القتـــــاد
حنـــا خبـــاز
مــن رواد النهضة العربية
1871 ـ 1955
  
 

 

خليق بنا أن نذكر أعلامنا ونحيي ذكراهم عرفاناً بالجميل وشكراً لصنيعهم وتخليداً لمآثرهم وتشجيعاً للخلَفْ كي يسير على سبيل السلف فتنتفع الأمة من هؤلاء العباقرة الذين فيما يقدمون إنما يحقنون الأمة بنسغ الحياة ودماء التجديد .
أعتقد أنه ما من مثقف إلاَّ وتحوي مكتبته كتاب (( جمهورية أفلاطون )) (تحفة الأدهار ونتاج أذكى العقول .. وحسب مؤلفه أفلاطون فخراً أنه مرَّ على تأليفه
نحو 2300 عام وهو يدرَّس اليوم في أرقى جامعات الدنيا لأنه خير كاشفٍ عن باطن أكبر فيلسوف عاش في كل الأجيال) . وحسب معربه أنه أول من أقدم على ترجمته إلى اللغة العربية ولعله الوحيد فكان الوسيط بين أبناء الضاد وبين هذا الكتاب النفيس ذلك الرجل العالم الذي زجَّ نفسه في أخشن مركب ـ فقد جمع ( بين يديه ثلاث ترجمات إنكليزية ـ وهي ترجمة تيلر وترجمة سنسر ـ وترجمة دافيس وفوغان ـ فكان يقابل كل ترجمة فيها من أول الكتاب إلى آخره ويقف على صورة التعبير في كلٍ منها .. وقد بذل وسعى في اختيار أصعبها لأنها تختلف في كثير من مواقفها اختلافاً كبيراً فكان يؤثر أقربها لروح أفلاطون معتمداً بالأكثرية ترجمة دافيس وفوغان لأنه يعلم أنها معتمدة في جامعة أوكسفورد .. ولأن أكبر الكتَّاب والفلاسفة يعتمدونها ( كديورانت ورسل والانسكلوبيديا ) .
ولعلكم توافقونني على أن الذي يتنطع لترجمة الفلسفة لا بد وأن يكون متضلعاً في علومها متقناً اللغة التي يترجم عنها .. واللغة التي يترجم إليها ..
إن إحجام المفكرين عن تعريب هذا الكتاب القيِّم شهادة على جودة الترجمة التي قام بها حنا خباز موضوع مقالنا هذا .
ولعلكم ترون معي أنه من العسير علينا أن نعيش ساعة من الزمن حياة استمرت أربعة وثمانين عاماً من الجدِّ والعمل والعطاء .. والكتابة والتأليف و الترجمة والتعليم والترحال .. و الوعظ .. أربعة و ثمانون عاماً و لم يعرف الكلل و لا الملل إلى أن سقط القلم من يده و أسلم الروح و كأنه يتمثل حديث الرسول العربي الكريم حيث يقول ((إن القيامة إذا قامت على أحدكم و في يده فسيلة ( شتلة) فإن استطاع أن يغرسها في الأرض فليغرسها )) .
ولد حنا خباز في أول تموز عام 1871 في مدينة حمص ـ سوريا .. من أبوين فقيرين متدينين بعيدين كل البعد عن العلم .. تعلَّم القراءة وهو في الخامسة من عمره في (كتَّاب ) إيليا الخوري جرجس الأنطاكي .. سنة واحدة ثم التحق بأحد صنَّاع الديما ليتعلم الحياكة فأتقنها وأصبح من صنَّاع الحرير والنقش بالقصب المعروفين ..
وفي عام 1886 أصيب بالتهاب في رجله لازم بسببه منزله مدة شهرين فحصل على كتاب ( مغني المتعلم عن المعلم في الصرف والنحو ) فقرأه .. و تفهَّمه و تذوَّق لذَّة اللغة العربية فتتلمذ على يوسف شاهين ثم على العالم الشيخ مصطفى حدَّاد ـ وذلك ليلاً بعد الانتهاء من عمله الصناعي .. فنال قسطاً وافراً من اللغة العربية يقرض الشعر فنظم قصيدة في عام 1889 يودع فيها القس يوسف بدر القاصوف عند مغادرته حمص .. و مطلعها :
هبَّ النسيم على الفؤاد وخبرا
إن النوى قد آن والساري سرى

أما الحساب فقد تعلم منه القواعد الأربع عند ابن خالته من آل غراب في أربع ليالٍ متتالية لقاء تعليمه ابن خالته موَّالاً بغدادياً لكل قاعدة .. كما درس على المعلم يواكيم مسّوح و جرجس الخوري المقدسي الذي لقَّنه ( ألف باء ) اللغة الإنكليزية ..
و طار فرحاً عندما قبل في مدرسة الفنون في صيدا و فيها لم يكن يتقدمه من الطلاب إلاَّ فارس الخوري رفيقه وصديقه حتى الممات .. و يعود إلى حمص عام 1891 معلِّماً في مدرستها الإنجيلية ثم عاد و التحق عام 1894 بمدرسة اللاهوت الإنجيلية في سوق الغرب لبنان .
وكم تمنى أن ينتسب إلى الكلية الإنجيلية السورية في بيروت
(الجامعة الأمريكية الآن ) .. . ولكن ضيق ذات يده حال دون تحقيق هذه الأمنية . ويتخرج من مدرسة اللاهوت عام 1895 م ودراسته هذه كانت بداية تعمقه في الفلسفة والأخلاق والاجتماع .. وقد كان يأمل أن تتحسن لغته الإنكليزية في مدرسة اللاهوت ولكن أمله خاب لأن الدروس كانت جميعها باللغة العربية ..
مارس التعليم والوعظ في عدة قرى بين 1896 -1901 فحضر عدة مؤتمرات دينية وكتب ونشر مقالات ثم عيَّن مديراّّ للمدرسة الابتدائية الإنجيلية بحمص
(1901 ) في تلك الحقبة من الزمن كانت سياط الجهل والفاقة والظلم والبغي تلسع ظهور المواطنين .. بفعل الحاكم العثماني الغاشم .. وماذا يفعل الخباز من أجل بلده وأمته.. فلا هو صاحب سلطان ولا يملك من المال شروى نقير .. ويبحث عن جذور الآفة فيجدها بالجهل … والقضاء على الجهل يدفع عن كاهل أبناء وطنه كافة الآفات الأخرى ويفاوض الإرساليات الأمريكية التي تشرف على بعض المدارس الابتدائية لرفع مستوى مدرسة حمص فلا يجد منها إلاَّ الصدود بعد التردد ويدرك بحدسه ووضوح رؤياه أن الأجنبي لا يمكن أن يطعمك حتى الشبع وإنما يقدَم لك ما يسد رمقك وما يفعل ذلك لوجه الله وإنما ليظهر أمامك بأنه خير من حاكمك ..فضلاّ عن أنه يدسَّ السم في الدسم .. فيقرر الخباز الاعتماد على نفسه وعلى السواعد الوطنية . ويزرع بذور الفكرة بين رهط من رفاقه وأصحابه فاستجابوا له .. وكان من بينهم رفول ناصر وسليم ختن وشكري أخرس ورشيد غراب وآل كشّيش وغيرهم وبدأت التبرعات تنهال على الخباز من السوريين والعرب المقيمين والمهاجرين ولكنه رفض أية مساعدة من أي أجنبي ليحافظ على الطابع الوطني للمدرسة .
بدأت الدروس عام 1903 في دار الكنيسة الإنجيلية في حي جمال الدين واشترى قطعة أرض على رابية في ظاهر حمص ( حي باب السباع ) إلاَّ أن التبرعات مهما بلغت فلن تغطي نفقات الإنشاء .. فأخذ يستدين من الأصدقاء ورجال الأعمال على مسؤوليته الشخصية وضامنه الوحيد توقيعه .. وقد انتهى من البناء عام 1907 وانتقل الطلاب إليها وكانت تحوي قسماً داخلياً للطلاب القادمين من خارج المدينة إضافة إلى ما تضم من الطلاب في القسم الخارجي .. أما الدروس فقد كانت قسمين .. قسم يدرس اللغة التركية إلى جانب العربية وقسم يدرس اللغة الإنكليزية إلى جانب العربية … وقد تخرجت أول دفعة من طلابها وهم ( أمين فرنسيس ، ناجي خباز ، عبدو حكيم ، جميل بحليس ، رشوان عيسى درزي) في عام 1907 ونتيجة تفوّق هؤلاء في الجامعة الأمريكية في بيروت فقد اتخذت الجامعة قراراً بقبول حملة شهادة (كلية حمص الوطنية) - وهذا هو الاسم الذي أطلقه عليها الخباز - دون امتحان … لقد كان نجاح المدرسة منقطع النظير.. رغم ما اعترض سبيلها من عقبات ومقاومة من جهات متعددة وخاصة من الحكومة العثمانية وكان بعض المواطنين يعتقدون أن للأجنبي يداً وفضلاً في تأسيس هذا الصرح العلمي رائد النهضة في حمص خاصة وفي سورية عامة .. في حين أن المقاومة التي تعرّض لها الخباز حين قام بمشروعه من الإرساليات الأجنبية كانت أشد خطراً من كل مقاومة تعرّض لها في تأسيسها .. ولعلكم تتصورون معي تلك الحقبة من الزمن الحاكم المستبد المعادي للشعب المناهض للتقدم .. المعارض للعلم ، الداعي للتتريك .. والمستعمر الغربي الذي يتسابق لتقطيع أوصال الرجل المريض والاستئثار بالمغانم والمواطن الجاهل المتزمت - المنفعل الذي يقع فريسة الإشاعات ساعياً لحتفه بظلفه . ومع كل هذا يخرج الخباز منتصراً وتصبح (كلية حمص الوطنية ) على كل لسان وشفة ملء السمع والبصر ، يرتادها الطلاب من كلّ حدب وصوب ومن كل ملّة وطائفة وكان الانقلاب العثماني سنة 1908 وخلع السلطان عبد الحميد 1909 وظهور رجالات العرب على مسرح السياسة والإدارة ودخولهم مجلس المبعوثان في استنبول من أهم العوامل التي ساعدت على تلطيف المقاومة الحكومية لتشييد بناء المدرسة وعلى نجاح العمل فيها .. وكان الخباز صديقاً حميماً لرجال حمص الوطنيين الأحرار وخاصة الشهيدين عبد الحميد الزهراوي ورفيق رزق سلوم فتوثقت صلاته برجال الحكم في حمص ودمشق والبلاد العربية وبرجال السياسة والصحافة والتعليم وبالمحافل الأدبية والعلمية..
وفي عام 1911 أصدر (جادة الرشاد ) جريدة أسبوعية إخبارية اجتماعية وكان شعارها الصدق والنزاهة وكان لمقالاتها السياسية والاجتماعية دوي هائل في البلاد .. وكانت تطبع على مطابع جريدة حمص .. فغضبت الدولة من صراحة كتاباته فحركت دعوى عليه عام 1914 بشأن مقال اجتماعي إصلاحي اعتبر تعصّباً دينياً وهو البعيد كل البعد عن الطائفية ويحترم جميع الأديان ويحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر فيشعر أن حياته بل حياة جميع الزعماء العرب في البلاد العربية أصبحت في خطر فيسرع إلى مغادرة البلاد إلى مصر حيث قضى أربع سنوات من أصعب سنين حياته .. فكان يعمل في التدريس والكتابة وخاصة في المقطّم كما أدار النادي العسكري في الإسكندرية وعمل مع ابنه وبعض الشركاء في التعهدات كما اشتغل في تجارة القطن والفحم … ويشرف عام 1917 على الأفول والحرب لما تضع أوزارها بعد .. وسورية ما زالت ترزح تحت نير الحكم العثماني ويطول أمد التحرير ويضيق بالخباز المقام وقد سئم الانتظار فيعقد العزم على الرحيل إلى أمريكا . وكان الهدف من هذه الرحلة جمع التبرعات لتغطية ديون المدرسة التي بلغت (2000) ألفي ليرة عثمانية ذهبية .. وكانت المدرسة قد استملكت من قبل العثمانيين وحولت إلى مستشفى عسكري.. وقدر الخباز أنها بحاجة إلى ترميم فيما لو تحقق النصر على العثمانيين .. كما أن فرشها يحتاج إلى تجديد .
ويتعذر عليه السفر إلاَّ عن طريق الشرق الأقصى بسبب ظروف الحرب .. ولم لا ..؟ فالحركة خير من السكون والتعرّف على بلاد الله الواسعة خير من القعود وليكن ابن بطوطة عصره .. وبعد هياص ومياص وشفاعة من أولي الأمر يجد نفسه يمتطى ظهر الباخرة (بوليكا) ذات حمولة (12) ألف طن وسرعتها ( 9 ) أميال في الساعة التي تحمل جنوداً عائدين من ميدان فرنسا بينهم الكثير من رعاياها في (الشرق والغرب) ويصطحب معه صندوقاً يحوي زاده من الكتب ومن بينها الكتاب المقدس والقرآن الكريم ويسبب له هذا الصندوق كثيراً من المتاعب فيما بعد لتخوف أجهزة الأمن من محتوياته…
وإذا قرأنا مؤلفه ( حول الكرة الأرضية ) الذي طبعه في جريدة الوطن في سينتياغو ( بتشيلي ) والذي رُصِد ريعه ( لكلية حمص الوطنية ) .. لمسنا أننا نعيش مع باحثٍ يتقصى العلم والمعرفة .
كان يكتب حيث يجد نفسه فيصف مشاهداته فيضعك أمام جغرافية البلاد التي يزورها وتاريخها الحديث ودخول الاستعمار إليها ثم لا ينسى بل في مقدمة إحصاءاته التطور العلمي في كل مدينة وعدد مدارسها وجامعاتها وطلابها واختصاصاتهم وفروع هذه الجامعات ويعتلي منابرها ويخطب فيها ويعظ ثم يطوف بك في معالمها ومتاحفها ومعابدها ويقابل رجال الدين مستطلعاً دون مناقشة أو استفزاز ـ يقابل البراهمة والبوذيين والكنفوشيين . ثم يغادر الشرق الأقصى إلى الأمريكيتين ويعود إلى أوربا الغربية من جديد ويلقي رحاله بعد خمس سنوات في حمص عام 1922 ليرأس الكلية من جديد .
وقد كان الحكم الفيصلي قد ألغى الإستملاك وأعاد المدرسة إلى أصحابها وقد فتحت أبوابها من جديد ..
ويطبع الجزء الثاني من (جولة حول الكرة الأرضية ) ويستأنف إصدار جريدة جادة الرشاد ( شهرية ) وأخذ يتسقط أخطار المستعمر الفرنسي ويصارحه بها كتابةً ومواجهة .. وبعد اصطدامات متعددة وقد فرز له الفرنسيون معلماً فرنسياً كان في حقيقته جاسوساً عليه وعلى المدرسة فلفق تهمة أتهم بها ولديه ناجي وتوفيق وهما مدرسان في الكلية بالاشتراك في الثورة السورية 1925 الأمر الذي اضطرهما على الفرار ومغادرة سورية إلى مصر كما اضطر الخباز إلى مغادرة حمص إلى بيروت وفي عام 1926 عاد إلى مصر وانصرف للكتابة والتأليف ومن أهم مؤلفاته في تلك الفترة (فرنسا وسورية) من جزأين وهو بحث في السياسة الفرنسية الخاطئة في سورية والتي أدت إلى ثورة 1925 ـ 1927 تناول فيه دخول فرنسا إلى سورية ومعركة ميسلون . الرشاوي التي تقدمها فرنسا إلى عملائها .. المادية والمعنوية ، سقوط الجيوش الفرنسية في شمال سورية وانسحابها من كيليكيا وتخليها عن ماردين وديار بكر وتذبذب السياسة الفرنسية والحكم الجاسوسي ودمار الاقتصاد السوري وسحب النقد الذهبي وشحنه إلى فرنسا وإبداله بالورق السوري والمحاكم المختلطة وتعرض فرنسا للمسلمين في أمور دينهم .. خلق لبنان الكبير .. وعندما أنجز الجزء الأول أودع نسخة منه البريد المضمون وأرسلها إلى المسيو بونسو المفوض السامي الفرنسي في سورية ثم أتبعه بالجزء الثاني وفيه يدين الفرنسيين في جميع تصرفاتهم ..
المهم أن المستعمر الفرنسي حكم عليه بحكم حال دون عودته إلى سورية إلى أن صدر العفو العام سنة 1936 إثر المعاهدة السورية الفرنسية المعروفة .
وفي عام 1939 عاد إلى حماة ليدير مدرستها .. ثم انتقل إلى دمشق حيث عُيِّن راعياً للكنيسة الإنجيلية فسعى لاستقلالها عن الإرسالية الإيرلندية وتم له ذلك بجهوده ومؤازرة المرحومين الأستاذ فارس الخوري والدكتور توفيق سلوم وغيرهما ..
وجاء عام 1948 بأكبر بلية حلَّت بالعرب في تاريخهم الحديث وهي اغتصاب فلسطين وقد غمر قلبه حزن عميق لما حلَّ بها من الجور وما نزل بسكانها العرب من اضطهاد وتشريد فجرد قلمه لنصرة الحق والدفاع عنها مهاجماً السياسة الإنكليزية والأمريكية .. التي اعتبرها المسؤول الأول عن نكبة فلسطين على صفحات جريدة
( الألف باء ) الدمشقية هجوماً عنيفاً في مقالات أقضَّت مضاجع الدوائر السكسونية .. وجعلت السفير البريطاني في دمشق يقصد منزله ( 1950 ) راجياً إياه التوقف عن هذه الحملة .. فما كان من الخباز إلاَّ أن توَّج حملته بتأليف وطبع كتابه ( إسرائيل : ماهيته ووقائعه ) وهو في أشد حالات المرض .. أصيب بنوبة قلبية على منبر كنيسة دمشق
عام 1951 فسقط على المنبر وأصيب بجراح فنقل إلى المستشفى .. ومنها إلى سوق الغرب ( لبنان ) حيث أحد أبنائه وبقيَ ملازماً الفراش متمسِّكاً بالقلم يكتب ويؤلف إلى أن وافته المنيَّة في 26 / 7 / 1955 .

كتب الخباز آلاف الصفحات ونشرت مقالاته في عدد من الصحف والمجلات .. أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المقطم والهلال وهي من أهم المجلات العربية التي تصدر في مصر في عصره وترك لنا عدداً وافراً من المؤلفات في السياسة والتاريخ والفلسفة والدين وأكثرها مطبوع وبعضها مخطوط .. وأهم كتبه :
( جمهورية أفلاطون ، فرنسا وسورية ، حول الكرة الأرضية ، فارس الخوري حياته وعصره .. إسرائيل ماهيته ووقائعه .. الفلسفة في كل العصور ، فلاسفة الأدهار، المعارك الفاصلة في التاريخ ، البرج القديم ، حقائق لا تدحر ، البُرد القشيب ، قناصة الملوك ، مزايا الفتاة ، الله ، فضل الإسلام والعرب ، الثورة الفرنسية ، فلاسفة
المسلمين ، كما ترجم روايات شيكسبير ( لم تطبع على ما أعتقد ) ، فلسفة الإيمان المسيحي ، نظرة في شهود يهوه .
أسلوب الخباز علمي أكثر مما هو أدبي فهو رجل فكر أكثر مما هو أديب يعطيك أفكاره بكل بساطة ويسر .. دون إجهاد أو تعقيد .. فلا تهمه الديباجة بالقدر الذي يهمه المضمون فقد قال عنه الأستاذ فؤاد صرُّوف ( كان حنا خباز كاتباً ذا قلم سهل ممتنع ، يكتب على صفحات من ورق صغير القد .. كتابة واضحة منمقة منفرجة المسافات بين ألفاظها فكانت كتابته تدل على صاحبها وتنم على سره .. وضوح فكر ، وسعة أفق وليس في الوسع أن نقول أن كتابته كانت في الطبقة الأولى بين أساليب البلغاء في كتاب العربية ولكنها كانت وعاءً سليماً صافياً ـ وأحياناً جميلاً ـ لما يرد أن يقول فالفحوى في نظره كانت مقدمة على الوعاء كان الحكيم فيه يمليها .. والمعلم فيه يرسلها .. وكان الكاتب عنده أجمل من أن يعجز القارئ .. بل هو صاحب رسالة غرضها أن يكون الفهم مطية ذلولاً للحياة والعمل .. وعلى أن الكتب التي ألفها وترجمها تحصى بالعشرات وتختلف من كتب رحلات وسير إلى كتب أدب وفلسفة فإني لعلى يقينٍ من أن ترجمته لجمهورية أفلاطون ستظل أبقاها أثراً وأشملها عملاً تولاه .. فقد أقدم الخباز على ما تهيب العرب في أمجد عصور الترجمة في حضارتهم وأزخرها نتاجاً …) وقال له الأستاذ الكبير جوهر الطنطاوي العالم الفيلسوف الأزهري (والله يا أستاذ لقد عجز كبار علمائنا عن القيام بما قدمتم إلى أبناء العربية من خدمة تذكر كم بالاحترام والإجلال هي ترجمة كتاب ( الجمهورية لأفلاطون ) .
إن غياب الخباز عن سورية لم ينسه مدينة حمص .. فلنسمع الخباز الإنسان الوطني الشجاع يهدي كتابه ( فرنسا وسورية ) الجزء الأول قائلاً :
(لك أيتها المظلومة المهضومة الحقوق المنهوكة الأستار المدوسة الكرامة إلى فتاة سورية بريئة مظلومة أقدم كتابي هذا تخليداً لذكريات الظلم والنذالة واللؤم التي مازال ابن الإنسان يأتيها حتى في هذه العصور الراقية). ويقدم الجزء الثاني من كتابه (إلى شهيدي الظلم والقسوة والجور.. الذين قتلا بأيدي الجنود الفرنسيين معذبين دون محاكمة .. ولا دعوى أو باعث وهما أديب مندو وشريف حلبية من أهالي حمص .. أقدم كتابي هذا لذكرى الظلم والتعدي). وبعد أن يروي قصة مقتلهما يقول: (ولذا أقول مع ميرابو : إذا كان في الأرض رجل واحد يحتج على الظلم فذلك الرجل هو أنا) ..
وفي بيروت نشرت الصحف عام 1925 أن البرلمان الفرنسي أرسل مندوباً عنه يدعى المسيو برونيه وأعلن أنه مستعد لمقابلة كل من يريد أن يبدي رأياً في مصلحة البلاد وواجب الانتداب ليكون رأياً إجمالياً يعرضه على البرلمان الفرنسي فيبادر بعد قراءة النبأ ويستأذن عليه وبعد السلام يقول له :
خباز : سرَّني أنك فتحت الباب على سعته وأبحت مقابلتك لكل من يريد ولذا
بادرت بالمجيء إليك حسب رغبتك ..
برونيو : على الرحب والسعة إني أرغب الوقوف على آراء الأهالي في الانتداب
فيمكنك أن تصارحني بأفكارك ..
خباز : لست ذا غرض أو مصلحة ولم أشتغل في السياسة في حياتي بل أنا خادم
العلم والأدب في وطني ومن هذه الناحية أكلمك وأفضي إليك برأيي …
برينيو : ونعم الناحية هي فإني أروم أن أسمع آراء السوريين من كل النواحي .
خباز : في انتداب فرنسا على سوريا أمران مصلحة وشرف .. فالمصلحة لنا
والشرف لكم وهذان أمران قرينان متلازمان يعدم الواحد الآخر فإذا ضمنتم
مصلحتنا ربحتم شرفكم و إذا أضعتموها خسرتموه . .

ويقول في كتابه فرنسا وسوريا أيضاً :
( إن خروج فرنسا من سوريا أمر لابد منه إنما الأمور مرهونة بأوقاتها . فمسألة طرد فرنسا من سوريا هي مسألة وقت فقط ولن تخرج منها بشرف .. بل بدون شرف .. تطبيقاً للنتيجة على المقدمات ومن يعش يرَ … كان يجب أن ينتهي كتابي هنا لولا أني أحسب سوريا ولبنان جزءاً لا يتجزأ . .
وإن سوريا ولبنان عائلة واحدة حية يقتلها الانقسام … فلبنان هو لبنان سوريا وسوريا هي سورية لبنان والمسلمون والموارنة والدروز إخوان ، مصلحتهم واحدة . علاوة على ذلك إن في تصرف فرنسا مع اللبنانيين أقطع دليل على أن السوريين معذورون في محاربتها … ) . ويلاحظ أن الفرنسيين يحاولون شقَّ صفوف السوريين فينتبه إلى هذه الناحية وينبه قائلاً : ( إن خير الشعب السوري يحصل بوقوف فرنسا أمام مختلف الطوائف موقفاً موحداً لا تقدم طائفة على أختها .. ولا تؤخر طائفة عن
أخواتها .. ولا تخص رئيس إحداها بالإكرام ولا تصب على رئيس غيرها جامات غضبها والأهم من ذلك والأفيد والأشرف والأكثر ضرورة لحياتنا نحن السوريين وهو الأمر الذي تعلنه ملائكة الحضرة لو انحدرت إلينا هو : أن تفهم طوائف هذا البلد التاعس أننا إخوان و أن الدرزي والمسلم والعلوي والبدوي أقرب إلينا من الإنكليزي والفرنسي والألماني والإيطالي وذلك بحكم المصلحة .. فابكي أيتها السموات ولتضحك جهنم على قومٍ يتبرؤون من إخوانهم وينتمون لأعدائهم .. ) ..
فهو ضد الطائفية عندما يكتب في السياسة عام 1928 ثم يصبح الخباز كما ذكرت آنفاً قسيساً وراعياً للكنيسة الإنجيلية في دمشق فهل غير رأيه وإليك ما قاله في كتابه ( فلسفة الإيمان المسيحي ) حول الطائفية …
الطائفية كانت ومازالت مبعث التعصب والخصومة والشرور في التاريخ والذي يتجلى لعقولنا من درس فلسفة الله درساً صحيحاً وفهم نظامها الخاص هو أن هدف الديانة إسعاد البشر ..
ولكن الطائفية غيرت الوضع وجعلت الديانة لشقاء البشر لأنها ـ الطائفية ـ تخرج بالديانة عن مقصدها الأصلي وتجعلها منظمة عالمية رائدها الأطماع النفسية ..
الديانة في وضعها الأصلي هي صلة بين القلب وبين الرب .. أما نظام تلك الصلة والقواعد الطقسية والإدارية التي ندعوها الكنيسة فهي أمر آخر مستقل عن تلك العلاقة الجوهرية بالخالق .. . فالكنيسة لا تكفل خلاص تابعيها ، الخلاص عمل شخصي يتناوله الإنسان من الله فإذا انعدمت الصلة الشخصية بالله كانت الديانة صورة خارجية عديمة المنفعة وعديمة القيمة .. . بل هي جثة بلا روح .. . بلا حياة .. فالعلاقة القلبية بالله هي في مفهومي الديانة وبها يقاس قدر المؤمن وقدر الخادم الروحي وإحلال الطائفية محل هذه العلاقة هو خروج من حقيقة الديانة إلى الطائفية … والطائفية أصل الخصام والشقاق والعداء . فخادم الله لا تكون الطائفية هدفه الخاص ولا عظيم في ملكوت الله يحل الطائفية المحل الأول .. إنما هي قشور أو عرض بالنسبية إلى جوهر الديانة وروحها . لم يعبأ المسيح بالطائفية ولا وجود لها في قاموسه .. لم يؤسس طائفة ولم يسأل الإنسان عن طائفته .. إنما كان في تعليمه وعمله لما كان على الأرض يرقى بالإنسان إلى الآب في الأعالي وعظاته وأحاديثه ملأى بالتعاليم الأخلاقية كالمحبة والتواضع والطهارة والعفاف .. والمسامحة والإحسان والفرح بالرب والصلاة … انظروا في العظة على الجبل الواردة في الإنجيل (متى ـ والإصحاحات الخامس والسادس والسابع ) تروا فيها أن يسوع أعلن ماهية ملكوته وأركان ديانته وأوضاع رجالها … إنه لم ينشئ نظاماً ولا رسم قواعد مذهبية ذات طقوس وروابط بل بدأ بالعظة وبالطوبى مكررة .. ولمن … ؟ للمساكين … للحزانى … للودعاء .. للجياع والعطاش إلى البر .. للرحماء .. للأنقياء .. لصانعي السلام ..
إن الديانة النقية الطاهرة المقبولة عند الله والتي رسمها يسوع فهي حياة هي الله ومع ولأجل الله .. وبصرف النظر عن النفسيات والأطماع ( فلسفة الإيمان المسيحي مخطوطاً ) .. ولعله من المفيد أن أستعرض معكم بإيجاز كتاب ( إسرائيل ) … ألف هذا الكتاب وهو في أواخر أيام حياته … يقول في مقدمته :
أفأكون رجلاً ولا أحب أمتي العربية .. ؟ أنا مع المظلوم ـ مع الحق ضد
الظلم .. فقد ظلم العرب ولو أنهم هم الظالمون لكنت مع الحق ضدهم رغم كونهم أمتي وعشيرتي . فحق بدون إخاء وإخاء بدون حق .
والتزامي الإنساني هذا للخصم صيانة عرضه وإنصافه وللجاهل إرشاده بالموعظة الحسنى .. للبشر جميعاً المحبة والإخلاص … لذلك جئت وأنا في آخر ساعات حياتي وعن قريب أكون بين يدي ديَّاني العادل ..
جئت أشهد للحق .. أقول وقلبي يقطر دماً إن ما فعلت بريطانيا بفلسطين وما أحلت بعرب فلسطين من الظلم . إن ذلك عار علينا .. عار على التمدن المسيحي …
ويتحدث عن تاريخ إسرائيل حسب العهد القديم فيقول إسرائيل طمع في البكورية وكذب على والده وغشَّه واحتال لجمع القرون .
ثم يتحدث عن أولاد يعقوب وكيف باعوا يوسف .. ثم يتحدث عن نقمة إسرائيل على موسى وغشهم للمصريين وارتدادهم إلى الوثنية ثم فتحهم فلسطين وبطشهم وسرقاتهم وإباحيتهم إلى أن يخلص إلى النتائج التالية :
الله كامل
الله بار
الله منزه عن كل هوى
وإسرائيل ناقص
وإسرائيل مجرم
وإسرائيل عبد هواه

وبعد استعراض طويل لمقتطفات من تاريخ اليهود الإجرامي حسب التوراة ينتقل إلى الهجرة اليهودية إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وعن أفعالهم وإرهابهم .. ثم يعرّض بسياسة إنكلترا وأمريكا وتصرفات الدولتين والمساعدات التي قدمتها الدولتان لليهود …
ثم يخاطب مذكراً بالعلاقات الودية العربية اليهودية مقارناً تلك العلاقات بالاضطهاد الذي لقيه اليهود من أمم الأرض كل واحدة على حدة وتاريخ طردهم من تلك الدول ويستعرض الجرائم التي ارتكبوها حتى عام 1953 . ثم ينتقل فيخاطب
العرب قائلاً :
أنا لا أرى إسرائيل عدواً يستهان به .. وليس قهره بالأمر السهل علينا ثم يوصي :
1 ـ بالصدق والأمانة والتضحية .
2 ـ بمقاطعة البضائع الإسرائيلية . ويضرب مثلاً إحصائياً حول الأفلام السينمائية وإن ( 98 % ) من الأفلام الأمريكية هي صنع الشركات اليهودية .
3 ـ ثم يوصي بتقوية اقتصاد البلاد .
4 ـ كما يوصي بالوحدة العربية .
إلى أن يختم الكتاب قائلاً : فنحن نريد الحق ونريد كل الحق ولا شيء إلاَّ
الحق . نطالب بحقنا المهضوم . ولا سلام بدون حق . والأيام بيننا يا إسرائيل . .
ولا ينسى الخباز في كتابه هذا من التحذير بأن لا نخدع بالمقولة التي تزعم أن الصهيونية غير اليهودية وذلك رداً على كتاب ثمن إسرائيل للكاتب اليهودي ( ليلينتال ) لأن ذلك في رأيه مغالطة مكشوفة وسفسطة سخيفة . فاليهودي صهيوني بالطبع إن لم يكن اسماً. والصهيونية فرع للشجرة التي هي إسرائيل . فمع تقديري يقول الخباز ـ لجهود (ليلينتال) ـ لا أسلم بشيء من دعواه لأن الداء في الأصل لا في الفرع ..
ثم يقرع ناقوس الخطر قائلاً : ( إن غرض إسرائيل حشد الأموال لتسيطر بما لها على العالم… وهو يروم توظيفه في سوق رابحة فرأى فلسطين بلداً ملائماً لفرحته. فجاء فلسطين لا ليعبد الله . كلا . ولا ليشيِّد الدولة المثالية . إسرائيل أبعد الأمم عن المثاليات وهو رجل مال لا غير فإذا لم نقدر على أن نقضي عليه في الحرب كان أقدس واجباتنا مقاطعة إسرائيل مقاطعة تامة فهذا بن غوريون يقول ( تتعدل ميزانيتنا متى صالحنا العرب) اسمعوا يا عرب . أفيقوا يا مسلمون … ! ..
وهكذا نرى أيُّها السادة أن الوطنية عند الخباز ليست شعراً يتلى ، ولا دموعاً تذرف ولا عواطف تسفح ، ولا شعارات تطلق . فالوطنية عنده عملٌ ودأب وبذل وعطاء وتضحية. لم ينتسب إلى حزب من الأحزاب ولا إلى كتلة من الكتل، كان صاحب فكرٍ حُرٍّ يكتب وفق معطياته الفكرية لم يحرك قلمه لجر مغنم ولا لدفع مغرمٍ، إلاَّ ما كان لخير الإنسانية. لا تلين له قناة، صعب المكسر، مر العود، دمث المعشر، حلو الملقى يفاخر بأنه خادم العلم والأدب في بلاده . وضع لنفسه أهدافاً ومبادئ منذ صباه بقي ملتزماً بها حتى نهاية رحلته في هذا العالم . ولعلَّ خير ما أختم به كلمتي هو أن أردد على مسامعكم بعضاً من الكلمة التي ألقاها الأستاذ مدحت غراب في الحفلة التأبينية
التي أقيمت له في النادي الحمصي في سان باولو في البرازيل بتاريخ 29/11/1955: (وباختلاف الزمن والتطور العقلي تختلف مقاييس العظمة … فمقياس العظمة في عصرنا هذا . ويجب أن يكون ذلك في كل العصور. هو التضحية في سبيل الغير، والنفع العام . واستناداً إلى هذا المبدأ أقول إن حنا خباز هو أعظم الشخصيات التي برزت في حمص منذ أن عرفت حمص في الدنيا . لقد أعطت حمص العالم ملوكاً ورجال دولة ورجال دين .. ولكن أيُّ واحد من هؤلاء نفع بيئته كما نفعها حنا خباز ؟ فحسبه فخاراً ومجداً وعظمة ، أنه أسس مدرسةً بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ ظاهرة ومستترة ، وتزداد عظمة حنا خباز عندما نعلم في أي ظروف أسسها ودون أي مثبطات وعوامل شتى.. حارب .. حتى وصل إلى غايته الكبرى وهي بناء ( كلية حمص الوطنية ) ..
وبعد : ألا يحق لنا أن نسأل أنفسنا عما قدَّمناه في هذه المدينة لحفظ ذكرى
الخباز ؟! .
ملاحظة : بعد رحيل الخباز عن حمص عام 1925 أطلق على المدرسة اسم كلية حمص الإنجيلية الوطنية .


حمص 13 / 11 / 1984