .. . ولكم عادة أن أطلق لكم واحداً في الفصح أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود فصرخوا جميعهم قائلين ليس هذا بل بارباس ) (يوحنا 18/38) ويحق لنا أن نتعرف على شخصية بارباس هذا الذي طلب اليهود إطلاق سراحه وصلب يسوع بدلاً منه ويقول برناردشو : (( يحاول بيلاطس إنقاذ يسوع بتذكير الشعب بأنَّ العادة جرت أن يكون لهم الحق في أن يطلبوا إطلاق سجين في تلك المناسبة من العام ويقترح عليهم أن يطلق لهم سراح يسوع ولكنهم يصرون أن يطلق لهم سجيناً آخر يدعى بارباس بدلاً منه و أن يصدر أمراً بصلبه . ولا يتقدم متى بأي تفسير للشعبية التي كان يتمتع بها السجين بارباس وإنما يصفه بأنه ( سجين عظيم المكانة ) ولا أكثر .. وفي الأناجيل التالية تتضح هويته بشكل لا يعود مصدراً لحيرة فيذكر أن جريمته هي التآمر على الدولة والثورة وأنه كان من مجندي استخدام القوة المجردة وأنه رجل بطش وهكذا بدأ اختيار بارباس وكأنه تفضيل شعبي للقوة المجاهدة الباطشة على التبشير بالرحمة وكراهية العنف )) . أما قاموس الكتاب المقدس فيقول : بارباس رجل اشتهر بسفك الدماء وفعل المنكرات ولما كان اليهود يحاكمون مخلصنا يسوع كان بارباس ملقى في السجن لعلة قتل وتحريك فتنة بين الشعب وكان من عادة الحكومة الرومانية أن تطلق لليهود أسيراً كل سنة في عيد الفصح من أرادوا … فبلغ من انحطاط تلك الأمة في ذلك الحين أنهم طلبوا من الحاكم الروماني إطلاق سراح بارباس المجرم وتسليم مسيحها إلى الموت على الصليب ( قاموس الكتاب المقدس ص157 ) . أما باركلي فيقول : كان بارباس رجل قوة وبطش ودماء .. ذلك الرجل الذي اختار طريق العنف للوصول إلى مطامعه … ولعله ارتفع في نظر الشعب إلى مقام الزعيم الوطني الثائر من طائفة الغيورين الذين أقسموا أن يحرروا اليهود من نير الرومان بكل وسيلة من الوسائل ، بالسيف ، بالنار ، بالسلب ، بالنهب ، بالقتل ، .. فهو لم يكن مجرماً رخيصاً (باركلي ـ تفسير يوحنا صـ489) ويقول أميل لودفيج في كتابه ابن الإنسان : إنَّ بارباس كان سجيناً وهو بطل من أبطال الحرية فهذا السجين الحَمِسْ هو الذي وصل مع عصابة من الجليلين إلى القدس في الخريف الماضي فسلب الحرس الروماني فسجن وهو من أتباع يهوذا … وهكذا تمَّت صفقة المقايضة بين الحاكم الروماني واليهود بحيث صلب لهم رسول السلام مقابل إطلاق سراح بارباس الذي طرح في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل ( لوقا 23 / 18 ). وبعد ألا يحق لنا أن نقول للسيد كارتر الذي صرح في الأرض المحتلة في شباط سنة 1983 بأنه كمسيحي يؤمن بحق اليهود بالعودة إلى فلسطين … أن نقول له أن المسيح صلب لأنه رفض أن يعمل على إقامة ملك إسرائيل … ؟ .. !
الإنجيل يقوّض ادعاءات اليهود بأنهم أمة واحدة … هنا لابد لنا من وقفة قصيرة للرد على ادعاءات اليهود بأنهم يشكلون أمة واحدة ويحلمون في عودتهم إلى أرض كنعان ـ فلسطين … إن الكتاب المقدس يؤكد أن اليهود لم يكونوا أمة واحدة وإنما مجموعة من الأمم واليهودية دين وليست أمة … يقول الكتاب في سفر أعمال الرسول في الإصحاح الثاني العدد /5 / : (وكان يهود أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين في أورشليم .. ؟ .. وإنهم يتكلمون لغات متعددة ثم يستطرد موضحاً هوية هؤلاء الأمم تفصيلاً وهم (فرتيون و ماديون وعيلاميون ، والساكنون ما بين النهرين واليهودية وكبدوكية وبنتس وآسيا وفريجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبيا التي نحو القيروان والرومان والمستوطنون يهود ودخلاء وكربتيون وعرب ) . ( أعمال 2 /9 ـ 10 ـ 11) وبما أن أكثر هذه الأسماء غريبة علينا فلا بأس من التعرف عليها … فالرتيون هم سكان بارثيا وهي ولاية كانت تقع في آسيا الغربية جنوب شرقي بحر قزوين تكاد تكون مطابقة لمقاطعة خرسان الحالية الواقعة في القسم الشمالي الشرقي من إيران . أما الماديون : وهم سكان مادي وهي بلاد يحدها نهر أركسيس وبحر قزوين إلى الشمال والشمال الشرقي .. وفرشية وهكرانية وصحراء فارس من الشرق … وفارس وسوسيانة من الجنوب وآشور وأرمينية من الغرب . والماديون اشتهروا بخيولهم وأفراسهم وكانوا يتصلون بالفرس في الجنسية واللغة والثقافة والتاريخ .. والعيلاميون : هم سكان عيلام وهي بلاد فيما وراء دجلة و إلى الشرق من مملكة بابل .. وإلى الجنوب من مملكتي آشور وميديا وعلى الضفة الشمالية للخليج العربي و إلى الغرب من مملكة فارس وكانت عاصمتها مدينة ( شوشان ) . وكبدوكية : أكبر ولاية في آسيا الصغرى القديمة . وبمفيلية مقاطعة أخرى في آسيا الصغرى واقعة إلى الجهة الشمالية من بحر الروم بين كليكية وعاصمتها برجة . وبنتس : اسم يوناني ولاتيني ( معناه البحر ) لمقاطعة تقع في الشمال الشرقي من آسيا الصغرى على شاطئ البحر الأسود .. وفريجية أيضاً مقاطعة في آسيا الصغرى .. . ( قاموس الكتاب المقدس ) وبعد .. هل يجوز لليهود أن يدعوا أنهم جميعاً عبرانيون وأنهم أبناء لإبراهيم بالنسب وأنهم غادروا فلسطين ويجب أن يعودوا إليها ؟! . أسباب أخرى للمقاومة : ونعود لمتابعة الوقائع التاريخية وفق ما جاء في سفر أعمال الرسل وغيره من أسفار العهد الجديد، كان العبء الذي ألقاه يسوع على بطرس ثقيلاً عندما قال له: ( ارعَ خرافي ) والذي لاشك فيه أن بطرس ورفاقه التلاميذ كانوا يمزجون الأمور الدينية بالأمور الزمنية فهم لم يتحرروا بعد من رواسب الفكر اليهودي بدليل سؤالهم ساعة صعوده … ( هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل ) .. فهم لا يشكون في أن يسوع سيعيد الملك إلى إسرائيل ولكنهم يسألون عن التوقيت لا أكثر ولا أقل .. ولاشك في أن يسوع حزن بينه وبين نفسه لأنه لمس أن هؤلاء الذين عاشوا معه كل لحظة من لحظات عمله لم يفهموا حتى الآن رسالته .. فوعدهم بأنهم سيفهمون فكره بعد أن يحل عليهم الروح القدس ، سيفهمون أنه لم يأت من أجل ما يتمنى اليهود وإنما جاء للعالم بأسره … فقال لهم : (( ستنالون قوة متى حلَّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة و إلى أقصى الأرض )) ( أعمال 1 / 8 ) . ويستلم القيادة بطرس ويجتمع مع التلاميذ المؤمنين بيسوع ويبلغ عددهم مائة وعشرين شخصاً وينتخبون شخصاً عوضاً عن يهوذا الخائن الذي سلَّم السيد ( فوقعت القرعة على متياس فحسب مع الأحد عشر رسولاً ) ( أعمال 1 / 26 ). كان أهم عقبة كأداء في وجه الرسل العقلية اليهودية المتزمتة … فاليهود يعتقدون كما ذكرنا مراراً بأنهم شعب الله المختار وهذه المشكلة التي سيعاني منها التلاميذ عانى منها يسوع فقد كان لبَّ رسالته ملكوت الله ( مرقص 1 / 14 ) ولكن المشكلة كانت في الاختلاف على معنى الملكوت فقد كان يعني معنى مختلفاً كل الاختلاف عما في ذهن السامعين .. فهم كانوا يعتقدون أنهم يتمتعون بامتيازات خاصة ويجب أن يسودوا العالم .. لذلك فهموا الملكوت بالمعنى السياسي … فضلاً عن هذا فاليهود كانوا لا يختلطون بغيرهم من الأمم ويعتبرون أن اختلاطهم بالأمم يعتبر نجاسة فلا يدخلون منزل أميٌّ حتى ولو كان رومانياً ولا يستضيفونهم .. ولذلك عابوا على السيد المسيح اختلاطه بالسامريين .. مع العلم أن السامريين يدينون باليهودية . وبلغ باليهود الحقد على السامريين فصاروا يستنكفون من أن ينجس شفاههم بنطق كلمة سامري وكان يحسب طعام السامري نجساً كلحم الخنزير … إذاً كانت هنالك مشكلة التمييز العنصري التي حاربها يسوع .. كانت هنالك مشكلة أخرى وهي الطبقية … فالفريسيون يضعون أنفسهم في أعلى المراتب .. فجاء يسوع يجرح كبرياءهم ويقضي على غطرستهم وصلفهم … الخ . كانوا يتمسكون بالشكليات دون الموضوع… كانوا يقولون ما لا يفعلون لذلك قال يسوع اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم .. كل هذا حدا باليهود لمحاربة الفكر المسيحي …
بــدء العمـــل الرســولي : عندما بدأ التلاميذ بقيادة بطرس عملهم التبشيري حدث لهم حادثان كانا سبباً في الانتقال من العمل العفوي إلى العمل المنظم .. الحادث الأول : أنه بينما كان بطرس ويوحنا الحبيب يعظان في الهيكل ألقي القبض عليهما وأودعا السجن ثم خرجا منه بأعجوبة . والثاني : أن المؤسسات التي كانت تجمع تبرعات مالية وعينية توزع على الفقراء والمحتاجين غير أن هذه التبرعات كانت توزع على المحتاجين من العبرانيين دون اليونانيين … وعندما وصلت الشكوى من هؤلاء للتلاميذ قرروا انتخاب قيادة ( ظل ) حسب التعبير الحديث .. هذه القيادة التي تألفت من سبعة أشخاص ترأسها استيفانوس الذي قتل مباشرة رجما دون محاكمة لأنه ذكر اليهود بشرورهم وشرور آبائهم فكان أول شهيد في المسيحية بعد المسيح .. وقد أنيط بهذه القيادة جمع التبرعات والأموال وتوزيعها على المحتاجين أياً كانت جنسيتهم .. ولعله كان هنالك اتفاق ضمني بين التلاميذ على نشر المسيحية بين اليهود واليهود فقط دون سواهم ولذلك لم يحتج أحد على فيلبُّس عندما قام بالتبشير في السامرة على الرغم من أن يهودية السامريين تختلف عن يهودية سكان (الجليل) و (اليهودية) .. فنجح في مسعاه . وعندما استجاب بطرس لدعوة قائد المئة (رتبة عسكرية) (الروماني كرنيليوس) عاتبه التلاميذ عتاباً مرَّاً ولكنه أفهمهم أن المسيحية ليست وقفاً على اليهود وإنه لا يجوز احتكار كلمة الله … وإن الله للجميع وليس لفئة من الناس أو لشعب من الشعوب فامتثلوا لرأيه …
محــاولات التهويـــد : إنَّ التحرر من الأفكار التي نشأ المرء عليها ليس أمراً سهلاً ولذلك بقيت جذورها في نفوس كثيرين من الذين آمنوا بالمسيح وهاجروا من فلسطين هرباً من الضغوط والإرهاب اليهودي وكانت إنطاكية مرتعاً خصباً لكل حوار فكري .. فهي ثالث كبريات مدن العالم في ذلك الزمان لذلك استقطبت عدداً من الأخوة ـ هكذا كان المسيحيون يسمون أنفسهم ـ لا يستهان به فأخذوا ينشطون هناك بين اليهود ثم أخذوا يشترطون على الوثنيين أن يتقيدوا بالناموس ( بناموس موسى ) ويختتنوا .. بمعنى أصح أن على هؤلاء أن يصبحوا يهوداً ويضيفوا إلى تهودهم الإيمان بيسوع أنه المسيح المنتظر … وكان هذا حملاً ثقيلاً على الوثنيين جعلهم يحجمون عن الإقدام على الدخول في الدين الجديد .. وترسل الكنيسة رجلاً من قبلها يدعى برنابا إلى إنطاكية ليتفقد الحقل التبشيري هناك فَيَلْمَسْ آثار الثورة المضادة .. ويخشى على المسيحية من الردة .. ويشعر بأنه بحاجة إلى معين والأفضل أن يبحث عن قائد يسير هو وراءه .. وهذا القائد يجب أن يكون خلفية مزدوجة ، فلا بد أن يكون يهودياً قبل أن يؤمن بالمسيح .. تربى في تقاليدها ولكنه قادر على التعامل مع الأمم و أن يكون شجاعاً مقداماً مثقفاً بارعاً في الحوار والنقاش حتى يفحم اليهود والأمم على حد سواء . فوقع اختياره على شاول ( الذي عرف فيما بعد باسم بولس ) .. والذي سبق وتعرف عليه في فلسطين ذلك الطرطوسي اليهودي الفريسي المتغطرس المتواضع بعد إيمانه ، دارس الناموس والتقاليد اليهودية المتفهم الفلسفة اليونانية حامل الجنسية الرومانية الذي جاء القدس وشهد مقتل استيفانوس وأقره وكان حرباً على المسيحية واضطهد المسيحيين إلى أن تراءى له المسيح وهو في طريقه إلى دمشق فآمن به وتوارى في البلاد العربية مدة ثلاث سنوات ثم عاد إلى دمشق ومنها إلى القدس فارتاب بإيمانه الرسل ولكن برنابا وقف إلى جانبه وكفله ودافع عنه ثم اضطهده اليهود فهرب إلى قيصرية ومنها إلى طرسوس حيث مكث هناك تسع سنوات إلى أن جاءه برنابا يدعوه إلى العمل فصدع للأمر ورافق برنابا إلى إنطاكية لمعالجة المشكلة التي أوجدها قوم جاؤوا من اليهودية وقد أخذوا يعلمون الأخوة أنه إن لم يختتنوا ويلتزموا بالناموس فلن يخلصوا ( أعمال 15/1 ـ 2) .. وذلك لأن هؤلاء ( لم يستطيعوا رغم إيمانهم بالمسيح أن ينسوا مركزهم كمختاري الله فكانوا على استعداد تام لقبول الأمم في الكنيسة بشرط أن يتهودوا أولاً ولو ساد هذا الرأي لأصبحت المسيحية مجرد شيعة يهودية ) ( باركلي ـ أعمال الرسل ص 193 ) . فتصدى لهم بولص وبرنابا بكل قوة إلى أن انتهى بهم الأمر إلى الباب المسدود .. . ولعله من المفيد أن نورد ما جاء بكتاب تاريخ الكنيسة لمؤلفه سمير نوف ترجمة المرحوم المطران جحا صـ28 حول هذا الموضوع حرفياً : (( في هذه الأثناء كان السؤال الذي يشغل الألباب هو : هل يجب على الوثنيين المتنصرين وكذلك على اليهود المتنصرين مراعاة الناموس الموسوي .. ؟ . هذه القضية كانت تشغل في أورشليم إلى إنطاكية .. وقالوا للمؤمنين من الوثنيين ( إذا كنتم لا تختتنون بموجب طقس موسى لا تخلصون ) فبولص وبرنابا اللذين لم يعطيا مثل هذه الأهمية لليهودية بعد مجيء المسيح المخلص دخلا في جدال معهم .. ولأجل حل هذه القضية نهائياً قررت كنيسة إنطاكية أن توجه بولص وبرنابا إلى الرسل والقسس في القدس )) .. ولو تتبعنا هذا الموضوع كما جاء في سفر أعمال الرسل نجد أن اجتماعاً كنسياً عقد في القدس في حوالي عام 50 ميلادية ضمَّ التلاميذ والشمامسة وبعد نقاش طويل دافع كل من الحضور عن وجهة نظره اتخذوا قراراً بمثابة رسالة وجهت إلى الأمم وهذا نصه الحرفي : ( الرسل والمشايخ والأخوة يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكيا إذ سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين إن لم تختتنوا وتحفظوا الناموس الذي نحن لم نأمرهم .. رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبيتا برنابا وبولس رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم يسوع المسيح .. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً . لأنه رأى الروح القدس ونحن إن لا نخضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي حفظتم أنفسكم منها فنعْمَ ما تفعلون كونوا معافين ) ( أعمال 15 / 23 / 29 ) . والذي أراه أن هذا القرار من أعظم وأهم القرارات التي أصدرتها الكنيسة حتى تاريخ اليوم للأسباب التالية : 1. حرر المسيحية من العقلية اليهودية وأبعد المسيحيين عن تقاليدها وحصر المحرمات بأربعٍ هي أكل ما ذبح للأصنام والدم والمخنوق كما حرَّم الزنى … 2. أنه أول قرار تصدره الكنيسة … 3. إن الذين أصدروه هم أولئك الذين عاشوا مع السيد المسيح وتفهموا رسالته وقد حلَّ عليهم الروح القدس بمشيئة يسوع فهم أجدر الناس في فهم مقاصده . 4. وضع القرار حداً فاصلاً بين اليهودية والمسيحية مصححاً مسار الديانة اليهودية وفتح باب ملكوت الله على مصراعيه لكل الأمم والأجناس دون تفريق عنصري أو اجتماعي .. وأعلن أن البشرية جمعاء هي شعب الله المختار وألغى ما كان عالقاً في الأذهان من أفضلية بني إسرائيل على غيرهم من الأمم .. 5. تجاوز كل الشكليات والقيود التي تفرضها اليهودية للدخول في حضرة الله … 6. صدر القرار بعد نقاش ومداولة وإقناع بالإجماع ( بنفس واحدة ) . 7. إن الذين أصدروا القرار لم يكونوا من ذوي السلطان الدنيوي فلا جيوش مسلحة تؤازرهم ولا سلطان لهم إلاَّ محبة الله ومشيئته … 8. يتسم القرار بالشجاعة والجرأة دون مواربة وقد شهروه كما تشهر الدولة قوانينها فعمموه على الشعوب كافة وأرسلوا من يذيعه ويشرحه دون الالتفات إلى أولئك المؤمنين من اليهود الذين وضعهم الدكتور (وليم ايدي) بالمعلمين المفسدين.. وطبعاً يقصد الذين أزعجوا الأمم بتعاليمهم المغلوطة.. ولكن هل انتهت المعركة عند هذا الحد.. إن متابعة رسائل بولص تؤكد لنا أن التضليل استمر رغم كل شيء وأنه كان يصف هؤلاء الذين استمروا بالتضليل (بالأخوة الكَذبة) ولعله من العسير علينا متابعة محاولات تقويض المسيحية من الداخل وتهويدها على الرغم من كل الاحتياطات التي اتخذت فقد كانت الكنيسة في القرون الوسطى تلزم اليهودي الذي يعتنق المسيحية أن يقسم إيماناً مغلظة على تخليه عن الديانة اليهودية كأن يقول : ((أقيم قسماً مغلظاً أنني أعتقد بأن الضحايا المسجلة في العهد القديم ما هي إلاَّ بشائر للتضحية الكبرى للمسيح كما عاناها على الصليب وأقسم أني إن انحزت أو تزحزحت عن هذا الإيمان الحقيقي وهو إيمان الكنيسة الكاثوليكية بأني أستحق الموت .. وأقسم أني عن طيبة خاطر وبشكل طوعي ومن كل قلبي وروحي أقبل شريعة المسيح وأرفض كل شريعة عداها وإنه طبقاً لديني القديم الذي وضع العهد القديم يلزم شاهدان أو ثلاثة لإقرار الحق وإزهاق الباطل ولكن حقيقة المسيح قد أثبتها اثنا عشر شاهداً وهم تلاميذ السيد المسيح الإثنا عشر) …الخ . (بواكيم برنز صـ57) وكان الإمبراطور قسطنطين قد أصدر مرسوماً عام 321م استبدل السبت بالأحد كعطلة أسبوعية ليزيل كل التباس… وبعد ربع قرن أصدر مجمع لادوكيا قراراً بهذا الخصوص جاء فيه (لا يجوز للمسيحيين أن يتهودوا ويجلسوا كسالى يوم السبت ولكن عليهم أن يشتغلوا في هذا اليوم وعليهم أن يحترموا الرب قدر المستطاع ماداموا مسيحيين .. إنما إذا أصروا أن يظلوا يهوداً عندها يجب أن تحل عليهم لعنة المسيح وحرمانه) (بواكيم برنز صـ96). ولكن هل استكان اليهود … ؟ إن متابعة الموضوع يدل دلالة واضحة على أن الأمر يتفشى وينتشر وخاصة في الغرب وما شهود يهوه إلاَّ نموذج حي للتضليل والتهويد .. والحديث عنهم يطول ويطول وهذا يستتبع الحديث عن يهود الدومنة .. ومن حقكم ألاَّ أثقل عليكم أكثر مما ينبغي والسلام . حمص في 15 / 12 / 1983 المراجع 1 ـ الكتاب المقدس . 2 ـ قاموس الكتاب المقدس . 3 ـ شرح الكتاب المقدس ـ وليم باركلي . 4 ـ شرح الكتاب المقدس ـ وليم ايدي . 5 ـ ابن الإنسان ـ إميل لودفيج ، تعريب عادل زعيتر . 6 ـ بولس الرسول .. هولزنز ، تعريب المطران الياس معوض . 7 ـ المسيح ليس مسيحياً .. برنارد شو ، تعريب جورج فتاح . 8 ـ باباوات من الحي اليهودي ـ بواكيم برنز ، تعريب خالد أسعد عيسى. 9 ـ تاريخ الكنيسة المسيحية ـ سمير نوف ، تعريب المطران الكسندروس جحا . ألقيت في المركز الثقافي العربي في حمص بتاريخ 10 / 11 / 1983 ونشرت في مجلة ( الكلمة ) الحلبية بالعدد 1 و 2 لعام 1989
|