| | أو المسيحية واليهودية على مفترق الطرق
سؤال ملح يطرح نفسه عليَّ لماذا نعالج نحن العرب قضايانا من نهايتها ...؟ لماذا ننظر إلى النتائج مجردة عن الأسباب والعوامل التي أوصلتنا إلى هذه النتائج ؟ لماذا لا نبحث عن نقطة الانطلاق التي بدأ منها خصمنا ؟ والعوامل التي أوصلته إلى هذه النتيجة .
كلنا نعلم أن الصهيونية العالمية وابنتها إسرائيل لم تصل إلى هذه النتائج لولا الدعم الغربي الأوروبي والأمريكي . وفي رأيي أن الحكومات الغربية ما كان لها القدرة على هذا الدعم لولا مساندة الرأي العام لها . و هذه المساندة من الرأي العام إنما تستند لعدة عوامل منها عقدة الذنب من الجرائم التي ارتكبها أسلافهم بحق اليهود ودافع الكراهية للتخلص من هذه الفئة من المواطنين لانغلاقهم وطبائعهم وأخلاقياتهم . ولعل أهم من هذا وذاك تأثر الرأي العام المسيحي بعواطف دينية مهدت لها الصهيونية واليهودية من قبل . فأوغروا في صدورهم أن لا مسيحية بدون يهودية وأن المسيحية امتداد للدين اليهودي . مع أنهم ( أي اليهود ) يعتقدون أن المسيحية انحراف عن اليهودية وهرطقة هم منها براء . فالسيد المسيح في رأيهم دجال وشريك للشياطين..الخ . وعلى الرغم من هذا فقد استطاعت اليهودية اقتناص الرأي العام المسيحي الغربي وتضليله . فالتوراة هي العهد القديم الذي هو جزء من الكتاب المقدس عند المسيحيين . وفي العهد القديم وعود لليهود بملكية أرض كنعان : ( كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان من النهر نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخومكم . لا يقف إنسان في وجهكم ، الرب إلهكم يجعل خشيتكم ورعبكم على كل الأرض التي تدوسونها كما كلمكم) (تثنية 11/ 24) وسمع المغفلون هذا القول فآمنوا أن إرادة الله هي التي تتحكم بعودة هذا الشعب إلى فلسطين ومن يقدر مقاومة إرادة الله ؟ ولماذا لا يناصرون الله فيعملون على عودتهم . ولو تبصّروا قليلاً وتابعوا قول الرب في ذات الإصحاح : ( انظر أنا واضع أمامكم بركة ولعنة . البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أوصيكم بها اليوم . واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها ) ( تثنية 11 / 26). * * * هنا وقبل أن أتابع البحث الذي أنا في صدده لا بد لي من التنويه إلى أنني مسيحي مؤمن ومن إيماني سأنطلق لمناقشة الالتباس الذي غشى على أعين الأغلبية العظمى من الرأي العام الغربي المسيحي وأعتقد جازماً أن كافة المسيحيين في الشرق على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم يؤمنون بعدالة قضيتهم وحقهم في الوجود وأنهم خارج التضليل اليهودي ويكفيهم شهادة الموقف المشرف الصلب الذي وقفه رجال الأكليروس الكاثوليك الشرقيون في المجمع المسكوني المنعقد في الستينات من هذا القرن في الفاتيكان . ولن ننسى كفاح المطران كبوجي ابن حلب البار . كما وأني لا أهدف التهجم على طائفة من الطوائف المسيحية أو مذهب من مذاهبها كما لا أبتغي النقد أو التقريظ لواحد منها . وفي يقيني أن أي انحراف يصدر عن رجل من رجال الدين إنما يعبر عن رأي صاحبه الشخصي ولا علاقة للطائفة التي ينتمي إليها بهذا الانحراف أو الرأي . والرأي المنحرف الذي يصدر عن صاحبه إما يصدر لغرض في نفسه أو لجهل في مفهومه . ولعل قمة الانحراف تبدو لنا واضحة عندما نعلم أن خمسة آلاف رجل دين أمريكي وقعوا عريضةً عام 1945 تقدموا بها إلى الحكومة الأمريكية والكونغرس يطلبون فيها فتح أبواب فلسطين لهجرة يهودية حرة . ( عبد الله التل ) وكذلك الوثيقة التي نشرتها اللجنة الأسقفية الفرنسية حول العلاقات مع الديانة اليهودية وأذيعت بتاريخ 16/4/ 1973 بعنوان ( توجيهات رعوية بشأن موقف المسيحيين إزاء اليهود). جاء فيها ( يصعب الآن أكثر من أي وقت مضى أن يصدر حكم لاهوتي هادئ عادل عن حركة عودة الشعب اليهودي ولا يسعنا إزاء هذه الحركة أن ننسى بصفتنا مسيحيين أن الله أعطى شعب إسرائيل الأرض التي يدعي إلى التجمع فيها ) ( جان لاندوزي ) . أما الأسقف ولش في كتابه أعداء التوراة المعرب من قبل أسعد الشدودي والمطبوع في بيروت 1890 بنفقة جمعية الكراريس البريطانية في المطبعة الأمريكية. فقدبلغ به الحقدوالتضليل والدس درجة يستحق عليه كل إحتقار فهو يقول في الصفحة /76/في وصف إسماعيل وأبنائه ـ يقصد العرب ما يلي ((وقل لها (لهاجر) ملاك الرب ها أنت حبلى تلدين ابناً وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع مذلتك وأنه يكون إنساناً وحشياً يده على كل واحد ويد كل واحد عليه وأمام جميع أخواته يسكن )) ( تكوين 16/11و12) وبعد ذكر هذا النص من التوراة يعلق الأسقف المذكور حرفياً : (فكم من الأصداء لهذه النبوة القديمة لا تزال يتردد صوتها في العالم فإن عوائد البدو الغليظة فيما يتعلق بحروبهم وغزواتهم ونهبهم غنية عن إطالة الشرح وقد استمروا على الاستغلال الوحشي والميل إلى الحرب في كل الأجيال عائشين بالغزو والنهب مترحلين من مكان إلى آخر بحسب هواهم وشنشنتهم الموروثة عن آبائهم ) . لقد اعتبر ذلك الأسقف أن عوائد البدو في حروبهم وغزواتهم نتيجة النبوة الواردة في سفر التكوين الآنفة الذكر . وكأنه لم يسمع بحرب الإبادة التي شنها بنو إسرائيل على الفلسطينيين بعد خروجهم من مصر من أجل الاستئثار بأرض كنعان . ولم يسمع بحرب الإبادة التي شنها الأوربيون على الهنود الحمر في أمريكا ... . الخ . ولعلكم تذكرون ما تلاه بيغن على مسامع كارتر من آيات توراتية يدعم بها وجهة نظر حكومته . وهذا لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا يقول : ( لقد تربيت في مدرسة تعلمت فيها عن اليهود أكثر بكثير مما تعلمته من تاريخ بلادي وفي وسعي أن أخبركم بجميع ملوك إسرائيل ولكن أشك في مقدرتي على أن أسمي لكم ستة من ملوك إنكلترا لقد تشبعنا بتاريخ الجنس العبري ) . ويقول الأب فورست : ( أعتقد أنني في عدائي للعرب كنت صورة عن الغربيين قارئي الصحف والمجلات الذين يؤمنون بالكنيسة وتعاليمها عن حسن نية . فكان لديَّ نزعاتي الموالية لإسرائيل والمناهضة للعرب فاليهود كانوا برأيي شعب الله المختار والقدس مدينتهم المقدسة وفلسطين أرضهم وبدا لي واضحاً أن اليهود بعد قرون من النفي والتشرد استطاعوا العودة إلى أرض آبائهم . ولقد ورثت هذه الأفكار من تربيتي في البيت والكنيسة ومدرسة يوم الأحد ) .. . الخ ( جرجي كنعان ) . هذه الدسائس و هذه الأفكار المغايرة لحقيقة الديانة المسيحية كان لها تأثير فعال في تعبئة الرأي العام الغربي لمساندة الصهيونية . لذا فإني أرى لزاماً علينا التصدي لها ولا سيما وأن نتائجها تعرض وجودنا للفناء . فضلاً عن أن المرتكز الأساسي لإقناع ذلك الرأي العام بعدالة القضية الصهيونية يقوم على مرتكزات دينية مشوهة مبنية على الأضاليل والزيغ عن الحقيقة والدين . ولا أنكر أن هناك من سبقني بالتصدي لهذا الموضوع فالدكتور جرجي كنعان ألَّف ثلاثة كتب وكذلك الأستاذ ندرة اليازجي ولن أغفل حق الأستاذ محمد وحيد خياطة ولكني أرى أنهم جميعاً لن يتمكنوا من زحزحة المفاهيم الراسخة في أذهان المضللين وإن أصابوا في بحثهم العلمي . فإن سرْنا على خطاهم نكون قد حققنا بحثاً علمياً تاريخياً وأقحمنا أنفسنا في إشكال عقائدي . ونحن أصحاب قضية وقضيتنا مصيرية والذي يهمنا اجتذاب الرأي العام العالمي المسيحي إلى جانبنا، وعامة الناس في رأيي، لا يقبلون المنطق بالقدر الذي يتقبلون الإيمان في الأمور الدينية دون مناقشة . فإذا شككناهم في تاريخية التوراة عزفوا عن الإصغاء إلينا . والإشكال العقائدي الذي يجب الابتعاد عن الوقوع فيه أن المسيحيين كافة يعتقدون أن مجيء المسيح لم يكن مجرد صدفة وإنما جاء نتيجة نبوءات وردت في أسفار التكوين والعدد وأشعيا وصموئيل وميخا ودانيال والمزامير.. . الخ . فإذا نحن أنكرنا التوراة اعتبروا ذلك إنكاراً للنبوءات التي بشرت بمجيء المسيح وبالتالي إنكاراً للمسيح ذاته وأعتقد أنكم توافقونني على أن المسيحيين لا يمكن أن يقبلوا ذلك مطلقاً . ولذلك وجب علينا معالجة الموضوع من منطلق الإيمان بالكتاب المقدس الذي أقرته الكنيسة المسيحية وتعتبره دستور إيمانها وعقيدتها وإن هذا المنطلق الإيماني سيوصل صوتنا إلى مسامعهم ويحقق لنا الهدف الذي نرجوه . * * * فالكتاب المقدس يتألف من قسمين ( العهد القديم » التوراة « والعهد الجديد » الإنجيل « ) . وقد أقرتهما الكنيسة . والعهد القديم تمهيد للعهد الجديد وهما مجموعة الكتب والأسفار الموحاة من الله اشترك في كتابته كتابٌ وهم من جميع طبقات البشر بينهم الراعي والصياد والجابي والعسكري والنبي والحائك والسياسي والملك .. الخ واستغرقت مدة كتابتهم ألفاً وست مائة سنة وكان جميع هؤلاء الكتَّاب من اليهود ما عدا لوقا كاتب الإنجيل الذي يسمى باسمه ، وسفر أعمال الرسل . إذ يظن أنه أمي طبيب من أنطاكية . (كان الكاتب إما أن يكتب بنفسه وإما يمليه على كاتب يكتبه له . إلاَّ أنه لم يصل إلينا شيء من النسخ الأصلية التي كتبها هؤلاء الملهمون أو كتَّابهم وكل ما وصل إلينا هو نسخ مأخوذة عن الأصل). (والنظرة المسيحية في الوحي تعتمد على أن الله ألهم كتبة الكتاب المقدس فتناولوا القلم وكتبوا. اللغة هي لغة الكاتب والموضوع الديني هو ما يقوم الله بإلهامه. وبتعبير آخر لا ينسب المسيحيون نص الكتابة إلى الله فلا يؤمنون بإنزال كتبهم نصاً ومعنى بل هم يؤمنون بإلهام الله للكتّاب. فالكتابة هي كتابة إنسان) (اسبيرو جبور). وفي اعتقادي أن كل واحد كتب حسب ما فهم ووعى، كل منهم حسب ثقافته ولعلّ أقرب مثال على ما أقول هو أن القديس بطرس وهو من تلاميذ المسيح كان يُخاطب اليهود بأنهم صلبوا المسيح بجهالة معتقداً أنهم فعلوا ما فعلوه لجهلهم أنه المسيح المنتظر، ويدعوهم إلى الوعي والإدراك والتوبة لحماية خطاياهم. أما استيفانوس وهو الأكثر ثقافة وإدراكاً فقد أصرّ على أن اليهود عندما صلبوا المسيح كانوا على علم ويقين بشخصيته وإنما نفّذوا مخططاً اتبعوه مع كل الأنبياء الذين أقامهم الله خلال تاريخهم. وهكذا نرى أن موضوع الإنزال الحرفي غير وارد في الكتاب المقدّس عند المسيحيين. يعتقد اليهود (والمسيحيون المضللون) أن اليهود هم شعب الله المميز عن غيره من الشعوب، وهذا الاعتقاد يدخل في صلب الديانة اليهودية نتيجة فهمهم الخاطئ لنصوص التوراة. فلم ينسوا لحظة واحدة هذا الزعم وفسّروا عقيدتهم على أن الله اختارهم ليعطوا شرفاً وامتيازاً بين الشعوب. وكان وما زال مفهومهم ليس مجرد أن الله اختصّهم بل أكثر من ذلك فإنهم يعتقدون أنهم امتلكوا الله ليكون خاصاً بهم وحدهم. كما اعتقدوا أن الله خلف الأمم ليكونوا وقوداً لنار جهنّم وأن أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها الأمم أن يكونوا خدماً لهم. لا لشيء سوى أنهم أبناء إبراهيم بالنسب. ولو رجعنا إلى نصوص التوراة ذاتها لوجدنا أن العلاقة الوثيقة بين الله وإبراهيم إنما تكوّنت بسبب إيمان إبراهيم بالله ليس إلاّ. يقول العهد القديم ـ التوراة ـ: (وقال الله لإبراهيم وأما أنت فتحفظ عهد: أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك) (تكوين 17/9-10). ومن هذا نخلص إلى أن هناك التزاماً بين طرفين الله وإبراهيم فإن حفظ إبراهيم العهد رعاه الله و إلاَّ فالالتزام مفسوخ بينهما . وهذا الالتزام يتكرر دائماً في كل أسفار التوراة . فيقول الرب لإسحق ( من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي ) ( تكوين 26 / 5 ) لهذا كان إبراهيم ابناً باراً للرب ولهذا يكون البشر أبراراً فإن خرجوا عن تعاليم الله أخرجهم الله من حظيرته وصبَّ عليهم جام غضبه فالله يقول لموسى (من أخطأ إليَّ أمحوه من كتابي) (خروج 32/ 32 ). ولو تابعنا نصوص التوراة وجدنا أن العلاقة بين الله واليهود لا تقوم على عامود النسب وإنما دعامتها على الإيمان . فالله يقول لموسى أيضاً (فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب). (خروج 19/ 5) وينقل موسى الأمانة التي أودعه إياها الله إلى شعب إسرائيل (فجاء موسى ودعا شيوخ الشعب ووضع قدامهم كل هذه الكلمات التي أوصاها الرب فجاء جميع الشعب معاً فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل . فرد موسى كلام الشعب إلى الرب) (خروج 19/ 7 ـ 8) . ألا ترون معي سمات العقد الإيجاب والقبول، بادية بشكل واضح. ولو تابعنا نصوص التوراة لوجدنا هذا الارتباط أو التعاقد في كل زاوية من زواياها. وكم من مرة يعصي بنو إسرائيل الله فيغضب الرب عليهم ويقيل العقد ويشبعهم ضرباً وكم تكررت عبارة (حميَ غضب الرب عليهم). إلى أن أقيل العقد بينهم وبين الرب نهائياً بمجيء المسيح ، وكفرهم به . وتبدأ معنا حالة جديدة وعهد جديد . * * * مقدمات العهد الجديد : تنبأ أشعيا وهو من أنبياء اليهود بمولد السيد المسيح قبل سبعة قرون من مولده فيقول في سفره ( ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل ) (6/ 14). ويقول الرب (لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابناً وتكون الرياسة على كتفيه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام لنمو رياسته وللسلام لا نهاية) (أشعيا9/6). ويقول (ويخرج قضيب من فرع يبسى وينبت غصن من أصله ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة روح المعرفة ومخافة الرب، ولذته تكون في مخافة الرب... يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه... فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمَّن معاً وصبي صغير يسوقها) (أشعيا 11/1 ـ 8) ( فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل ولا ترفع أمةٌ سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد). ( أشعيا 2 / 4 ) . أليست هذه هي صفات المسيح ، لقد آمن به كثيرون مذ كان على الأرض ورفضه آخرون وما زالوا يرفضونه . الذين رفضوه هم اليهود لأنهم أرادوا أن يكون ملكاً أرضياً يخلصهم من العبودية وينقذهم من الحكم الروماني ونحن المسيحيين نؤمن بأن رفض السيد المسيح خروج عن إرادة الله . ونقض للعهد معه وبالتالي يبتعدون عن حظيرة الله ويصبح المؤمنون به شعب الله المختار وإن كانوا بالأصل لا ينتسبون إلى سلالة إبراهيم بالجسد . ولقد أوضحت فيما سبق أن العلاقة بين الله وبني إسرائيل حسب التوراة كان مرتكزها الإيمان وليس النسب . ونرى هذا الرأي يتوضح لنا بجلاء في الإنجيل : فهذا يوحنا المعمدان (يحيى) يقول مبشراً بالمسيح مخاطباً اليهود موضحاً لهم ادعاءاتهم ببنوة إبراهيم لن تجدي فتيلاً ولن يكون لهم إبراهيم شفيعاً إن لم يتوبوا ويرجعوا عن صلفهم وغيِّهم فيصفهم بأبناء الأفاعي ذلك لأن الأفعى أخبث أنواع الحيات والحية لعنها الرب حسب نصوص التوراة (فقال الرب للحية لأنك فعلت هذا ملعونةٌ أنت من جميع البهائم) (تكوين3/14). لذلك فإن المعمدان ومن بعده السيد المسيح عندما يصفانهم بأبناء الأفاعي فإنهما يلصقان بهم لعنة الله لأنهم يتّصفون بالحيلة والخبث على الرغم من أنهما يعلمان أن هؤلاء من سلالة إبراهيم . لنتابع مقولة يوحنا المعمدان حسب ما جاء بإنجيل متى : (يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي . فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة ولا تفكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أباً لأني أقول لكم إن الله قادرٌ أن يقيم من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم) (متى3/7 ـ 8). ألا ترون معي أن يوحنا المعمدان رد على ادّعاءاتهم ببنوة إبراهيم وبطلان جدواها. وأن الله قادر أن يضمّ إلى حظيرته كل الشعوب التي تؤمن به. ثمَّ ينتقل يوحنا المعمدان في السفر ذاته مبشراً بأن المسيح سيأتي ومجيئه قريب وعنده القول الفصل، وقد شبهه بالفأس وشبه اليهود بالشجرة وأنذرهم بأن عملية الاصطفاء ستبدأ وبعنف دون محاباة أو شفاعة. فيقول (والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار) (متى3/10) يقصد المسيح (رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن وأما التبن فيحرقه بنارٍ لا تطفأ) ( متى 3 / 12 ) . ولا أجدني بحاجةٍ إلى تعقيب . * * * المسيح وعرقية اليهود : آن لنا أن نستقرئ رأي السيد المسيح بمزاعم اليهود حول ادعائهم بعرقيتهم . يقول السيد المسيح في خطبته على الجبل : طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات . طوبى للمحزونين لأنهم يعزَّون . طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض . طوبى للرحماء لأنهم يرحمون . طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون . طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله . طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون . طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات . ( متى 5 / 3 ـ 11 ) . فالودعاء هم الذين يرثون الأرض والرحماء هم الذين يرحمون ، وصانعو السلام هم أبناء الله في نظر يسوع . لم يقل طوبى لبني إسرائيل ولا لأبناء إبراهيم ، حتى أنه لم يقل طوبى لإبراهيم واسحق ويعقوب إلى آخر السلسلة من أنبياء اليهود ، وإن كان هنالك طوبى لأولئك الأنبياء إنما نتيجة إيمانهم ووداعتهم وليس لانحدارهم من سلالة معينة ، فالمسيح يقلب بهذه التطويبات ظهر المجن لكل معتقدات اليهود وتفكيرهم العقيم . فالوداعة والرحمة ونقاء القلب ونشر السلام فوق كل اعتبار في نظره ، والذي يتصف بهذه الصفات أياً كان منبته هو الذي يرث الإرث وهو ابن الله وهو الشعب المختار وليس أولئك الذين انحدروا من صلب إبراهيم وتخلوا عن هذه السجايا . ونرى السيد المسيح يتفق مع يوحنا المعمدان حيث يقول في ( متى 8 / 11 ) (وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم ويعقوب في ملكوت السموات . وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية ) . ها هو السيد المسيح يفسر لنا القرابة بأجلى معانيها إذ يسأل : من هو قريبي فيضرب لهم مثلاً ويخلص بالنتيجة إلى أن قريبك من يصنع معك الرحمة ( لوقا 10/37) ويقولون له في يوم من الأيام (هو ذا أمك وأخوتك خارجاً يطلبونك فيجيبهم قائلاً من أمي واخوتي ثمَّ نظر حوله إلى الجالسين وقال : ها أمي واخوتي لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي ) ( مرقص 3 / 31 ـ 35 ) . ولا أظن أن عاقلاً واحداً يشك في أن قول السيد المسيح كان عاقاً بأمه وإنما قصد من قوله هذا التوضيح أن الصلات الدموية ليس لها اعتبار وإنما الصلة الروحية وإطاعة الله هي الأساس في القرابة وهي تأكيد لما أسلفنا من إلغاء لكل معتقدات اليهود من تفضيل بسبب قرابتهم البشرية من إبراهيم (1) . فاليهود يعتقدون بأنهم حملة لواء معرفة الله قبل غيرهم من الأمم وهذه الأولوية تجعلهم مفضلين عند الله حتى ولو آمنت بقية الشعوب واهتدت وهذا التفكير بقيَ مسيطراً على اليهود الذين اعتنقوا المسيحية ولكن السيد المسيح رفض هذا التفكير رفضاً باتاً فضرب لهم مثلاً فشبه ملكوت الله برب عمل والبشر بالعمال قائلاً : (فإن ملكوت السموات والأرض يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فَعَلَة لكرمه. فاتفق مع الفَعَلَة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثمَّ خرج نحو الساعة الثالثة ورأى آخرين قياماً في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم فمضوا، وخرج أيضاً نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك نحو الساعة الحادية عشر وخرج ووجد آخرين قياماً بطالين. فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين فقالوا لأنه لم يستأجرنا أحد . قال لهم اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم ، فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله ادع الفعَلة وأعطهم الأجرة من الآخرين إلى الأولين. فجاء أصحاب الحادية عشرة وأخذوا ديناراً ديناراً . فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر فأعطاهم أيضاً ديناراً ديناراً وفيما هم يأخذون تذمّروا على رب البيت قائلين : هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر ، فأجاب لواحد منهم يا صاحب ما ظلمتك أما اتفقت معك على دينار فخذ الذي لك واذهب فإني أريد أن أعطي الآخر مثلك، أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي ، أم أن عينك شريرة لأني أنا صالح . هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين ) ( متى 20 / 1 / 16 ). وهكذا أوصد السيد المسيح جميع الأبواب في وجه ادّعاءات اليهود فلماذا يفتحها المسيحيون في الغرب من جديد. والمسيح القائل (لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع عنكم ويعطي لأمةٍ تعمل ثمارها) ( متى 21 / 41 ). قبل نهاية حديثي عن عرقية اليهود ورأي السيد المسيح فيها لا بد لي من أن أذكر علماً من أعلام المسيحية خاض ذات المعركة التي نخوضها اليوم وكم أتمنى لو يسمح لي الوقت لأعرفكم على تلك الشخصية الفذة التي كافحت زهاء ثلاثين عاماً كفاحاً مريراً من أجل تخليص المسيحية من أدران التهود . ذلك هو بولص الرسول الذي كرَّس رسالة معلمه فترك لنا أعظم تراث فكري تتبناه المسيحية ونفتخر به ، فيقول في رسالته إلى أهل رومية ( ليس جميع الذين هم من إسرائيل هم إسرائيليون ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعاً أولاد) (ليس أولاد الجسد هم أولاد الله بل أولاد الموعد يحسبون نسلاً) ( رومية 9 / 6 ) . فما دام اليهود قد رفضوا المسيح وصلبوه فهؤلاء خرجوا من الوعد أما الذين قبلوه فهم وحدهم أبناء الله. (والمقصود هنا بإسرائيليين أبناء الله). ثمَّ يقول: (لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع لأن كلّكم اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي و يوناني، ليس عبد وحر، ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع فإن كنتم للمسيح فأنتم إذاً نسل إبراهيم وحسب الوعد ورثة) (غلاطية 3 / 26 ـ 29 ). وهكذا كان بولص واضحاً دون التواء لقد قضى على امتيازات إسرائيل لقد حلَّ الإيمان بالمسيح محل الشعب المختار فقد جاء يسوع ليهدم الجدار القائم بين اليهود والأمم. * * * ربَّ معترض يقول والمعترضون كثر على ما أعتقد ـ ولكن السيد المسيح قال: (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل) (متى5/17). اعتقاداً منهم أن إلغاء الوعد عن بني إسرائيل إلى الأمم نقض للناموس . هنا لا بد لنا من التوضيح أن كلمة الناموس تعني شريعة أو قانون، وليس كل ما ورد في التوراة من تاريخ وقصص وشعر .. . الخ . والناموس في رأي السيد المسيح الحقوق الطبيعية وقواعد العدالة. والوعد في نظر المسيحية ملكوت السماوات وليس الأرض. وأبناء الله خائفوه وحافظو وصاياه. ولنعد إلى الآية: (ما جئت لأنقض بل لأتمم.. . الخ) هذه الآية لم ترد إلاَّ في إنجيل متى ذلك لأن متى كتب لليهود ولم يكتب للأمم فأراد أن يطمئنهم على تراثهم (الناموس) ولكنه أوضح لهم ما هي حقيقة الناموس، وتعتبر الوصايا العشر هي الناموس اليهودي تلك التي أنزلت على موسى ألواحاً مكتوبة ، ولكن كيف فهم موسى واليهود هذه الوصايا حسب ما جاء في التوراة . لقد جاء في الوصايا أو الناموس ، وصية مفادها ( لا تقتل ) فماذا فهم اليهود من هذه العبارة ؟ فهموها نهياً عن قتل ابن ملَّتهم ، لا تقتل العبراني أما الآخرون فاقتلهم ودمهم مباح (حتى أن موسى كما صوَّره كتاب العهد القديم فهم النهي بهذا الشكل وقد بدأ كفاحه بالقتل فقد خرج من قصر فرعون وهو ربيب فرعون كما تعلمون فشاهد مصرياً وعبرياً يتشاجران فقتل المصري تحزباً للعبراني قريبه)، ولو استعرضنا المرحلة التي مرت باليهود منذ خروجهم من مصر بقيادة موسى ويشوع بن نون حتى بيغن لا نجد إلاَّ المجازر والقتل والإبادة من عاي إلى شكيم إلى مخيمات صبرة وشاتيلا ولا تظنوا أن حوادث مخيمات صبرة وشاتيلا جديدة في تاريخ اليهود هكذا نقضوا العهد قبل آلاف السنين مع سكان شكيم وقتلوهم عن بكرة أبيهم . أما يسوع فقد قال: (سمعتم أنه قد قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم.. . لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم) (متى 5/43). ألا ترون معي أن السيد المسيح قد تقيد بالناموس وأن موسى التوراة خالفه طيلة حياته. وقول الوصايا التي نزلت على موسى لا تسرق ، وموسى التوراة كما فهمها اليهود لا تسرق اليهودي ولكن اسرق مال الآخرين. فعندما أراد موسى الخروج من مصر ببني إسرائيل خلسة قال لهم (واطلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين) (خروج 12/34). وهذه العبارة تتكرر في ثنايا التوراة مراراً فتقول التوراة: (فيكون فيما تمضون أنكم لا تمضون فارغين بل تطلب كل امرأة من جاراتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين) (خروج 3/22). ألا يعني هذا أن موسى ورهطه حرَّموا السرقة كما حرَّموا القتل بين شعبهم وأباحوه لأنفسهم في الاعتداء على الأمم الأخرى ، ترى هذا هو الناموس، أم أن الناموس هو ما قاله يسوع (لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون بل اكنزوا كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس .. . الخ) . ( متى 6 / 24 ) وقوله (لا تقدروا أن تخدموا الله والمال) (متى 6/24). ومن جملة الناموس (احفظ يوم السبت). يعتبر خرقاً لقدسيته ونوعاً من أنواع الكفر والإلحاد، فجاء يسوع ينادي أن الضرورات تبيح المحظورات وأن السبت خلق من أجل الإنسان وليس الإنسان خلق من أجل السبت ، وبهذا يكون أول من أعطى المفهوم الحقيقي ليوم الراحة الأسبوعية التي شرعت في كافة قوانين العالم فحققت للعامل إنسانيته . وبعد هذه الشواهد ألا يحق لنا أن نتساءل من الذي نقض الناموس المسيح أم موسى التوراة واليهود . التوراة تدخلت في مآكل اليهود فحظرت الكثير منها وجعلتها نجاسة ، ولكن يسوع ألغى كل هذه النجاسات بعبارة واحدة حيث قال ( ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم هذا الذي ينجس الإنسان ) ( متى 15 / 11 ) . * * * أنا لا أستغرب أبداً أن يفهم اليهود قبل ثلاثة آلاف سنة أن الله ملك لهم يساعدهم على الحروب ويتجسس على الأعداء ويرسم لهم الخطط الحربية ذلك لأن شعوب منطقة الشرق الأوسط كانت تعتمد على آلهتها في تلك الملمات فاعتقدوا أن الله إله قبيلة كغيره من آلهة القبائل ومن أراد التعمق في هذا البحث فعليه مراجعة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ، الجزء السادس . ولكن من الغرابة في مكان أن يستمر هذا الشعب على هذا الاعتقاد بعد مجيء السيد المسيح الذي أعطى الله صفاته الحقيقية من شمولية ورحمة وعطف وحنان، وكان دائماً يصفه بالآب الذي في السماوات. (لأن الآب نفسه يحبكم) (يوحنا 16/27) و(كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم ) . لم يسبغ المسيح على نفسه صفة البنوة فقط وإنما أعطى هذه الصفة لكل المؤمنين بل للبشرية جمعاء أياً كانت سلالتهم أو نسبهم وكم من مرة خاطب الجماهير قائلاً (أبوكم الذي في السماوات) فهذا هو يسأل أن يعلمهم كيف يصلون له: (متى صليتم فقولوا أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك) (لوقا 11/2). كما قال لهم (وفي ما تصلون لا تكرروا الكلام باطلاً كالأمم، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يستجاب لهم فلا تتشبهون بهم لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه) (متى6/7) . هنا يعود السؤال مجدداً هل خرج يسوع عن الناموس عندما نعت نفسه والمؤمنين بأبناء الله ـ لنعد إلى التوراة إلى أقدم أسفارنا سفر التكوين يقول كاتب التكوين : (وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الله أنهنَّ حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ، فقال الرب لا تحل روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة. وكان في الأرض طغاة في تلك الأيام وبعد ذلك دخل بنو الله على بنات الناس وولدنَ لهم أولاد) ( تكوين 6/1ـ5) فكان الطوفان ..الخ. والذي سيوقفني هنا عبارة: (أبناء الله وبنات الناس)، ونحن نعلم أيضاً من سفر التكوين نفسه أن الله خلق آدم واحد وحواء واحدة وهما اللذان تناسلا وتكاثرا فإن كان المقصود بأبناء الله السلالة فالجميع الأبناء والبنات هم أولاد الله لأنهم جميعاً من سلالة آدم . أما القول بأن هناك آدم آخر أو سلالة أخرى فهذا القول تنفيه التوراة نفياً قاطعاً . إذاً من أين جاء بنات الناس ، أنا لا أستطيع تفسيراً سوى أن أبناء الله هم الأبرار وأبناء الناس هم الأشرار فبالنسبة إلى الله في التوراة ليست بالجسد وإنما بالإيمان وقد رمز الكاتب الأبرار بأبناء الله ورمز للأشرار ببنات الناس، أليس هذا ما قاله يسوع . لقد صار في يسوع المسيح (كل مؤمن في العهد الجديد ممتازاً يحظى بنعمه لم يفز بها إبراهيم وموسى) كما قال أسبيرو جبور. ذلك لأن يوحنا الحبيب في إنجيله الأول 12/13 (وأما الذين قبلوه ـ قبلوا يسوع فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من رجل بل من الله). * * * ويجدر بنا نحن العرب أن نعلن للعالم ما يجهلونه لأسباب متعددة منها الدعاية اليهودية المغرضة المترافقة مع ضعف وسائل إعلامنا في الخارج أن العرب كافة المسيحيين والمسلمين يؤمنون برسالة المسيح فالمسلمون يؤمنون أن المسيح ولد من مريم العذراء . ( قالت ربي أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون). (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين). ويؤمون بالروح القدس: (وأتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس). ويؤمون بأعاجيبه وسيرته وصعوده إلى السماء (بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً) . أما واقعة الصلب فالمسلمون يقرونها ولكن يربأون بالسيد المسيح أن يتمكن منه اليهود فيصلبوه، وإنما يجلونه عن ذلك. واختلاف وجهات النظر حول طبيعة السيد المسيح هو إشكال قائم بين الطوائف المسيحية ذاتها. وبذلك يكون العرب كافة شعب الله المختار حسب النظرية المسيحية. أما اليهود فإن نظرتهم للمسيح مختلفة فهم يصفونه بأنه بعل زبول رئيس الشياطين وقالوا أنه يشفي المرضى بقوة الشيطان. (متى12/30) فيرد عليهم بقوله كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. قالوا عنه ابن يوسف النجار وقال بعضهم أنه ابن جندي روماني وبذلك تجديف على الروح القدس. وقد جاء بإنجيل (متى 12/24) قال الفريسيون: إنما هذا ـ المسيح ـ يطرد الشياطين ببعل زبول سيد الشياطين. (فإذا كان رب البيت قد قيل له بعل زبول فأي شيء لا يقال في أهل بيته) . ورداً على اتهاماتهم جاء في (متى 12/30) (من لم يكن معي كان عليَّ، كل خطيئة وكفر يغتفر للناس وأما الكفر بالروح فلن يغفر ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له أما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة) . ولا يغفل القرآن الكريم تكفير اليهود لاتهامهم مريم فيقول ( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ) . لقد حاول السيد المسيح جاهداً إصلاح بني إسرائيل دون جدوى فقال لتلاميذه (اذهبوا نحو الخراف الضالة من بني إسرائيل) (متى10/5) . ثمَّ قال لهم (متى 10/12) (إذا دخلتم البيت فسلموا عليه فإن كان آهلاً فليحل سلامكم فيه وإن لم يكن فليعد سلامكم إليكم إذا لم تقبلوا ولم يسمع كلامكم فاخرجوا من ذاك البيت أو تلك المدينة نافضين الغبار عن أقدامكم الحق أقول لكم أن أرض سدوم وعمورة سيكون مصيرها يوم الدين أخف وطأة من مصير تلك المدينة) . ويروي لنا متى في الإصحاح (8/34) قائلاً ولما أبصروه (المسيح) طلبوا أن ينصرف عن تخومهم إلى أن قال لهم (أيها الجيل الكافر الفاسد حتَّام أبقى معكم وإلام أحتملكم) . ثمَّ يوجه أبصاره نحو العالم أجمع معلناً على بني إسرائيل الويل والثبور (الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون والمراؤون تقفلون ملكوت السماوات في وجه الناس فلا أنتم تدخلون ولا تدعون الداخلين يدخلون) (متى23/113). (الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون تجوبون البحر لتكسبوا دخيلاً واحداً فإذا هودتموه جعلتموه يستحق جهنم ضعف ما أنتم تستحقون) (متى23/15). إلى أن يقول لهم: (أيها الحيات أولاد الأفاعي أنَّى لكم أن تهربوا من عقاب جهنم ها أنذا أرسل إليكم من أجل ذلك أنبياء وحكماء وكتبة ففريقاً تقتلون وتصلبون وفريقاً في مجامعكم تجلدون ومن مدينة إلى قرية تطاردون حتى يقع عليكم كل دمٍ زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى زكريا بن بركا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح) . ثمَّ ينذر اليهود قائلاً :) أورشليم أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أبناءك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، إن بيتكم سيترك لكم خراباً، أقول لكم لن تروني بعد اليوم حتى تقولوا (تبارك الآتي باسم الرب) ( (متى23/37). ويقول الدكتور وليم ادي في شرحه لهذه الآية أن المسيح خصَّ أورشليم بهذا الإنذار لأنها المدينة المقدسة عند اليهود ومركز سياستهم ودينهم ولأنها زادت على غيرها من المدن شراً كما زادت عليها عظمة ولما رثى يسوع أورشليم وأنذر ساكنيها حينذاك وكل من سكنها في العصور الماضية ومن يسكنها في السنين المقبلة . من اليهود إلى أن يؤمنوا بالمسيح وإلى أن يقولوا (تبارك الآتي باسم الرب) . فإن فعلوا ذلك أصبحوا كبقية الشعوب على قدم المساواة وتزول بذلك من أذهانهم أسطورة أرض الميعاد والشعب المختار. ويقضي على الحق الإلهي المزعوم بأرض كنعان . ولا بد لنا كي نكون بالصورة الحقيقية لرفض اليهود للسيد المسيح من عجالة لتاريخهم فقد أسسوا في أرض غربتهم في فلسطين دولة دامت فترة وجيزة من الزمن ثمَّ انقسمت إلى قسمين دولة في الشمال في الجليل وثانية في الجنوب في اليهودية . وغزا الآشوريون مملكة الشمال عام /720/ ق.م ونقلوهم سبايا إلى ميديا وأتوا بخليط من الآشوريين والبابليين ليحلوا محلها . على أنه من المستحيل نقل أمة بأكملها وهكذا اختلط اليهود بالغزاة المستوطنين عن طريق الزواج والمصاهرة والأمر الذي يعتبر جريمة لا تغتفر عند اليهود وحتى أيامنا الحاضرة لو تجاسر يهودي أو يهودية واقترن بواحدة أو واحد من أبناء الأمم فإنه يعتبر ميتاً في نظر أهله وعشيرته وتقام له ليالي المأتم ويقبل أقرباؤه التعزيات وهكذا انتهت مملكة إسرائيل القديمة ولم يعد لها وجود فمعظم سكانها أصبحوا سبايا في بلد غريبة وابتلعوا وسط الأمم والبقية الباقية فقدت عنصريتها وأصبحت غريبة عن عرقية أبناء يعقوب. فلا يحق لهم أن يدعوا يهوداً فيما بعد . كذلك مرت مملكة الجنوب ـ مملكة يهوذا ـ في نفس المحنة فأحاط ملك بابل بأورشليم وأخضعها وسبى الشعب إلى بابل وعاد بعضهم بفضل الفرس إلى فلسطين وأعادوا بناء الهيكل. ولكن لم يكن لهم بعد ذلك دولة قط. وكانت توزع تجمعات في فلسطين في ثلاث مناطق، منطقة الجليل في الشمال ومنطقة اليهودية في الجنوب ومنطقة السامرة في الوسط وكلها خاضعة للحكم الروماني، فالجليلي إذا أراد الذهاب إلى اليهودية يتحاشى المرور بالسامرة ويجشم نفسه عناء السفر عن طريق شرق الأردن وذلك يكلفه ضعف الزمن الذي يستغرقه لو مرَّ بالسامرة لأنه يعتبر السامريين أنجاساً ، ولذلك عابوا على السيد المسيح دعوته بين السامرين واختلاطه بهم ، وكانو اليهود شيعاً دينية فالفريسيون وأصل الكلمة آرامي ومعناها المنعزل. كانوا يقولون بالقدر ويجمعون بينه وبين إرادة الإنسان الحرة ويؤمنون بخلود النفس وقيامة الجسد ووجود الروح ومكافأة الإنسان ومعاقبته في الآخرة بحسب صلاح حياته الأرضية أو فسادها غير أنهم حصروا الصلاح في طاعة الناموس فجاءت ديانتهم ظاهرية لذلك صرح السيد المسيح بأن الإنسان ليس ملزماً بالتقاليد (متى 15/6,3,2) فقاوموه فوصفهم بأبناء الأفاعي وأنهم كالقبور المكلسة . وكان الصديقيون وهم خصوم الفريسيين يشكلون الطبقة الأرستقراطية والكهنة وقد أنكروا القيامة والثواب وأن الروح تموت مع الجسد، وغيرهم من الشيع الأخرى . إزاء هذا الوضع المضطرب على المستوى الاجتماعي والديني والعقائدي والسياسي كان اليهود ينتظرون المخلص ولكن على طريقتهم، كانوا ينتظرون أن يقودهم إلى تشكيل دولة مستقلة تقضي على الحكم الروماني. ويحدثنا المؤرخ اليهودي (يوسفيوس) وهو مؤرخ مبالغ ـ الذي عاش في القرن الأول الميلادي أنه حدثت أكثر من عشرة آلاف انتفاضة ثورية معظمها انتهى بسفك الدماء كما يقول المؤرخ ذاته أيضاً (لقد كانت طائفة الغيورين وراء معظم هذه الثورات، كانت تعرف أنها تسوق الجماعات إلى الموت المحقق . لكنها ما كان يهمها شيء في سبيل ما تهدف إليه من تحقيق مطامحها في الوصول إلى السلطة أو الانتصار المزعوم) . ويقول الدكتور وليم باركلي ( إن هناك فرقاً فدائية تشكلت لتحقيق هدفها بانتزاع السلطة من الرومان عن طريق العنف أطلقت على نفسها (الأسخريوطية) أي حملة الخناجر ومن المحتمل أن يكون يهوذا الأسخريوطي واحداً منهم انضمَّ إلى التلاميذ لاعتقاده بأن المسيح سيحقق هذا الهدف وعندما لمس أن رجاءه قد خاب وأن المسيح لا يؤمن بالوعد الذي يأملون، أقدم على التآمر عليه وسلمه لأعدائه ليفتكوا به وهكذا كان الصلب . * * * الوعد عند المسيح ليس الأرض وليس للمنحدرين من صلب إبراهيم إنما الوعد عنده ( بالحياة الأبدية وباكورة ثمار الحياة الأبدية ننالها هنا لأنها تبدأ معناها كحياة الله فينا والمسيح لم يعد بالأرض وإنما وعد بحياة كلها أمان وسلام وهي حياة لا تعرف النهاية ولا التوقف ولا الاضمحلال، ومع هذا التبس الأمر حتى على تلاميذه وإلى آخر لحظة حياته الأرضية لحظة صعوده إلى السماء : (هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل)، لم يكن المجال يتسع للسيد المسيح ليؤنب التلاميذ على هذه الأفكار ولكنه اكتفى بالتوضيح بأنه لم يأتِ لمثل هذه الأمنيات العنصرية وإنما جاء للعالم كله وللبشرية جمعاء قائلاً : (ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة و إلى أقاصي الأرض) (أعمال1/8 ) . وصعد إلى السماء ليترك على عاتق بولص الرسول الذي خاضها معركة ضارية وقف نفسه عليها ثلاثين عاماً سلاحه الإيمان ووسيلته الفكر فكانت ملحمة من أعظم ملاحم التاريخ ذهب ضحيتها في النتيجة بعد أن ترك أثراً عظيماً في تاريخ البشرية. وبعد ما بال المسيحيين في الغرب يضلون الطريق ويتجاهلون أن الستار أسدل منذ ألفي عام على الوعد بالأرض ورفع علم الوعد بمعاينة الله. لقد أفل نجم يهوه رب الجنود وجاء كوكب ينادي على الأرض السلام وبالناس المسرَّة. لم يعد للرب الذي يفتقد ذنوب الآباء من الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع من مبغضيه من أثر واستبدل بـ (ولا تزر وازرة وزر أخرى) . لقد شذب الفأس شجرة إبراهيم واستبدلها بأبناء الله من المؤمنين. لقد حلَّ الإنجيل مكان التوراة التي لها في المتاحف الكنسية موضع يليق بها .
ألقيت في المركز الثقافي العربي في حمص بتاريخ 17 / 2 / 1983 مجلة ( الكاتب العربي ) العدد السادس عام 1983 .
|