| القتـــــاد الثـــــــأر | ![]() |
زغردت النساء في قرية .. تعبيراً عن فرحتهُنَّ ، وأطلق الرجال العيارات النارية في الهواء تعبيراً عن ابتهاجهم . فقد أخذ فتاهم الثأر من قاتل قريبهم . وغسل العار .. ليت أم الفتى وضعت عشرة أطفال يوم ولدته ، فقد سجل اسمه في سجل الأبطال الميامين وسيتحدثون عن شجاعته في مجالسهم ما طاب لهم الحديث. لقد استطاع هذا الفتى الانقضاض على هدفه وهو مخفور بحراسة رجال الأمن مكبل اليدين لا حول له ولا قوة وعلى حين غرة . حتى أن جريدة العروبة وصفت حادث القتل بأنها عملية جريئة وليتها قالت دنيئة .. منذ شهرين تحدث زميلنا الأستاذ نجاة قصاب حسن عن تخلف قوانيننا وضرب مثلاً أن نص قانون العقوبات ما زال يعاقب المتبارزين .. والمبارزة التي يعنيها قانون العقوبات هي أن يدعو شخص خصمه إلى المبارزة بحضور حكم يشرف عليها ووجود طبيب لإسعافهما .. فعاقب كل من يدعو إليها كما عاقب الطبيب أو الجراح الذي يلبي دعوة المتبارزين . وكان رأي الأستاذ نجاة قصاب حسن إلغاء هذه المواد لأن المبارزة لا وجود لها في مجتمعنا وكنت أشاركه الرأي . أما بعد الحادث الذي جرى في مدخل دار الحكومة والذي أسفر عنه مقتل السجين وجرح رفيقه تبين لنا أننا متخلفون عن هذا القانون ولسنا متجاوزين نصوصه.. بمعنى أنه في المبارزة كل الشهامة والبطولة ـ بصرف النظر عن رفضي المطلق للقتل ـ حين ينذر الخصم يتسنى لهذا الخصم الاستعداد للدفاع عن نفسه فلا يقتل غيلةً وغدراً وهو مكتوف اليدين . أعود إلى الثأر فهو من العادات القبلية والعشائرية التي يجب وأدها مع الجاهلية وقد ألغاها الرسول العربي في خطبة الوداع حيث وضع دم عمه حمزة وأضحت الدولة تمثل الحق العام فتقتص من المجرمين والخارجين عـن القانون . ومع كل ما نسمع بين الفينة والأخرى حادثاً جديداً وقصة ثأر مستحدثة فنصفق لها جميعاً ونشيد ببطولة مرتكبها .. وكل واحدة منها تروي قصة غدر وترصد وهذا يدل دلالة واضحة على أننا مازلنا نعيش العقلية الجاهلية رغم ما ندعيه من العلم والحضارة والتمدن والذي يزيد الطين بلة كما يقول المثل إن المحاكم تأخذ بالأسباب المخففة وتخفض العقوبة مسببة قراراتها بالدافع الشريف وعادات المجتمع والتقاليد الموروثة . وإضافة لما ذكرت فإن بطء إجراءات التقاضي سبب غير مباشر لدفع أهل المجني عليه في مسيرة الاقتصاص من خصمهم فالسجين الذي قتل يوم الاثنين الماضي مر على اتهامه بجرم القتل أكثر من سنتين كما علمت ومازال قيد المحاكمة . فلو أن إجراءات التقاضي تمت خلال مدة معقولة وقضت الحكمة بمعاقبته خلالها لاطمأن ذوو الضحية ولربما صرفوا النظر عن إنزال العقوبة التي قرروها به . الحادث الذي وقع بالأمس تكرر خلال سنوات أكثر من مرة وكلكم تذكرون أنه قتل سجينان بين رجال الأمن وفي دار الحكومة أيضاً .. وقبلها قتل سجين آخر في باحة المحكمة العسكرية وقبلها قتل شخص على باب قاضي التحقيق .. إلى آخر المسلسل وربما حصلت حوادث قتل جديدة . ومن أسباب تكرار الحوادث هذه بطء إجراءات التقاضي فما من أحد يعرف مصير هؤلاء القتلة . لو كان بيدي ناصية الأمر لتفرغت لهذه القضية حتى أنهي التحقيق بها خلال أيام لأنها تمس هيبة الدولة والمجتمع معاً .. . وأحلته إلى محكمة الجنايات خلال أسبوع ولو كان بيدي أمر هذه المحكمة لكنت عقدت جلسات متلاحقة يومية مع حفظ حق الدفاع وفي قاعة تسمح لأكبر عدد من الجمهور بالحضور حتى أفرغ من النظر فيها دون غيرها من الدعاوى وأصدر العقاب العادل على ضوء القوانين المرعية ليتعلم كل من سمع بالحادث واستهجنه أو استحسنه بالعقوبة التي استحقها الفاعل .. بدلاً أن تطويها الأيام وينسى الناس ما جرى ويبقى السجناء معرضين للقتل . إن العقاب العادل السريع أكثر فعالية في المجتمع وصداه يزيد الرهبة في قلوب الذين تسول لهم نفوسهم الاعتداء على أرواح الناس وأحفظ لهيبة الدولة وسلطانها . العروبة ـ 4767 ـ بتاريخ 1 / 6 / 1980 | |