القتـــــاد
دعـوة لتوحـيد قوانين الـزواج
  
 

 

لاشك أن مؤسسة الزواج من أقدم وأعرق المؤسسات القانونية والاجتماعية في التاريخ ، ومن المؤكد أنها تطورت وتغيرت بتطور الحضارة الإنسانية .
فيؤكد علماء التاريخ والاجتماع والقانون على أن النسبة إلى الأم كان أسبق في الظهور من النظام الأبوي ، ذلك لكون الأم أقدر على رعاية الأبناء والعناية بهم.
(والمرأة بطبيعتها أقدر على توفير السلام وتحقيق المحبة وبذر بذور الخير). فالحضارة الهلينية كانت تمنح المرأة مكانة مرموقة وكانت الأم تتولى شؤون البيت والدولة عند الهلنيين على ما يقول هيرودوت . وأول مظهر للعبادة كان دائماً عبادة الآلهة
الأنثى . (والأساطير القديمة تعكس النظام الأمومي الذي كان سائداً في الأحقاب السحيقة كأسطورة (ايزيس) وفكرة (الأم الأرض) التي منها خرجنا( 1 ) . ولو استعرضنا أسماء الأصنام عند العرب في الجاهلية لوجدنا أكثرها أنثوي ( نائلة ومناة واللات والعزى والشمس) أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى  وقد انتهت إلينا أسماء رجال أضيفت إلى اللات مثل : (تيم اللات) ( 2 ) . الأمر الذي يدل على أن الأسماء المنسوبة إلى الأم عرفها العرب الأقدمون كغيرهم من الأمم .
والذي لاشك فيه أن الشيوعية الجنسية كانت هي النظام السائد في فجر
الإنسانية . وتشير الدراسات إلى أن تاريخ العائلة انتقل رويداً رويداً إلى وحدة الأزواج في حال تعدد الزوجات . وتعيش فيه زوجاتهم في الوقت نفسه في حال تعدد
الأزواج ( 3 )، إلى أن ضاقت الحلقة وعرفت العائلة ( المزدوجة ) إن صحَّ التعبير .
ومن الطريف أن نسمع أنه ( في العصر الحديث قامت محاولات لإنشاء مجتمعات خاصة يمارس فيها الزواج الاجتماعي ، نادى بها بعض أنصار التحرر النسائي وحركات التمرد على الأوضاع الاجتماعية التقليدية وبخاصة على الروابط العائلية التقليدية المتوارثة ، وأرادوا إقامة علاقات جنسية بين مجموعة من الرجال الأغراب ومجموعة من النساء اللاتي لا تربطهنَّ روابط قرابة .
فقد ظهرت هذه الحركة الحديثة المتمردة على نظام العائلة التقليدي في الدانمرك بوجه خاص ، ولكن لم تلبث أن صادفتها الكثير من العقبات . كما ظهرت حركة مماثلة في ولاية نيويورك دعيت باسم مجتمع ( اونيدا ) عام 1848 إلاَّ أن هذا المجتمع انهار وتفرق أعضاؤه عائدين إلى زواج الرجل بامرأة واحدة بعد ثلاثين عاماً من إنشائه) ( 4 ) ( ولله في خلقه شؤون) .
الزواج عند البابليين : من استعراض القوانين البابلية يتبين لنا أن من شروط صحة الزواج أن يكون العقد مكتوباً . وعقاب الزنى القتل ذبحاً أو غرقاً إلاَّ في حالات استثنائية . وكان المهر معروفاً بل هو شرط من شروط العقد . وكان الطلاق في يد الرجل إلاَّ أنه لا يستطيع ذلك إذا كانت امرأته مريضة بل يتزوج سواها إذا أراد وتبقى الأولى على ذمته كما عرفت القوانين البابلية دعوى التفريق التي يحق للزوجة ممارستها فإن كانت محقة في دعواها طلَّقها القاضي وإن كانت مبطلة ألقيت في الماء لتموت غرقاً ( 5 ) .
لا أريد أن الاستطراد والطواف في خمائل التاريخ وشعابه ـ على الرغم من أن لي هوساً في ذلك ـ كي لا يضيع الهدف من هذه المحاضرة ، فالمستهجن والغريب حقاً أن يكون للمواطنين في بلد واحد وفي موضوع واحد عدة قوانين . فيحكم هذا المواطن قانون لا يحكم جاره أو زميله أو صديقه ولربما في بعض الأحيان قريبه . أليست ( وحدة القوانين والأنظمة التي تعتنقها أمة من الأمم مظهراً من مظاهر وحدة الشعور الوطني، وأثراً حياً من آثار المساواة وغاية سامية ترمي إليها كل دولة ديمقراطية مخلصة ) ( 6 ) . لعمري إن تعدد قوانين الزواج في قطرنا لا مبرر له، فعدد سكانه لا يتجاوز العشر ملايين نسمة يحكمها بموضوع الزواج قانون للمسلمين، وآخر للطوائف الكاثوليكية وثالث لطائفة السريان الأرثوذكس ورابع للطائفة الآشورية وخامس للروم الأرثوذكس وسادس للطائفة الإنجيلية وسابع للدروز وثامن للموسوين (اليهود).. الخ . ولكل من هؤلاء محكمتهم الخاصة بهم . حتى أن في بعض المحافظات عدة محاكم للطائفة الكاثوليكية أي للسريان الكاثوليك محكمة وللموارنة محكمة وللروم الكاثوليك محكمة .. . الخ .
في اعتقادي إذا كان هذا الوضع في الماضي له ما يبرره فإنه غير طبيعي في العصر الحاضر وقد أصبحنا على عتبة القرن الحادي والعشرين .
ولنبدأ القصة من أولها :
1 ـ عرض تاريخي : إن الأحكام الشخصية والتي عقد الزواج فرع منها مستمدة بعضها من أصول الدين وبعضها الآخر مستمد من التقاليد الدينية بحيث أضحى يتراءى لنا أنها جزء من الدين .
ولقد مر غيرنا بما نمر به نحن اليوم ( فقديماً كان ساكن مقاطعة بريتانيا في فرنسا خاضعاً لقانون شخصي لا يخضع له الفرنسي الذي يسكن نورمانديا ولو غير كل منهما مقامه لتبعه قانونه . ولا يزال أثر هذه النظرية ( نظرية شخصية الحقوق ) باقياً في أحكام الحقوق الدولية الخاصة ) ( 7 ) .
ويعطي القرآن الكريم الحق في الاستقلال الذاتي التشريعي والقضائي للنصارى واليهود المقيمين في الحاضرة الإسلامية ( 8 ) : ) وليحكم أهل الإنجيل بما أنـزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ( .( المائدة 47 ) وعندما دخل عمر بن الخطاب بيت المقدس عاهد النصارى أن يرجعوا في شؤونهم وخلافاتهم إلى قوانينهم الذاتية ( 9 ) . وهكذا كان المنوال في القرون الوسطى لدى الأمم الأوربية نفسها في علاقاتها مع النصارى من جوانبها وفي علاقتها مع المسلمين فكان المسلمون من سكان القسطنطينية قبل الفتح العثماني يحتكمون إلى قضائهم ، كما كان التجار الإيطاليون الذين يسكنون في المدن الساحلية السورية التي احتلها الإفرنج يحتكمون إلى قضاة قناصل منهم وفق قوانينهم وعاداتهم الخاصة . ولما استرد المسلمون هذه المدن أبقوا على الحقوق التي منحت للتجار الإيطاليين فبل الفتح وكان البندقيون يعاملون المسلمين النازلين بلادهم المعاملة نفسها وفقاً لقاعدة المقابلة بالمثل فيسمحون لهم بالاحتكام إلى الشرع الإسلامي) . وعلى هذا الأسلوب منح السلطان محمد الفاتح جميع رؤساء الطوائف غير المسلمة حق حل النزاعات المدنية والجزائية الحاصلة بين رعيتهم. وعلى هذا المنوال سار سليمان القانوني في بلاد الشام إلى أن صدر الخط الهمايوني عام 1856 حيث ضيق في مادته الثانية الامتيازات الممنوحة قديماً وحصر الدعاوى الخصوصية المدنية ـ كالمتعلقة بالإرث وما شابهها من الدعاوى القائمة بين أتباع مذهب واحد مسيحي أو مسلم ـ جواز أن ترى لدى المجالس البطريركية أو المذهبية إن طلب المتداعون ذلك .
ثم صدر كتاب توضيحي رسمي من فؤاد باشا ألحِقَ بالخط الهمايوني المذكور وجاء فيه ( إن الدعاوى التي تخضع للقوانين الدينية والتي لا يتعلق بها أمر غير المسلمين ترى أمام المحاكم الشرعية ، وإن كانت بين غير المسلمين فترى لدى
المحاكم المذهبية ) . وقد جرى التعامل في الدولة العثمانية حتى أواخر أيامها على أن يكون للطوائف المذهبية غير المسلمة حق الاحتكام إلى محاكمها الدينية في كل ما يتعلق في دعاوى الزواج والخطبة والنفقة والطلاق والوصية ( 10 ) .
ثم جاء عهد الانتداب الفرنسي و صدرت عنه عدة قرارات في هذا الخصوص كان أهمها القرار 60 ل.ر الصادر بتاريخ 13 آذار 1936 المعدل بالقرار 146ل.ر تاريخ 18/1/1938 الذي قسم المواطنين السوريين و اللبنانيين إلى طوائف و تعرض إلى تسلسل درجات الرؤساء الروحيين و طريقة تعيينهم إلى آخره. الأمر الذي لا يعنينا في هذه الدراسة . و كل ما يعنينا منه المادة العاشرة حيث تنص على ما يلي :
ـ10 ـ يخضع السوريون و اللبنانيون المنتمون إلى الطوائف المعترف بها ذات الأحوال الشخصية لنظام طوائفهم الشرعي في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية و لأحكام القانون المدني في الأمور غير الخاضعة لهذا النظام .
و يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون إلى طائفة تابعة للحق العادي وكذلك السوريون و اللبنانيون الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية .
أما الأجانب و إن كانوا ينتمون لطائفة معترف بها ذات نظام للأحوال الشخصية فإنهم يخضعون في شؤون الأحوال الشخصية لأحكام قانونهم الوطني .
ثم ألحق القانون بجدول عدد فيها الطوائف المعترف بها فبلغت 11 طائفة مسيحية وخمس طوائف إسلامية و ثلاث كنس يهودية .

وغني عن البيان أن سياسة المستعمر فرق تسد هي الهدف و الدافع الأساسي لهذا القانون. فقامت الاحتجاجات و المظاهرات في البلاد فاضطر المنتدب الفرنسي إلى التراجع جزئياً بإصداره القرار رقم 53 ل.ر بتاريخ 3/3/1939 ألغى بموجبه تطبيق قانون الطوائف على المسلمين . وبقي معمولاً به بالنسبة لغير المسلمين .
و بتاريخ 17 / 9 / 1953 صدر المرسوم التشريعي معلناً قانون الأحوال
الشخصية للمسلمين و قد نص في نهايته على ما يلي :
المادة ـ 306 ـ تطبق أحكام هذا القانون على جميع السوريين سوى ما تستثنيه المادتان التاليتان .
المادة ـ 307 ـ لا يعتبر بالنسبة للطائفة الدرزية ما يخالف الأحكام التالية :
أ‌ ـ يتثبت القاضي من أهلية العاقدين و صحة الزواج قبل العقد .
ب‌ ـ لا يجوز تعدد الزوجات .
ت‌ ـ لا تسري أحكام اللعان و الرضاع على أفراد الطائفة .
ث‌ ـ إذا تزوج شخص بنتاً على أنها باكر ثم ظهر أنها ثيب فإن كان عالماً بذلك قبل الدخول بها فليس له الحق بالمطالبة بشيء من المهر أو الجهاز و إن لم يعلم ذلك إلا بعد الدخول بها فله استرجاع نصف المهر إذا أراد إبقاءها .. . الخ .
ج‌ ـ إذا حكم على الزوجة بالزنا فللزوج تطليقها و استرجاع ما دفعه من مهر وما بقي من جهاز وإذا حكم الزوج بالزنا فللزوجة طلب التفريق وأخذ كامل مهرها المؤجل .
ح‌ ـ لا يقع الطلاق إلاَّ بحكم القاضي و بتقرير منه .
خ‌ ـ لا يجوز عودة الزوجة إلى عصمة مطلقها .
د‌ ـ تنفذ الوصية للوارث ولغيره بالثلث و بأكثر منه .
ذ‌ ـ إن الفرع المتوفى قبل وفاة مورثه تقوم فروعه مقامه و يأخذ نصيبه كما لو كان حياً .
المادة ـ 308 ـ يطبق بالنسبة إلى الطوائف المسيحية و اليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق في الخطبة وشروط الزواج وعقده، والمتابعة، والنفقة الزوجية، ونفقة الصغير وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطه وفي البائنة (الدوطة) والحضانة .
وهكذا فإن هذه المادة أبقت على قانون الطوائف المار ذكره وتفرعاته والتي هي:
1 ـ قانون الحق العائلي لطائفة الروم الأرثوذكس .
2 ـ قانون الأحوال الشخصية للطائفة الأرمنية الأرثوذكسية .
3 ـ قانون الأحوال الشخصية لطائفة السريان الأرثوذكس .
4 ـ قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية ( الروم الكاثوليك ) لسريان الكاثوليك ـ الموارنة ـ الكلدان ـ اللاتين .
5 ـ قانون الأحوال الشخصية للمحاكم المذهبية الإنجيلية .
6 ـ قانون الأحوال الشخصية للموسويين .
وهذا يستتبع إيجاد محاكم بعدد الطوائف أي إحدى عشرة محكمة طائفية إضافة للمحكمة الشرعية التي تنظر بأمور المسلمين والمحكمة المذهبية الدرزية وكل محكمة من هذه المحاكم تطبق القانون الخاص بطائفتها وكأن هذا المواطن يعيش في مجتمع غير المجتمع الذي يعيش فيه جاره .
وجاء قانون السلطة القضائية يؤكد وجود المحاكم الروحية المادة 36 وحتّم عليها إتباع أصول المحاكمات المدنية المتبعة في المحاكم البدائية المادة 33 .
بعد هذا الاستعراض السريع لا بد لي من ذكر الملاحظات
التي نراها في تعدد القوانين و المحاكم :
بالنسبة للقوانين :
1 ـ بما أن بداية هذا الوضع كان متلازماً مع قيام الدولة الدينية الإسلامية .فالحكم الذي كان دينياً استلزم التسامح مع بقية المواطنين غير المسلمين في أن يعيشوا وفق تقاليدهم الدينية . انطلاقاً من الآية الكريمة (لا إكراه في الدين) ثم فرضته اعتبارات سياسية أيام ضعف السلطة العثمانية ومحاولات بعض الدول التذرع بحماية أبناء الطوائف. أما اليوم فإننا نعيش في ظل دولة مدنية ديمقراطية مستقلة مؤمنة. فلم يعد من مبرر لتعددية القوانين عملاً بقاعدة المساواة بين المواطنين .
2 ـ إن قانون الأحوال الشخصية لجهة الإرث مطبق على كافة المواطنين مهما كان مذهبهم أو دينهم ولم يشعر المسيحيون في يوم من الأيام بالضيق من تطبيق قانون الإرث المستمد من الشريعة الإسلامية حتى أن بعض رجال الدين المسيحي يعارضون مخالفته ومنها (كتاب المونسنيور مبارك بطريرك إنطاكية للروم الكاثوليك إلى المفوض السامي أيام دعوى غزالة المشهورة إذ جاء فيه أن الطائفة التي ينتمي إليها المتوفى تعاملت على تطبيق الحقوق الإسلامية في مسائل التركات وحمل على ما جنحت إليه محكمة استئناف حلب في الدعوى المشار إليها من جعل حصة البنت الإرثية مساوية لحصة الابن ) ( 11 ) . بمعنى أن إقرار قانون خاص لكل طائفة بموضوع الزواج غير مستحب وغير وارد على الإطلاق

(11) الامتيازات الطائفية ـ أحمد السمان ـ المرجع السابق .

3ـ لو رجعنا إلى كافة قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في سوريا نجدها متوافقة في شروط الزواج و المتابعة و انحلال عقد الزواج و إليكم التفصيلات :
أ ـ تعريف عقد الزواج :
1 ـ عند المسلمين : الزواج عقد بين رجل و امرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل (المادة1) .
2 ـ عند الروم الأرثوذكس : الزواج هو اقتران الرجل بالمرأة اقتراناً شرعياً ومعونتهما على المعيشة الزوجية و اشتراكهما في جميع الحقوق الدينية والمدنية المتقننة وتعاونهما في حالة السراء و الضراء و في حمل أعباء العائلة وتربية الأولاد. ( المادة 28 ) .
3 ـ عند الأرمن الأرثوذكس : إن الزواج يوجب على الرجل والمرأة حسن المعاشرة طيلة حياتهما والاقتران الجنسي الطبيعي و الأمانة و المساعدة المتبادلة على مبدأ المساواة . ( المادة 44 ) .
4 ـ عند الكاثوليك : للزواج غاية أولية هي ولادة البنين و تربيتهم و غاية ثانوية هي التعاون المتبادل و مداواة الشهوة . ( المادة 2) .
5 ـ عند الإنجيليين : الزواج عقد يجري بين ذكر و أنثى يقصد منه الاقتران الجنسي الطبيعي و الاشتراك في المعيشة العائلية مدى العمر . ( المادة 21).
من هذه التعاريف أنه لا خلاف على الإطلاق بين هذه القوانين من حيث المضمون وإنما الخلاف في الألفاظ والتراكيب فقط .
أ ـ ب ـ أركان العقد و شرائطه :
1ـ عند المسلمين : ينعقد الزواج بالإيجاب من أحد العاقدين وقبول من الآخر.
(المادة 5) .
2ـ عند الروم الأرثوذكس : يشترط لانعقاد الزواج رضى الزوجين بملء الحرية إذا كانا وليي أمريهما .. .. .الخ . ( المادة 29 ) .
3ـ عند الأرمن الأرثوذكس : رضا طالبي الخطبة المتبادل .
4ـ عند الكاثوليك : يقوم الزواج بالرضى الذي يبديه على مقتضى الشرع فريقان قابلان لعقده شرعاً و ليس بإمكان سلطان بشري أن يعوض عنه إذا نقص. (المادة 72 ) .
5ـ عند السريان : الخطبة وهي وعد اختياري بالاقتران بين ذكر وأنثى غير مرتبطين بعقد سابق والعقد هو إيجاب وقبول .
6ـ عند الإنجيليين : يتم الزواج بتمام حرية المتعاقدين ورضاهما المتبادل وبمصادقة الولي ..
7ـ عند الموسويين : الخطبة عقد يتفق به الخاطبان أن يتزوجا ببعضهما شرعاً في أجل مسمى بمهر مقدر بشروط يتفق عليها .
أ ـ الأهلية والبلوغ :
العقل و البلوغ على أنه يسمح بزواج المجنون إذا ثبت أن الزواج يشفيه .
عند المسلمين : 18 للفتى و 17 للفتاة .
عند الروم الأرثوذكس : 18 للذكر و 15 للأنثى .
عند الأرمن الأرثوذكس : 18 للذكر و 15 للأنثى .
عند السريان : 18 للذكر و 14 للأنثى .
عند الكاثوليك : 16 للذكر و 14 للأنثى .
عند الإنجيليين : 18 للذكر و 16 للأنثى .
عند الموسويين : 18 للرجل و المرأة .
على أنه يجوز عند الجميع الأذن بالزواج في سن مبكرة ضمن شروط .
المحارم :
عند المسلمين : الأصول والفروع وفرع الأب والطبقة الأولى من فروع أجداده . وزوجة أصله أو فروعه وموطوءة أحدهما . أصل موطوءته وفروعها وأصل زوجته في الرضاع .
عند الروم :القرابة الدموية على خط مستقيم .. . الخ ، القرابة الدموية من الجوانب بين شخصين حتى الدرجة الخامسة . قرابة المصاهرة بين شخصين حتى الدرجة الخامسة قرابة العماد .
عند الأرمن :القرابة الدموية لغاية البطن الرابع أي بين الأصول والفروع وبين الأخ
والأخت والعم وبنت أخيه وبين العمة وابن أخيها .
القرابة المصاهرة لغاية البطن الثالث .. . الخ .

المهر :
قد يتبادر إلى الذهن أن قوانين الطوائف المسيحية لا تنص على المهر وكثيراً ما يسأل رجل القانون هذا السؤال والجواب أن كافة قوانين الطوائف المسيحية تنص على المهر ويقال له حق الرقبة أو النقد أو الصداق أو الغيد وقد عرفته المادة 40 من قانون الطوائف الكاثوليكية: بأنه كل ما يقدمه الرجل للمرأة في مقابل الزواج، أو كل ما يكون مقوماً بمال كالعقارات والمجوهرات ويجوز تعجيله أو تأجيله. وهو اختياري ولا يتوجب إلاَّ بغرض التعهد به وشرطه أن يكون الزواج صحيحاً ومكتملاً . وعند انحلال الزواج يسلم المهر إلى المرأة إذا كانت الفرقة قد حكم بها (12 ) على مسؤولية الزوج . وإذا توفيت كان المهر من حق زوجها. ولكنه ليس شرطاً لعقد الزواج وقلته مستحسنة.
(سريان 45) .
وهو منصوص عليه عند الموسويين أيضاً .
وتتفق كافة القوانين على أن الرجل هو رأس الأسرة وعليه واجبات إعالتها . والإنفاق عليها وتأمين المسكن والمأكل والملبس والطبابة .
من هذا العرض الموجز نخلص إلى أنه لا ضرورة لتعدد القوانين وأن الاختلاف الجزئي في التفصيلات ليست جوهرية الأمر الذي يمكن تجاوزه و وضع قانون موحد بها .
انحلال الزواج :
بقي علينا أن نتعرض إلى أوجه الاختلاف وهي في نظر البعض جوهرية يجعلهم يتمسكون بها فلا بد من استعراضها بإيجاز مع إيجاد الحلول إن كان لها مقتضى.
الطلاق عند المسلمين : الطلاق عند المسلمين يقع باللفظ أو بالكتابة ومن العاجز عنهما بإشارته المعلومة. أو عن طريق المحكمة بمعاملة طلاق أو مخالعة.
ويمكن أن يقع انحلال العقد بدعوى التفريق التي يملك كل من الزوج والزوجة حق ممارستها لعلل نص عليها القانون كالعلة المانعة من الدخول والجنون والغيبة وعدم الاتفاق والشقاق .
طلاق التعسف : وقد راعى المشرع تعسف الرجل في استعماله حقه بالطلاق فأوجب على المتعسف تعويضاً لزوجته التي يصيبها بؤس وفاقة، يعادل كحد أقصى نفقة ثلاث سنوات لأمثالها فوق نفقة العدة و للقاضي أن يجعل دفع هذا التعويض جملة أو شهرياً بحسب مقتضى الحال .
وفي اعتقادنا أنه كان على المشرع أن لا يشترط البؤس أو الفاقة لترتب التعويض إنما لمجرد ثبوت أن الرجل لم يكن محقاً في استعماله حقه وإن طلاقه لزوجته لم يكن لسبب جوهري وأن يترك للقاضي حرية تقدير التعويض بما يتناسب مع ثروة الزوج ومدى تعسفه والضرر الذي لحق بالزوجة من جراء هذا التعسف جبرا للضرر وكشرط جزائي : ( أليس أبغض الحلال عند الله الطلاق ) .
الطلاق عند المسيحيين : رأينا أن الطلاق في قانون الأحوال الشخصية عند المسلمين يقع بالإرادة المنفردة بينما هو لدى الطوائف المسيحية يصل إلى المنع مهما كان الذنب الذي اقترفه الطرف الآخر جسيماً و ماساً بالأخلاق و هنا يقع التضاد في القوانين أقصاه .
وإذا أجيز لي أن أصنف فإن الطلاق في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين يقع في أقصى اليسار وعند الطوائف الكاثوليكية في أقصى اليمين. وبقية الطوائف بينهما.
وعلى أن كافة القوانين التي تحكم المسيحيين مجمعة على أن الطلاق لا يتم باتفاق الطرفين . وليسمح لي المدافعون عن هذه أن أقول أن هذا يخالف نظرية الالتزام وحرية التعاقد فمن يملك حق التعاقد يجب أن يملك حق فسخ العقد والتحلل منه. وجميع هذه القوانين تؤكد على حرية عقد الزواج ولزوم شرط الرضى فيه. ولنضرب مثلاً نص المادة 72 لدى الكاثوليك وهو الأكثر تشدداً : (يقوم الزواج بالرضى الذي يبديه على مقتضى الشرع فريقان قابلان لعقده شرعاً. وليس في إمكان سلطان بشري أن يعوض عنه إذا نقص) .
يلاحظ التأكيد على حرية التعاقد و وجوب الرضى الذي لا يمكن التعويض عنه في حال نقصانه. ثم تأتي المادة 107 من القانون نفسه فتقول: (الزواج الصحيح المكتمل لا يمكن حله بسلطان بشري أياً كان و لأي سبب كان ما خلا الموت) .
والسؤال الآن لماذا ؟ أنا لا أكون متطاولاً وفضولياً إذا سمحت لنفسي مناقشة هذا الموضوع فهو لا يمت إلى العقيدة المسيحية بصلة فالإيمان شيء والمعاملات والعلاقات بين البشر شيء آخر. والأمر الذي لا شك فيه أن الحياة الزوجية جزء من المعاملات .
قد يقال أن الكنيسة قد اعتبرت الزواج سراً . أفلا يحق لنا التساؤل من هي الكنيسة أليس الآباء الأوائل وأحبارها. أفلا يحق لآبائنا و أحبارنا الحاليين تطوير هذه القرارات بعد كل هذه القرون التي مرت على البشرية و قد حصل في النصف الثاني من القرن العشرين من المخترعات والتقدم الحضاري والتقني ما لم يكن يخطر على بال بشر. ولن أذهب بعيداً لقد دخلت منازلنا مخترعات غيرت مجرى حياتنا وتفكيرنا وعاداتنا وعقولنا . لقد أضحى الأطفال يشاهدون التلفاز ويسمعون المذياع ويتصفحون المجلات وغيرها من وسائل الإعلام وفيها الغث والسمين . ولا بد من التأقلم مع هذه الغازيات و التعايش معها . مع الاحتياط مما قد تسببه من تطور نحو الأمام والخلف .
ثم إن كافة قوانين الطوائف المسيحية واليهودية لم تصدر عن الدولة ولا عن السلطة التشريعية وإنما صدرت عن مجامع الكنائس والذي أراه أن في ذلك تشتيت للتشريع لا مبرر له . ولعلي أضرب لكم مثلاً إن قانون الطائفة الإنجيلية عدل من قبل المجمع الأعلى للطوائف الإنجيلية منذ عدة سنوات وتبلّغت وزارة العدل اللبنانية ذلك لكن هذا التعديل ضل طريقه ولم يصل إلى وزارة العدل السورية حتى الآن وأضحى يحكم الإنجيليين في سورية ولبنان قانونان أحدهما معدل والآخر بدون تعديل. لا أريد الاستطراد في ضرب الأمثلة وإنما سأنتقل إلى موضوع آخر هو المحاكم الروحية ووجهة نظرنا نحن المحامين تجاهها :
1 ـ يوجد لكل طائفة محكمة روحية في كل محافظة يرأس كل منها رجل دين وأكثرهم مع احترامي وتقديري لهم لا تتوافر فيهم المعرفة القانونية وبعضهم لا يحمل أي شهادة علمية .
2 ـ إن هذه المحاكم لا تخضع لسلطة تفتيشية ولا رقابة لوزارة العدل عليها .
3 ـ إن قرارات هذه المحاكم تقبل الاستئناف من محكمة الاستئناف الروحية التي غالباً ما يكون مركزها العاصمة دمشق وإذا عرفنا أن المحكمة الاستئنافية تنشر الدعوى أمامها فلا بد من أن يتجشم المتقاضون عناء السفر في كل جلسة إلى العاصمة أو توكيل محام آخر في دمشق إذ ليس من السهل على محامي المحافظة الانتقال مع الدعوى إلى العاصمة. وهذا يكلف المتقاضين أعباء مالية ومشاق لا قبل لهم بها أحياناً . ولنتصور زوجة في الحسكة ملزمة بمتابعة دعواها في دمشق وهي بموضوع نفقة وقد لا يحكم لها بأكثر من خمس مائة ليرة سورية مثلاً، وهناك بعض المحاكم الاستئنافية مركزها حتى الآن بيروت .
4 ـ إن قضاة المحاكم الروحية و موظفيها لا يتقاضون أي راتب على عملهم و لقاء ذلك لا بد من فرض بعض الرسوم فإذا ما قارناها برسوم المحكمة الشرعية وجدناها باهظة و مرهقة لأطرافها .

و إذا كان لا بد من مقترحات بعد هذه الجولة السريعة و المقتضبة
مع النصوص المتعلقة بعقد الزواج فإني أرى :
1 ـ أن يصدر قانون للأحوال الشخصية واحد يشمل كافة المواطنين بدون استثناء . أو على الأقل قانونان أحدهما للمسلمين والآخر لغير المسلمين .
2 ـ أن يؤخذ بعين الاعتبار موضوع الطلاق والتضييق في ممارسته و وضع حد للتعسف في استعماله بإطلاق يد القاضي في تقدير التعويض المترتب للزوجة في حال استعمال هذا الحق ليضمن لها حياة كريمة يتناسب مع أمثالها .
3 ـ إيجاد نص يراعى فيه تقاليد وعادات غير المسلمين بحيث ينص على سبيل
المثال :
I ـ لا يجوز إجراء عقد زواج بين المسيحيين إلاَّ بعد إقامة الشعائر والمراسيم الدينية (الإكليل) .
II ـ لا يقع الطلاق إلاَّ بحكم القاضي وبتقرير منه .
III ـ لا يجوز لغير المسلمين تعدد الزوجات .
IV ـ تختص إحدى المحاكم البدائية المدنية في النظر في قضايا الزواج لدى الطوائف غير المسلمة .
V ـ تحال دعاوى التفريق إلى رئيس الطائفة التي يخضع لها الزوجان لإجراء المصالحة فإذا لم تتم المصالحة خلال أربعة أشهر تعاد الإضبارة إلى المحكمة المختصة لمتابعة الإجراءات القانونية.
هذه خواطر بدت لي هدفها الوحدة بين أبناء القطر الواحد وإزالة التعسف ومنطلقها أن القضاء والتشريع من حق الدولة و واجب عليها ولا يجوز التخلي عنها لأية فئة أو طائفة مهما كانت الأسباب والدوافع، والله من وراء القصد .
_______________________________________________________
محاضرة ألقيت في المركز الثقافي العربي بحمص بتاريخ 11/2/1989 بعنوان (الزواج في القوانين السورية) ونشرت في مجلة (المحامون) العددان 4 و 5 لعام 1989.