القتـــــاد
المسيح واليهودية
  
 

 

في ذكرى عيد ميلاد السيد المســيح ، والقضيــة
الفلسطينية في أوج صراعها ، يســترجع المـرء
الماضي ويستعرض الحاضر ويتنبأ المستقبل .

يحتفل العالم المسيحي بولادة المخلص ، كلٌّ في حدود إمكاناتـه وتفكيره وإيمانه وأسلوبه وأنا في العيد والكارثة موزع الفؤاد مشتت الفكر أرى أمامي التناقض والتطاحن والبعد عن الحقيقة ، كل شئٍ كان ومازال مطروحاً في العالم .. إلاَّ الحقيقة !
ومع حمَّى مباريات تلاوة نصوص العهد القديم بين كارتر وبيغن في زيارة الأخير إلى الولايات المتحدة إلى مباراة التلاوة الجارية بين السادات وبيغن أثناء زيارة الأول للقدس من نص التوراة .
بحثت عنها هذه المرة من وحي العيد ، فالخواطر تتداعى ، وعدت إلى
الماضي .. إلى التاريخ .. إلى صاحب العيد .. يسوع المسيح . وأخذت الإنجيل وبدأت قراءة إنجيل ( متى ) واستعرضت أفكار السيد المسيح من أجل الحقيقة وقارنتها بما يطرح وبدافع ديني مسيحي بحت متجاوزاً عواطفي القومية وأمتي وأرضي ، وتساءلت هل يفهم كارتر وأمثالهم من المسيحيين دينهم حقاً …؟! ولِمَ يتعاطف العالم الغربي خاصةً مع الدعوة الصهيونية .. . ؟ !
كان الجواب ومازال أن هؤلاء يعتبرون أن التوراة جزء من الكتاب المقدس ، وأنها العهد القديم ، جعلت من اليهود ( شعب الله المختار ) وأن فلسطين هي
( أرض الميعاد ) ولا بد أن يتحقق هذا الوعد .. " كذا " ( فأتوا إلى أرض كنعان ... وظهر الرب إلى إبرام وقال : لنسلك أعطي هذه الأرض 12 / 1 ) . ( ثم دعا ابنه يعقوب وقال له : يعطيك الله بركة إبراهيم لترث أرض غربتك التي أعطاها الله لإبراهيم تكوين 28 / 4 ) إلى آخر ما هنالك من تخرّصات وأضاليل .
عند هاتين النقطتين ـ الوعد ـ والشعب المختار وقفت ملياً فوجدت أنه من الأجدى ألا أناقش التوراة ومنزلتها وصدقها وتحويرها .. . الخ . لأن هـذا النقــاش
سيصل بي إلى جدل بيزنطي لا طائل تحته ، فافترضت جدلاً أن النسخة التي بين أيدينا والتي يتذرع بها اليهود ومن يرى رأيهم هي النسخة الأصلية لم تحوَّر ولم تعدل وتبدَّل
ولم يطرأ عليها أي تغير منذ كتبت ، أعود وأؤكد أني سلمت بذلك جدلاً متجاوزاً آرائي الشخصية التي تتفق مع رأي الدكتور جرجي كنعان في كتابه ( وثيقة الصهيونية في العهد القديم ) .
وانطلقت إلى ما بعد التوراة ، إلى العهد الجديد ، إلى ( الإنجيل ) إلى السيد المسيح ، من هو ؟ ولماذا أتى ؟ ما هي تعاليمه ؟ ما مصير التوراة بعد مجيئه وصلبه ؟ ما رأيه في اليهود الذين لم يقبلوه .. . ما مصير ( شعب الله المختار ) .. . ؟
و( الوعد ) ؟ ! والتوراة .. . ؟
ولا بد لي من التوضيح أنني مسيحي وأخاطب مسيحيي العالم ، ولا أخاطب اليهود وغيرهم من الأمم الذين لا يؤمنون بالمسيح ، وأحمـد الله أنني مؤمن به وبتعاليمه وأحمده أيضاً أنني من الأمة العربية التي تؤمن بالمسيح ، ـ مسيحيين ومسلمين ـ (( وإنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ـ 17 نساء )) (( وما المسيح ابن مريم إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل ـ 75 مائدة)) فما من عربي إلاَّ ويؤمن بالمسيح كما قلت وهؤلاء جميعاً مؤمنون أيضاً بحقهم المغتصب وبأرضهم المسلوبة وبعدالة قضيتهم .
وأنا لا أخاطب السياسيين من حكام العالم المسيحي ، لأن أكثرهم ينطلق من مطامع ومصالح بلاده ، فالساسة لا ينظرون من منظار ديني .
إنما أخاطب المسيحيين في العالم الذيـن يعتقدون ـ خطأ ـ أن إرادة الله ووعده جاء باليهود إلى أرض ( الميعاد ) ، أليسوا أبناء إبراهيم ( وهذه لي تحفظات عليها ـ سأتجاوزها دفعاً لأي جدل ) أليسوا شعب الله المختار ؟ !
والجواب عند المسيح ، فإما أن نكون مسيحيين حقاً ونؤمن بأقواله وإما أن
ـ نكون مسيحيين مزيفين ونعتبر عندئذٍ أن يسوع المسيح هو ( بعل زبول ) رئيس الشياطين كما قال عنه اليهود ، ولا حل وسط بين الاثنين .
ولا شك أن كافة المسيحيين سيستغفرون الله عندما تخيرهم بين إيمانهم بالمسيح وبين اعتباره ( بعل زبول ) .
أما وقد وصلت إلى نتيجة الإيمان بالمسيح ، صار لزاماً عليَّ أن أستعرض أقواله مثبتها حرفياً ، مشيراً إلى النصوص كما وردت في إنجيل متى ، معلقاً عليها باقتضاب كي لا أتوسع في الاجتهاد ويصير الجدل بعد ذلك عقيماً ـ كما فهمت النصوص فأعرضها ، وبعد قراءتها أقول : من له عينان فلير ومن له بصيرة فليفهم
أولاً : لماذا جاء المسيح ، وما هي تعاليمه ؟
يقول إنجيل متى ـ الإصحاح الأول / العدد 20 ( حتى تراءى له ملاك الرب في الحلم وقال له :  يا يوسف بن داوود لا تخف أن تجيء بامرأتك مريم إلى بيتك إن الذي تحمله هو من الروح القدس وستلد ابناً فسمه يسوع لأنه هو الذي سيخلِّص شعبه من خطاياهم  ، ويشير إلى أن هذا ما جاء في الإصحاح السابع العدد 14 من أشعياء النبي  إن العذراء مريم ستحمل وستلد ابناً يدعى عمانوئيل 
إذن جاء المسيح ليخلص شعبه من خطاياهم ، وهذا يقودنا إلى أن الشعب اليهودي كان مقترفاً الخطيئة عند مجيء المسيح فهل قبله اليهود واعترفوا به وآمنوا وعملوا بتعاليمه ؟؟ وسنجيب على ذلك بعد استعراض موجز لتعاليمه :
تتلخص تعاليم المسيح بالموعظة التي ألقاها عندما صعد الجبل :  إنجيل متى الإصحاح الخامس :
 طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات .
 طوبى للمحزونين لأنهم يعزَّون .
 طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض .
 طوبى للرحماء لأنهم يرحمون .
 طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون .
 طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله .
 طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون .
 طوبى للمطرودين من أجل البر ، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلهم . 
إذن الودعاء هم ورثة الأرض وليس أبناء إبراهيم ، والرحماء هم الذين سيرحمون وليس الطغاة وقتلة الأبرياء ومغتصبي الأراضي بالسيف .
طوبى لصانعي السلام الحقيقي ولا سلام وحقٌ مهضوم .
لم يقل يسوع طوبى لأبناء إبراهيم واسحاق وداوود ، ثم لم يقل طوبى لبني إسرائيل ولم يقل طوبى لـ ( شعب الله المختار ) حتى أنه لم يقل طوبى لإبراهيم أو اسحاق أو يعقوب ، إلى آخر السلسلة من الأنبياء اليهود
وقال : ما جئت لأنقض الناموس بل لأكمِّل وليس لأتمّم ، والبون شاسع بين
اللفظين .
فالتكميل من الكمال ولا يؤتى الكمال إلاَّ إذا لفظ كل عيب وسنوضح العيب الذي لفظه المسيح من تخرصات اليهود إلى تبجحاتهم وادعاءاتهم ووعدهم .
قال يسوع : ( متى الإصحاح 4 / 17 )  توبوا قد اقترب ملكوت الله 
 فتبعه جموع كبيرة من الجليل والمدن العشر وأرشليم واليهودية وعبر الأردن
(متى 4 / 25 ) .
ومن البديهي أن هؤلاء وغيرهم ممن تبع المسيح أضحوا مسيحيين وتخلوا عن يهوديتهم ، وأحفادهم يطردون الآن من أرض آبائهم وأجدادهم عقوبة لهم على إيمانهم بالمسيح . (( وأقصد بالمطرودين الآن كل من آمن برسالة السيد المسيح من مسيحيين ومسلمين )) .
وسأستطرد في متابعة تعاليم السيد المسيح والعقلية اليهودية ، أنانية ، متغطرسة متعسفة وكان يفهمها جيداً وجاء ليزيلها ، كذلك خاطبهم قائلاً : ( متى الإصحاح الخامس )  إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجرٍ لكم أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك وإن سلمتم على أخوتكم فأي فضلٍ لكم فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل  .
وهنا تتجلى معاني الآية القائلة  ما جئت لأنقض بل لأكمل  راجياً التأمل بمعنى ( كامل ) ( متى ـ 5 / 17 ) كما أرجو المقارنة بين هذه التعاليم والعقلية اليهودية وبالأحرى بالديانة اليهودية .
حجة الذين يعتقدون من المسيحيين بالوعد أن المسيح قال :  ما جئت لأنقض الناموس بل لأكمل  وضرب الصفح عن الوعد نقض للعهد القديم ، وقد ذكرت فيما سبق أن الكمال غير التتميم ، فهو تشذيب وتصفية وانتقاء واصطفاء ، ونبذ الشوائب وطرح كل ما هو مشوَّه ، والإنجيل ـ وليس غير الإنجيل بيني وبينهم ـ بل أقوال السيد المسيح وليس غير أقواله الواردة في الإنجيل ، فمن حقي أن أفسّر وأجتهد وليس هذا الحق في الاجتهاد محصوراً بهم بالأحرى من حقي مناقشتهم ، فأدحض حججهم بالنص فلا اجتهاد في مورد النص كما يقول رجال القانون ، من هذا المنطلق اسمحوا لي أن أتساءل :
أما قال السيد المسيح : ( متى الإصحاح 5/21)  سمعتم أنه قيل للأولين لا تقتل فإن من يقتل يستوجب القضاء أما أنا فأقول لكم من غضب على أخيه استوجب القضاء
ومن قال لأخيه يا أحمق استوجب حكم المجلس ومن قال له يا جاهل استوجب نار جهنم.. . .
 متى 5 / 27 ـ 28 سمعتم أنه قيل للأولين لا تزن أما أنا فأقول لكم من نظر إلى امرأة فاشتهاها ، زنى في قلبه . 
 متى 5 / 31 وقيل لكم من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق أما أنا فأقول لكم من طلَّق امرأته إلاَّ في حالة الفحشاء عرَّضها للزنى .. . 
 متى 5 / 38 سمعتم أنه قيل : العين بالعين والسن بالسن أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر ، من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر .. . 
 متى 5 / 43 سمعتم أنه قيل : أحبب قريبك وابغض عدوك أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وادعوا لمضطهديكم .. . 
هذه أمثلة على الكمال الذي أراده يسوع ، نبذ أقوال القدماء ـ أنبياء بني إسرائيل ـ وشذَّبها وأصلحها فأضحت بفضله كاملة ، وقد وافقتم أيها المسيحيون على هذا التعديل وهذا الكمال بدون اعتراض مع صراحة التشذيب والتنقية والاصطفاء ، لم تقولوا مطلقاً أنَّ هذا نقض للناموس لم تعترضوا ، فلماذا تعتبرون أن إلغاء السيد المسيح للوعد والبنوة نقض للناموس ، وتتجاهلون ـ تعاليمه المنسجمة مع بعضها تمام الانسجام ، فما جاء المسيح إلاَّ ( لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به ـ يوحنا 3 / 16 ) .
لم يأتِ ليرفع من شأن بني إسرائيل ويكرّس غطرستهم ويزيد من ادعاءاتهم بأنهم شعب الله المختار لأنهم أحفاد إبراهيم ويعقوب ، جاء ليساوي بين الناس ليفهم اليهود أنهم متساوون مع أبناء البشر في الإيمان ـ إذا آمنوا ـ ومن لم يؤمن به فمصيره نار جهنم ، وأن الله قادر على أن يجعل من الحجارة أبناء لإبراهيم .
وهذا سنثبته بالنصوص فيما بعد ، فإما أن نؤمن بكل ما جاء به المسيح فنكون مسيحيين حقاً وإما أن نرفض المسيح كلية ونكون يهوداً ، ولا حلَّ وسط بين الاثنين كما أسلفت .
ثانياً : رأيه بأبناء إبراهيم :
وبعد ما رأي السيد المسيح والإنجيل المقدس بأبناء إبراهيم الذين لم يؤمنوا به ، جاء في الإصحاح الثالث العدد 8 ـ 12 يقول يوحنا المعمدان :
 يا أولاد الأفاعي من علمكم أن تهربوا ـ وما زالوا هاربين ـ من الغضب الآتي ، ألا أثمروا ثمراً جيداً بالتوبة ولا يخطر ببالكم أن تعللوا النفس فتقولوا إن أبانا هو إبراهيم ، أقول لكم إن الله قادرٌ على أن يخرج من هذه الحجارة أبناءً لإبراهيم ، ها هي الفأس على أصل الشجرة فكل شجرة لا تثمر ثمراً طيباً تقطع وترمى في النار ، أنا أعمدكم في الماء من أجل التوبة وأما الذي بعدي ( يقصد المسيح ) فهو أقوى مني ولست أهلاً لأحل سيور نعليه ، وهو يعمدكم بالروح القدس والنار ويأخذ الذرى بيده وينقي بيدره ، فيجمع قمحه في الأهراء وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ . 
والواضح أن القمح هم الذين آمنوا بالمسيح ، والتبن من لم يؤمن وهم اليهود، وأعتقد أن رأى يوحنا المعمدان واضح بأبناء إبراهيم ولا حاجة لتفسيره .
وقال يسوع في ( متى ـ 7 / 19 )  كل شجرة لا تثمر جيداً تقطع وتلقى في النار 
ولا أستطيع يا إخوتي أن أفسر الشجرة المهددة بالقطع إلاَّ أولئك الذين رفضوا السيد المسيح .
إذن المعمدان يقولها صريحة لا لبس فيها ولا غموض إن بنوة إبراهيم لا تجدي ولا تشفع والله قادر أن يخرج من الحجارة أبناءً لإبراهيم ويهدد بقطع أصل الشجرة وكذلك قال يسوع ـ فهذه البنوة في نظر السيد المسيح لا قيمة لها البتة ، وقد وصفهم بأبناء الأفاعي كما فعل قبله يوحنا قائلاً  متى ـ 12 / 33 أيها الحيات أولاد الأفاعي أنى لكم أن تهربوا من عقاب جهنم .  .
كل هذا والمسيح يعلم أنه يخاطب أبناء إبراهيم ويعقوب ( إسرائيل ) ويؤكد رفضه القرابة الدموية المادية ويتبنى الأخوة الروحية قائلاً  متى 12 / 46 من هي أمي ومن هم إخوتي  ثم أشار بيده إلى تلاميذه وقال  هؤلاء هم أمي وإخوتي لأن من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي  .
وفي متى الإصحاح 8 / 11  وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات ، وأما بنو الملكوت فيطرحون في الظلمة الخارجية . .
هذا غيضٌ من فيض يدل على أن المسيح نبذ ادعاءات اليهود بأنهم شعب الله المختار وأن مرتبتهم أعلى من بقيّة الأمم بسبب نسبهم إلى إبراهيم حتى أضحت عبارة شعب الله المختار سخرية ومهزلة ما بعدها مهزلة .
يقول في متى 20 / 72  من أراد أن يكون الأول فيكم فليكن لكم عبداً هكذا ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعةً كثيرة . .
ومتى 20 / 16  فهكذا يصير الآخرون أولين والأولون آخرين  .
ومتى 7 / 21  ليس كل من قال يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات .. . اذهبوا عني يا فاعلي الإثم ) .
هذه هي المسيحية الحقة وكل من يدعي غير ذلك يتلاعب على الألفاظ وقد عششت في رأسه اليهودية ، وخرج عن تعاليم المسيح وآمن بتخرصات بعيدة كل البعد عنها .
ثالثاً : غضب السيد المسيح على اليهود :
حاول السيد المسيح جاهداً إصلاح خراف بني إسرائيل الضالة دون جدوى ، قال لتلاميذه  متى 10 / 5 لا تسلكوا طريقاً إلى الوثنيين ولا تدخلوا مدينة للسامريين بل اذهبوا نحو الخراف الضالة من بني إسرائيل . 
وأوصاهم  متى 10 / 12 إذا دخلتم البيت فسلموا عليه فإن كان أهلاً فليحل سلامكم فيه وإن لم يكن فليعد سلامكم إليكم ، إذا لم تقبلوا ويسمع كلامكم فاخرجوا من ذاك البيت أو تلك المدينة نافضين الغبار عن أقدامكم ، الحق أقول لكم : إن أرض سدوم وعمورة سيكون مصيرها يوم الدين أخف وطأة من مصير تلك المدينة .  .
وبدأ اليأس من بني إسرائيل يتسرب إلى قلبه إذ أخذ يطرد من بينهم ويعامل كالغرباء  متى 8 / 34 ولما أبصروه طلبوا أن ينصرف عن تخومهم  .
وطلب منه الجباة ضريبة الدرهمين ( متى 17 / 25 ) فقال يسوع لسمعان :
 ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب قال بطرس : من الأجانب  .
فدفعهما ، وقد سرَّ لأنه بدأ يغترب عن هذا الشعب الغارق في الرذيلة لأن تعاليمه لا تؤتي ثمارها ، ويضيق بهم ذرعاً وينبذهم نبذ النواة قائلاً : (متى 17/17) .
 أيها الجيل الكافر الفاسد حتَّام أبقى معكم وإلامَ أحتملكم  .
ويدخل الهيكل فيجد التجار والصيارفة يعيثون به فساداً ، ( متى 21 / 12 ) فيطردهم ويقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام ويقول :  بيتي بيت صلاة وأنتم تجعلونه مغارة لصوص  فتأمل هل بدل اليهود عقليتهم وماديتهم ؟! .
( متى 23 / 15 )  الويل لكم أيها الكتبة الفريسيون والمراءون تجوبون البحر لتكسبوا دخيلاً واحداً فإذا هوَّدتموه جعلتموه يستحق جهنم ضعف ما أنتم تستحقون  .
( متى 23 / 16 )  الويل لكم أيها القادة العميان .. . 
( متى 23 / 23 )  الويل لكم أيها الكتبة الفريسيون والمراءون تؤدون عشر النعنع والشبث والكمون وبعدها أهملتم ألزم ما في الشريعة : العدل والرحمة والوفاء .. يا أيها الذين يصفُّون الماء عن البعوضة ويبتلعون الجمل .  .
 الويل لكم ( متى 23 / 27 ) أيها الكتبة والفريسيون والمراءون تطهِّرون ظاهر الكأس والصحفة وباطنها نهباً وطمعاً ، أيها الفريسي الأعمى طهِّرْ أولاً باطن الكأس والصحفة ليصير الظاهر مثله .  .
 الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون والمراءون أنتم أشبه بالقبور المكلَّسة يبدو ظاهرها جميلاً وأما باطنها فممتلئ من عظام الموتى وكل نجاسة ، وأنتم كذلك تبدون في ظاهركم للناس أبراراً وأما في باطنكم فممتلئ رياءً وفسقاً .  .
 الويل لكم أيها الكتبة و الفريسيون المراءون تبنون قبور الأنبياء وتزينون ضرائح الصديقين وتقولون لو عشنا زمن آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء فأنتم تشهدون على أنفسكم بأنكم أبناء قتلة الأنبياء فاملئوا أنتم مكيال آبائكم  مشيراً إلى صلبه .
إلى أن يقول :  أيها الحيات أولاد الأفاعي ( متى 23 / 23 ) أنى لكم أن تهربوا من عقاب جهنم ها أنذا أرسل إليكم من أجل ذلك أنبياء وحكماء وكتبة ففريقاً تقتلون وتصلبون وفريقاً في مجامعكم تجلدون ومن مدينة إلى مدينة تطاردون حتى يقع عليكم كل دمٍ زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن بركا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح .  .
ثم ينذر أورشليم قائلاً : ( متى 23 / 37 )  أورشليم أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أبناءك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا ، إن بيتكم سيترك خرابا ، أقول لكم لن تروني بعد اليوم حتى تقولوا : ( تبارك الآتي باسم الرب )  .
لماذا خصَّ المسيح أورشليم بهذا الإنذار والوداع ؟ !
لأنها المدينة المقدسة عند اليهود ومركز سياستهم ودينهم ولأنها زادت على غيرها من المدن شراً كما زادت عليها عظمة، ولما رثى أورشليم وأنذرها إنما أنذر ساكنيها حينذاك وكل من سكنها في العصور الماضية وكل من يسكنها في السنين المقبلة ( تفسير الكتاب المقدس للدكتور وليم ادي الجزء الأول صـ 400 ) من اليهود إلى أن يؤمنوا بالمسيح إلى أن يقولوا ( تبارك الآتي باسم الرب ) .
 وفي سنة 66 م هيج اليهود في أورشليم فتنةً فذبح الحاكم الروماني جيسيوس فلورس ثلاثة آلاف نفس منهم ، فثاروا ثورة عظيمة على الحكم الروماني بعدما خضعوا له زهاء مائة سنة ( منذ سنة 69 ق م ) ورفعوا لواء المعصية فبعث القيصر نيرون سنة 68 القائد وسبسيان لإخضاع العصاة مهما كلف الأمر ، فحاصروا أورشليم ولكنه اضطر إلى العودة إلى رومية ليرقى العرش بعد وفاة القيصر فللتوس تاركاً مقاليد الحرب بيد ابنه تيطس فضيق هذا عليها الحصار وقطع عنها الأرزاق فاستحوذ عليها الجوع القتال ، حتى أكل بعض النساء أطفالهنَّ وأمست المدينة داخلاً وخارجاً عرضة لأشد البلايا وأعظم الأهوال . وبعد حرب دامت سبعة أشهر دخل تيطس المدينة وأحرقها فالتهمتها النار حتى هيكلها العظيم بالرغم على حرصه على بقائه سالماً وأمره بذلك وعاث الرومانيون فيها قتلاً ونهباً وبيع اليهود الذين نجوا من السيوف عبيداً وضربت عليهم الذلة وصاروا إلى هلاكٍ عظيم ، وحمل إلى رومية حجاب قدس الأقداس والمنارة ذات السرج السبعة وكتاب الناموس ومائدة خبز الوجوه ، فنزل بأورشليم من هذا الخراب الذي حدث سنة 70 كوارث حاقت بها مكاره من أفظع ما رواه التاريخ وقيل أنه هلك في هذه الحرب من اليهود في فلسطين زهاء مليون نفس وتشتت بقيتهم تحت كل كوكب في أنحاء المملكة الرومانية ، وتمَّ ما تنبأ عنها الأنبياء ولا سيما السيد المسيح بقوله :  ولن يتركوا فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفي زمان افتقادك وخلاصك  .
أما المسيحيون القليل عددهم وأسقفهم فكانوا قد هجروا أورشليم قبل خرابها بحسب وصية المسيح ولجؤوا إلى مدينة وثنية يقال لها فلة ( بلاَّ ) بقرب الأردن اليسرى .
( الدرر النفسية في مختصر تاريخ الكنيسة للمرحوم البطريرك أغناطيوس أفرام
الأول برصوم صـ96 )
وهنا لابد لنا من التذكير بأن ساكني القدس بعد ذلك وحتى عام 1948 من المؤمنين بالسيد المسيح عرب ( مسيحيين ومسلمين ) .
وقبل التاريخ المذكور فإن اللعنة و الإنذار و الوداع انتهت بإيمانهم، وها هي تعود (اللعنة والإنذار والوداع) بعد أن استوطنها اليهود رغماً عن مشيئة المسيح .
والذي يثبت إلى النهاية  يقول المسيح في ( متى 10/23 ) فذاك الذي يخلص مخاطباً تلاميذه وإذا طردوكم من مدينة فاهربوا إلى غيرها الحق أقول لكم لن تنهوا تجوالكم في إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان  ، أي حتى يؤمن الجميع بالمسيح فأين الوعود الممنوحة في العهد القديم ـ التوراة ـ لقد أنهاها جميعاً مرة واحدة لأن الإيمان به ينهي اليهودية وتنتهي العرقية ويتساوى الناس بالإيمان . حيث يقول (متى 10/23)  من عرفني لدى الناس أعرفه لدى أبي الذي في السموات ومن أنكرني لدى الناس أنكره لدى أبي الذي في السموات  .
ويستطرد السيد المسيح في تهديد اليهود ونبذه وفقدانه الأمل في خلاصهم ـ وإيمانهم قائلاً ( متى 11/21 )  الويل لك يا كورزين ـ مدينة قرب طبرية ـ الويل لك يا بيت صيدا ـ مدينة على شاطئ البحيرة وسكانها من اليهود ـ لو جرى في صور وصيدا ـ وسكانهما من الوثنيين ـ ما جرى فيكما من المعجزات لأظهرتا التوبة ويبشر ويتنبأ ـ المستقبل ويعقد الآمال الجسام على الأمم دون اليهود (متى 11/22)
 إن صور وصيدا سيكون مصيرهما يوم الدين أخف وطأة من مصيركما وأنت يا كفرناحوم أتحسبين أنك ترتفعين إلى السماء ، ستهبطين إلى الجحيم فلو جرى في سدوم ما جرى فيك من المعجزات ـ مشيراً إلى تعاليمه وأعاجيبه التي شهدتها تلك المدينة ـ لبقيت إلى اليوم على أن يقول لكم : إن أرض سدوم سيكون مصيرها يوم الدين أخف وطأة من مصيرك  .
ويؤكد عداء اليهود له ( متى 10 /43)  لا تظنوا أني جئت لأحمل سلاماً إلى الأرض بل سيفاً  وسيف المسيح على الشيطان الساكن في قلوب اليهود وهذا السيف لا يبرح الأرض ما دام الحق يقاوم الباطل و الباطل يقاوم الحق (متى 10/36)
 ويكون أعداء الإنسان أهل بيته  .
( متى 10 / 37 )  من كان أبوه وأمه أحب إليه مني فليس جديراً بي ومن لم يحمل صليبه ويتبعني فليس جديراً بي .. . ومن قبلني قبل أبي الذي أرسلني  .
وبعد هذه الصراحة التي ما بعدها صراحة وما بعدها وضوح أتساءل أما زال ـ هناك مغفلون يقولون ( بشعب الله المختار وبأبناء إبراهيم وبوعود الرب بأرض الميعاد ).
لقد انتهى كل ما كتب بمجيء المسيح وزالت دولة التوراة وأضحت أثراً بعد عين وبادت ، أما قال : ( متى 12 / 30 )  من لم يكن معي كان عليَّ كل خطيئةٍ وكفر يغفر للناس أما الكفر بالروح فلن يغفر ومن قال كلمةً على ابن الإنسان يغفر به أما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة  .
ذلك لأن اليهود لم يؤمنوا بأن السيد المسيح ولد من الروح القدس ولمَّا يؤمنوا بعد واتهموه أنه شريك الشيطان ( متى 12 / 24 ) قال الفريسيون : إنما هذا ـ المسيح ـ يطرد الشيطان ببعل زبول سيد الشياطين ، و ( متى 10/25 ) فإذا كان ربُّ البيت قد قيل له بعل زبول فأي شيء لا يقال في أهل بيته . و ( مرقس 3 / 22 )  وأما الكتبة الذين نزلوا من أورشليم فقالوا أن به مساً من بعل زبول فهو سيد الشياطين يطرد الشياطين  ولوقا ( 11 / 15 و 11/ 18 و 11 / 19 ).
والجدير بالتنويه والتذكير أن العرب ـ المسيحيين والمسلمين ـ آمنوا بالروح القدس ) وأتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بالروح القدس ( ( 87 و253 بقرة ) ) وإذا قال الله يا عيسى بن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بالروح القدس، تكلم الناس في المهد وكهلا ( ( 120 المائدة ).
و اسمحوا لي أيها المسيحيون أن أقول لكم مع السيد المسيح إذا كان مسيحكم مخلصكم في نظر اليهود شيطاناً بل رئيساً للشياطين فما رأيهم فيكم أنتم، وما رأيكم بالشعب المختار أبناء إبراهيم ، أما زال شعباً مختاراً ، أما زال لأبنائه حق في العودة إلى فلسطين رغم تجديفهم على الروح القدس إن كان هذا رأيكم فأنا مع السيد المسيح
 أما من جدف على الروح القدس ـ فلن يغفر له لا في الدنيا و لا في الآخرة  .
و إن العشارين والبغايا أفضل منهم (متى 21 / 31 )  الحق أقول لكم أن العشارين و البغايا يسبقونكم إلى ملكوت الله  أليس هو القائل ( متى 21 / 42 )
 الحجر الذي رفضه البناؤون صار رأس الزاوية ، لذلك أقول لكم إن ملكوت الله سينزع عنكم ليسلم إلى أمة تجعله يخرج ثمره  .
ألم يقل في ( متى 22 / 1 )  الوليمة معدة و لكن المدعوين غير مستحقين فاذهبوا إلى مفارق الطرق و ادعوا إلى العرس من تجدونه .. . إن المدعوين كثر وأما المختارون فقليل  .
وعندما خرج يسوع من الهيكل ( متى 24 / 1 ) فدنا إليه تلاميذه وهو سائر يستوقفونه نظرة على أبنية الهيكل فأجابهم :  أترون هذا كله الحق أقول لكم لن يترك هنا حجر على حجر بل ينقض كله  .
وهذا ما حصل فعلاً إلى أن جاء القرن العشرون فقام زعماؤكم و ساستكم فأعادوه من جديد و وطنوا فيه ( أبناء الأفاعي الحيات ) الذين ما زالوا يجدفون على الروح القدس ـ و يعتبرون يسوعكم شيطاناً .
إن رؤساءكم يتجاهلون هذا كله ويدعون المسيحية كذباً وبهتاناً، ولكن المسيح سينتصر فهو القائل ( متى 28 / 17 )  أني أوتيت كل سلطانٍ في السماء والأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به ها أنذا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر  .
قارئي الكريم :
أنت ترى أني لم أستعرض بحثاً لاهوتياً ولم أدخل في جدل عقائدي وإنما عرضت نصوصاً وأقوالاً للسيد المسيح أثبت فيها للمسيحيين من كتابهم الأكذوبة الكبرى التي تقدم العهد القديم على العهد الجديد وتنادي بديمومة (الوعد وشعب الله المختار) واستمرارية الأخذ بالتوراة وكأن المسيح لم يأتِ ، وأرجو أن أكون قد وفقت في عرضي ومن أراد أن يستزيد فليعد إلى الإنجيل فيقرأ ( بإمعان ) وختاماً فإني أردد مع السيد المسيح ( متى 26 / 53 )  من أخذ بالسيف بالسيف يهلك .  .



حمص في 1 / 1 / 1978 .