العدالة مطلب إنساني على مر العصور والدهور . فهي فضيلة إنسانية كما يقول أفلاطون .. على أني أرى أن العدالة نسبية تختلف من زمن إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى.. فما هو عدل بالأمس أضحى ظلماً وجوراً اليوم .. فالرق كان مشروعاً وأضحى فيما بعد جريمة شنعاء .. . والثأر في المجتمعات البدائية والعشائرية مشروع وغير معاقب عليه … وفي المجتمعات المتحضرة جريمة كغيرها من جرائم القتل والعدل بميزان القوي يختلف عمّا هو عليه في ميزان الضعيف .. ومن تعاريف العدالة لغة عند صاحب لسان العرب (ما قام في النفوس إنه مستقيم وهو ضد الجور ) .. وعلى هذا فإن ما تستسيغه النفس فهو عدل ، وما تشمئز منه وتستنكره فهو ظلم وجور .. فالمعيار إذاً شخصي . فالصالح يرى العدل في إنصاف الناس .. والشقي يرى العدل في هضم حقوق الضعفاء واغتصاب أموالهم لأنه يعتقد أن الله خصَّهُ بقوة تخوله ذلك .. . على أني أرى أن العدل عند القاضي هو الحكم المنطبق على القانون عدلٌ وما يخالفه ظلمُُِ.. سواء أكان القانون في نظر الناس جائراً أم منصفاً لأن القاضي لا يستطيع مخالفة القانون فهو منفِّذْ له وإن فعل فقد جار وأجحف . وقديماً قال أصحاب الأمثال . (ظلم بالسوية .. عدل في الرعية) . ومن صفات القاضي العادل أن يتصف بطول الأناة وسعة الصدر ومن أمثال العرب : ( ليس من العدل سرعة العذل ) .. أي لا ينبغي أن تعجِّل بالحكم قبل أن تعرف العذر .. وبهذا المعنى كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري يوصيه قائلاً : ( إياك والغلق والضجر والتأذِّي والخصوم والتنكُّر عند الخصومات) . وإذا كانت العدالة قالبها القانون، ومُعلنها القاضي وكاشفها المحامي فالبحث يدفعنا إلى الحديث عن المؤسسة القضائية عبر العصور التاريخية .. ورسالة القضاء هي إقامة العدل بين الناس فيما يتعلق بحياتهم وأموالهم الشخصية .. والقضاء من أهم المرافق وأخطرها في مؤسسات الدولة وهي الملاذ لكل ضعيف ومظلوم . وقد أطلق على القضاة القضاء الجالس وعلى المحامين القضاء الواقف .. ذلك لأن القضاة يقومون بعملهم وهم جلوس ويترافع المحامون أمامهم وهم وقوف .. واعتبروا المحاماة والقضاء توأمين لأنهما يؤديان عملاً واحداً في جوهره.. وإن تباين مظهره .. فلا يمكن أن تتصور قضاة بدون محامين لا سيما في العصر الحاضر بعد أن تشعبت العلاقات الاجتماعية وتشابكت الفاعليات المتعددة .. ولقد اجتمعت القوانين الحديثة على إلزام المتقاضين بالاستعانة بمحامين ـ المادة /104/ ـ أصول محاكمات باستثناء القضايا البسيطة ذلك إلزام منطلقه تحقيق العدالة .. وقدسية حق الدفاع الذي يعجز عنه المواطن العادي فلا بد من مختص في علم القانون ينير للقاضي الطريق ليفصل بالنزاع ( ولا غرابة أن يكون عمل المحامي أشق من عمل القاضي لأن عمل الأخير لا يعدو أن يكون ترجيح الأدلة وتطبيق النص القانوني على الواقعة .. مما يستخلصه من هذه الأدلة ) . وإبراز الواقعة بالصورة التي يؤمن فيها حق موكله ، أو بتعبير آخر إذا كان للقاضي فضل الترجيح ـ والإعلان ـ فإن للمحامي فضل التأسيس والإبداع . على أن التلازم بين القضاء والمحاماة رغم قدمه لم يكن وليد عصر واحد . فالمحاماة اقتضاها تحقيق العدالة بعد عصور طويلة من القضاء المستقل .
الســومريـون : فقد كانت المحاكم السومرية تعقد جلساتها في المعابد .. وكان معظم قضاتها من رجال الدين أما المحاكم العليا فكان يعين لها قضاة فنيون مختصون .. وخير ما في القانون عندهم هو تجنب التقاضي . بحيث يعرض النزاع على محكَّم عام واجبه تسوية الخلافات بالطرق الودية دون الرجوع إلى حكم القانون .. ولعل ما يفرضه القانون السوري اليوم على قضاة الصلح بوجوب السعي للصلح بين الخصوم قبل الدخول في الدعوى مستمد من جذور القانون السومري الآنف الذكر. (( المادة /129 / أصول )) ولم تعرف المحاماة عندهم .
البـابليــون :
ولم يرد في النصوص والوثائق البابلية ما يشعر بوجود المحامين .. فكان المدعي يترافع في قضيته بنفسه وكذلك المدعى عليه .. وكثيراً ما كانت توكل محاكمة المتهمين إلى الآلهة . فإذا اتهم رجل بممارسة السحر أو اتهمت امرأة بالزنى طلب إليهما أن يقفزا في نهر الفرات فإذا نجا المتهم من الغرق كانت نجاته برهاناً على براءته . وكانت الآلهة على الدوام في جانب أقدر المتهمين على السباحة . وعلى كل فإن المتهم الناجي من الغرق يستولي على أملاك الذي اتهمه وإن غرق آلت أموال المتهم إلى الذي اتهمه . وكان العقاب عند البابليين في أول الأمر يقوم على مبدأ (النفس بالنفس والعين بالعين ) . فإذا انهار بيت وقتل من اشتراه حكم بالموت على مهندسه أو بانيه وإذا تسبب سقوطه موت ابن الشاري حكم بالموت على ابن البائع أو الباني . وإذا ضرب إنسان بنتاً وماتت لا يحكم بالموت على الضارب ، بل يحكم به على ابنته .. ثم تطورت العقوبة إلى الفدية المالية والغرامات النقدية .. على أن الأحكام التي تصدر لم تكن مبرمة بل كانت في بابل محكمة استئناف يحكم فيها قضاة الملك وكان بوسع المتقاضين أن يرفعوا استئنافاً نهائياً إلى الملك نفسه ولعله من المذهل حقاً أن نرى قانون حمورابى يحمل الدولة المسؤولية المدنية عن الجرائم .. فقد كان يؤمن المواطنين ضد الجرائم .. فإذا ارتكب رجل جريمة سطو وقبض عليه حكم عليه بالإعدام وإذا فرّ من وجه العدالة وعجزت الدولة عن إلقاء القبض عليه كان على المسروق أن يدلي بمواجهة الآلهة ببيان مفصل عن مسروقاته وعلى المدينة التي ارتكبت السرقة داخل حدودها .. أن تعوض عليه كل ما فقده .. وإذا أدى السطو إلى خسارة في الأرواح دفعت المدينة تعويضاً إلى ورثة القتيل .. وهذا لعمري ما لم تبلغه أرقى الأمم اليوم كما كان هنالك قانون يحدد الأجور والأسعار .
المصـريـــون : وكان لدى قدمـاء المصريين محاكم منظمة مختلفة الدرجات تبدأ من مجالس الحكم المحلية في المقاطعات وتنتهي بالمحاكم العليا في (منف أو طيبة أو عين شمس) وكان الملك نفسه هو المحكمة العليا .. وكان القضاة يطلبون أن يترافع المتقاضون في قضاياهم بمـذكـرات مكـتوبـة تقـدم إلى القضاة ولا يقبلون المرافعات الشفهية ... ولعل هذا الإلزام هو الذي حدا بالمتقاضين الأميين إلى الاستعانة بمن يكتب لهم دفـوعهم ويفنّد حججهم .. فكانت نواة’ المحامين من أولئك الذين أخذوا على عاتقهم مـد يد العون للمتقاضين في كتابة تلك المذكرات . اليـونــان : على أن التـاريخ اليوناني القضائي يجلي لنا صورة نشوء المحاماة بوضوح . فالمحاكم عندهم كانت جماعية (فالهيلينية). القصر العدلي يتألف من ستة آلاف محلّف يختارون بالقرعة من سجل المواطنين .. وكان هؤلاء يوزعون على عشرة سجلات يحتوي كل سجل على خمسمائة اسم تقريباً .. ويترك الباقون أعضاء احتياطيين.. وكانت القضايا الصغرى أو المحليـة يفصل فيها محكمة مؤلفة من ألف ومائتي رجل .. ولكي يتحاشى الأثينيون الرشوة والفساد في القضاء إلى الحـد الأدنى فقد عمدوا إلى اختيار أعضاء المحكمة بالقرعـة وفي آخر لحظـة من انعقاد الجلسة وبمـا أن القضيـة تفصل بسرعة وقد لا يتجاوز انعقادهـا يومـاً واحـداً لذلك كان من الصعوبة بمكان رشوة القضاة في يوم واحد .. ولم يكن عند اليونانيين نيابة عامـة تتولى الادعاء وإنما كانت الحكومة تعتمد على المواطنين أن يتهموا أمام المحاكم كل من يرتكب جريمة ضـد الأخلاق العامـة أو الـدولـة .. ومن هنـا نشـأت طائفة من (النمّامين) ديدنهم وعملهم اتهام الناس ، ولعلنـا نستطيع تقدير مغبة ذلك . ولمـا تعقدت الإجراءات القضائيـة وتطورت القوانين وتبين المتقاضون تأثر القضاة بعض الشيء ببلاغـة الألفاظ نشأت عادة الاستعانة بخطيب أو رجل بليغ متضلع بالقانون ليحضر باسم موكله خطبة يستطيع المتقاضي قراءتها أمام المحكمة.... ومن هؤلاء البلغاء نشـأ المحامون .. وقد كان من أشهر المحامين وأبلغهم (باياس) الذي كان مستقيمـاً لا يدافع إلاَّ عمن كان الحق إلى جانبه . وكانت المحاكم تستعين ببعض المحامين ليشرحوا لها القانون ذلك لأن الكثيرين من القضاة ـ هم منتخبون بالقرعة كما ألمحنـا ـ يجهلون القانون كالمتقاضين أنفسهم .... ولقد كان الأثينيون يكنّون للقانون كل احترام . فهو في نظرهم مصدر سعادة الدولة وقوتها بل مصدر خير عظيم في حياة البشرية ...
الفـــرس : وكان الفرس يقاومون الرشوة بجعل عرضها أو قبولها جريمة كبرى يعاقب مرتكبها بالإعدام . وكي يضمن الملك قمبيز نزاهة القضاة فقد أصدر أمراً بأن يسلخ جلد القاضي الظالم حيـاً ويستخدم هذا الجلد لتنجيد مقاعد القضاة ثم يعين ابن القاضي القتيل بدلاً منه ولنتصور هذه الجريمة التي ترتكب باسم العدالة .. ونتيجة تعقد القوانين عند الفرس وتعقيد الإجراءات القضائية نشأت طائفة من الناس يسمّون ( المتحدّثون في القانون ) كانوا يعرضون على المتخاصمين خدماتهم في تفسير القوانين ويساعدونهم على السير في قضاياهم . الرومـــان : وإذا تابعنا قصّة نشوء المحاماة عند الرومان وجدناها صورة طبق الأصل عن مثيلتها عند اليونان والفرس ... فقد كان في وسع المتقاضين عرض قضاياهم بأنفسهم... إلاَّ أنه كان يخشى أن يغلط المتقاضي أثناء عرض دعواه ... إذ كان القانون يفرض صوراً شكلية لعريضة الدعوى .. الأمر الذي حدا بهم إلى الاستعانة برجال الدين في البداية ثم أخذوا يلجؤون إلى المثقفين بالقانون ليترافعوا عنهم .. فضلاً عن أن أكثر القضاة كانوا غير مدربين تدريباً جيداً .. ولم يدرسوا القانون دراسة خاصة فكان لابد من محامين يشرحونها لهؤلاء القضاة .. وقد أصبح كل أب يتوق أن يرى ابنه محامياً وكان علم القانون وقتئـذٍ هو المؤدي إلى الثروة والمناصب العامة .. وكان طالب القانون يبدأ بدراسة المبادئ القانونية على معلم خاص ثم يتتلمذ على يد أعلام فقهاء القانون الذين يغنون الناس باستشاراتهم وبعدها يتمرن عند محام من المحامين الذين يترافعون أمام المحاكم .. وكانت المحاكمات تمتاز بنصيب من الحرية في القول والفعل قلَّ أن تجد نظيراً لها في محاكم هذه الأيام .. وكان من حق كل طرف أن يوكل أمر الدفاع عنه لعدد من المحامين يتوازعون أدوار الدفاع فيما بينهم .. ولئن فاق شيشرون من مواليد ( اربيتوم ) في ضواحي روما في أوائل القرن الأول قبل الميلاد جميع أقرانه فصاحة وبلاغة . وكان مضرب المثل في السحر البياني .. والخطيب الأول في تاريخ المحاماة والسياسة والذي جمع ثروة طائلة من مهنته وانتخب قنصلاً بحماسة منقطعة النظير في عام ( 63 ق . م ) إلاَّ أنه لم يبلغ ما بلغه المحامي والفقيه ( بابنيان الحمصي ) علماً وفقهاً، فقد كان ضليعاً في القانون إلى درجة لقَّب بأمير الفقهاء .. ولد ( بابنيان ) في مدينة حمص ـ سوريا عام 150 م .. ودرس القانون في معهد بيروت وأصبح أستاذ القانون فيه فبلغت شهرته روما وقربه مرقس أوبليوس إليه وأسند له منصباً خطيراً .. . وعندما استلم رفيق دراسته وزميله في المحاماة سبتيموس سيفيريوس عرش روما ـ الذي كان زوجاً لجوليا ابنة كاهن حمص ـ تألق نجم بابنيان وجعله الإمبراطور أمير الحرس الإمبراطوري ومستشاراً له ومن أشهر مؤلفاته (الأسئلة والأجوبة).. اللذان امتازا بوضوحهما وإنسانيتهما وعدالتهما .. الأمر الذي حدا بجوستنيان أن يعتمد عليهما في مجموعاته القانونية التي أصدرها فيما بعد وقد عهد سيفيريوس لمستشاره بابنيان أن يعتني بالأسرة المالكة ويحفظ التضامن بين أفرادها .. وهو على فراش الموت. ولكن الإمبراطور كراكلا بن سبتيموس لم يراع وصية أبيه . إذ قتل أخاه ( جيتا ) وأراد أن يستصدر فتوى يبرر بها عمله الشائن فحاول استدراج بابنيان إلى ذلك فأبى وأجابه بما أصبح بعدئذٍ قولاً مأثوراً : (( إن جريمة القتل أخف وطأة من تصويب ارتكابها )) . فأمر كراكلا بقطع رأسه عام 212 م .. وقد عاصر بابنيان فقيهان سوريان آخران هما بولس من مواليد حمص أيضاً وبعضهم يقولون أنه من مواليد صور .. وأولبيان من مواليد صور وكان الإمبراطور الكسندر سيفيريوس رابع أباطرة روما الحمصيين يعتمد على مشورة ونصائح هذا الأخير في تدعيم ملكه .. وفي عهد هؤلاء الفقهاء الثلاثة وبدعم من أسرة سيفيريوس الحمصية الحاكمة ازدهر معهد بيروت الحقوقي وسمّي ذلك المعهد ( بالأم المرضعة للحقوق ) وهذا اللقب لم يعط لأي معهد آخر من معاهد الحقوق في الإمبراطورية الرومانية . وكانت مدة الدراسة فيه أربع سنوات ثم أضيفت سنة خامسة إن أراد التخصص .. وكانت الحقوق تدرس فيه باللغة اللاتينية. ثم لم يلبث أن تحول المعهد إلى تدريسها باللغة اليونانية التي كانت لغة العلم في الشرق .. يقول ول ديورانت في كتابه (قصّة الحضارة) .. وقد أوصل بابنيان وبولص وأولبيان فقه القانون الروماني إلى ذروته وبينما كان تنفيذ القوانين يخرّ صريعاً للعنف والفوضى فصاغه هؤلاء العلماء صياغة منطقية منسقة خالية من التناقض .. ولم يلبث هذا العلم أن هوى بعدهم في غمرة الخراب الشامل . فلســطيــن : ويشير الكتاب المقدس إلى أن المحامين كانوا معروفين زمن السيد المسيح في فلسطين حيث استعان اليهود بالمحامي ( ترثلس ) في عرض دعواهم ضد بولس الرسول(أعمال 24/1) .. ويؤكد لنا أن للروماني ميزة على غيره من المواطنين .. فلم يكن يستطاع صلبه أو جلده أو تعذيبه أو قتله دون أن يستأنف الحكم إلى الإمبراطور.. العرب قبل الإسلام ـ الحجاز : وإذا غادرنا بلاد الشام وتوجهنا نحو الجزيرة العربية نبحث عن العدالة قبل الإسلام واجهنا المثل العربي القائل : ( في بيته يؤتى الحكم ) .. فبيت الحاكم هو محكمته . وربما ضرب بعض الحكام قباباً تكون لهم مجالس يحكمون فيها بين الناس .. مع أن الذين زاروا بطراً عاصمة الأنباط في وادي موسى جنوب الأردن لا بد أن يكونوا قد شاهدوا قاعة المحكمة المنقورة في قلب الجبل . ذلك لأن للأنباط حكومة منتظمة تفوق حضارة أبناء عمومتهم في الحجاز ونجد.. فلم يكن لهؤلاء دولة بالمعنى العلمي المعروف ولم تعرف مكة ملكاً قط حتى مجيء الإسلام فالقضاء هناك في الحجاز ونجد وأواسط الجزيرة العربية لم يكن منصباً رسمياً وإنما القضاء كان أمراً يعود إلى ثقة الناس وليس القاضي بالضرورة رئيس عشيرة وإنما يجب أن يتصف برجاحة العقل وسعة الإدراك واقفاً على أعراف قومه معروفاً بعدله وإنصافه ونزاهته .. ومن حكام العرب ـ وصفة حاكم كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام وبعده غلب تعبير قاض على حاكم ـ .. أقول من حكام العرب المشهورين قبل الإسلام .. أكثم الصيفي والأحنف بن قيس وعبد المطلب وأبو طالب .. وعبد الله بن جدعان وأبو سفيان وقس بن ساعدة الأيادي .. وقد ذكر أن هذا الأخير أول من استهلَّ الخطابة بعبارة : ( أما بعد ) وأول من قال : ( البينة على من ادعى واليمين على من أنكرا ) .. وأول من خطب من علٍ و أول من اتكأ على عصا أثناء خطابته وكان أسقفا نصرانياً على نجران أما ( تاريخ مولده فمجهول .. وأما وفاته فيكاد يحصل الاتفاق على أنها قبيل البعثة ) وفي روايته أن الرسول أدركه ورآه يخطب في سوق عكاظ ويروى عنه أنه قابل القيصر فأكرمه وعظمه وأن القيصر سأله ما أفضل العلم .. ؟ قال : معرفة الرجل نفسه . قال : ما أفضل العقل ؟ . قال : وقوف المرء عند علمه .. قال : فما أفضل الأدب .. ؟ قال : اسقاء الرجل ماء وجهه .. قال : فما أفضل المروءة .؟ . قال : قلة رغبة المرء في إخلاف وعده .. قال : ما أفضل المال ..؟. قال: ما قضى به الحق . أما عبد الله بن جدعان فقد خلعه أبوه عندما كان شاباً لتهتكه وسوء سلوكه فهام على وجهه يائساً يبحث عن الموت فلا يجده .. فعثر على كنز في فج كائن في جبل.. فعاد بثروة طائلة وأحسن سلوكه فعمل بالتجارة وكسب ثقة الناس .. وأصبح من وجهاء مكة المشهود لهم بحسن أخلاقهم وعدالتهم وأخذ الحجيج يأتمنونه أسلحتهم قبل دخولهم الكعبة للطواف حولها .. وفي داره عقد حلف الفضول وحضره الرسول الكريم قبل البعثة إذ كان في الخامسة والعشرين من العمر .. وأقره ولكن عبد الله لم يدرك البعثة .. ومن القضاة من طار اسمه إلى خارج قبيلته فتوافد إليه أبناء القبائل الأخرى لما وجدوا فيه من صفات الحكم العادل والنزاهة والصدق والإنصاف في إعطاء الأحكام.. نســـاء قـاضيــات : ولم يقتصر القضاء عند العرب على الرجال بل كان النساء أيام الجاهلية قاضيات اشتهرْنَ بإصابة الحكم وفصل الخصومات وحسن الرأي . منهن صحر بنت لقمان .. وهند بنت الخس الأيادية وقيل أنها كانت تحاجي الرجال وجمعة بنت حابس الأيادي وخصيلة بنت عامر بن الظرب العدواني .. وحذام بنت الريان .. وبعد الإسلام كان من النساء عالمات بالدين يقبل الناس على دروسهن مثل ستينة بنت القاضي أبي عبيد الله الحسين الضبي .. وتكنَّى أم الواحد .. وكانت فاضلةً عالمة .. ومن أحفظ الناس للفقه على المذهب الشافعي وكانت تفتي بين العلماء وتوفيت عام 377 هـ .. وأم الفتح بنت القاضي أبي بكر .. أحمد بن كامل بن خلف بن شجر التي توفيت عام 390 هـ وأخذ عنها كثير من العلماء وكانت موصوفة بالديانة والعقل والفضل .. وأجاز الفقهاء المسلمون للمرأة أن تتولى القضاء فتقضي فيما تصح شهادتها فيه وهو أبو حنيفة .. . وجوز ابن جرير الطبري قضاءها في جميع الأحكام وقد جلست للمظالم قهرمانة لأم المقتدر تسمى ( ثمل ) .. ومما سبق نخلص أن الحكام العرب في الجاهلية كانوا يقضون حسب الأعراف ولم يكن لديهم قوانين مكتوبة صادرة عن سلطة عليا .. ومن هنا أطلق على حكام الأعراب (البدو) العارفة أي العارف بالأعراف .. وتشير كتب الأخبار إلى أن الحكام كانوا لا يفارقون الوبر أي أنهم كانوا يرتدون عباءات من وبر الإبل حين يجلسون لمحاكمة الخصوم .. ومن المعروف حتى يومنا هذا بين القبائل العربية أنه بإمكان الخصوم الاعتماد على من هو أقوى منهم حجةً وأبلغ في عرض دعواه وذلك بأن يقول لمن يثق به : (ألبستك عباءتي) .. أي أوكلت إليك أمر عرض دعواي فيتنحى هذا به ويستمع إلى قصته ويقوم بعد ذلك بعرضها بأسلوبه وبلاغته أمام العارفة ( الحكم ) . اليمــن الســعيد : ولئن كانت الأعراف تحكم الحجاز في الجاهلية فإن الموضوع مختلف جداً في اليمن السعيد هناك حيث قامت حضارة راقية ... وتشابكت العلاقات الاقتصادية فارتفع شأن العلم . وليس سد مأرب هو السد الوحيد ولا يعقل أبداً أن يكون وحيداً. فلم يدع اليمنيون وادياً يمكن استثمار جانبيه بالماء إلاَّ حجزوا سيله بسد فتكاثرت السدود بتكاثر الأودية حتى تجاوزت المئات .. وقد أثار شاعرهم .. إنَّ في موقع يخصب وحده ثمانين سداً .. وبالبقعة الخضراء من أرض يخصب ثمانون سداً تقذف الماء سائلا وهذا يدل على مقدار التقدم العمراني .. فضلاً عن القصور الفخمة ذات الطوابق كقصر غمدان وناعط وريده ... الخ . وكانت تجارة اليمن واسعة المدى حتى وصلت جاليتها التجارية إلى اليونان وهذا التقدم الحضاري واكبه تقدم قانوني .. يقول الدكتور جواد علي في هذا الصدد : إنَّ وثيقة على جانب كبير من الأهمية اكتشفت لأنها تتضمن قانوناً من القوانين الجزائية المستعملة في مملكة قتبان تعتبر في الواقع من الوثائق القانونية التي ترينا أصول التشريع وكيفية إصدار القوانين عند العرب الجنوبيين قبل الميلاد فيها روح التشريع الحديث وفلسفة التقنين .. ترينا أنَّ الملك هو المرجع الأعلى للدولة وهو وحده الذي يملك إصدار القوانين ونشرها والآمر بتنفيذها وترينا أيضاً أنَّ مجالس الشعب وهي المجالس المسماة بـ (المزود) وتتكون من ممثلي المدن ومن رؤساء القبائل والشعاب .. فإذا وافقت المجالس عليها عرضتها على الملك لإمضائها ونشرها بصورة إرادة أو أمر ملكي … ولكي يطّلع المواطنون عليها كانت تنشر هذه القوانين وذلك بتدوينها على الحجر وتوضع هذه الأحجار المدونة في مواضع بارزة ليقف عليها الناس ويفقهوا ما ورد بها .. فلا يقبل عندئذ عذر لمعتذر إذا خالفها .. وهذه الطريقة كانت بمثابة ( الجرائد الرسمية ) التي تشهر القوانين فيها اليوم وقد كانت قوانينهم تفرق في العقوبة بين القتل العمد والقتل الخطأ غير المتعمد .. وقد وصلت إلينا كتابات عربية جنوبية هي عبارة عن وثائق ملكية (سندات تمليك) تكتب على حجر في مكان بارز في واجهة المُلك ليقرأها المارة . وقد عرف أهل اليمن تقسيم الأموال إلى منقولة وغير منقولة كما أنَّ هنالك نصوصاً تتعلق بتوزيع الأرض وإيجارها واستثمارها كما كانت لديهم قوانين ضريبية جمركية . على أني لم أعثر في المراجع التي بين يدي على ما يشير إلى المحاكم وطريقة التقاضي فيها عند اليمنيين ولكني أعتقد أنها كانت متقدمة على المحاكم في الحجاز لأنَّ الحضارة وحدة متكاملة لا تتجزأ ..
العــرب في الإســلام: وقد آن لنا أن ننتقل إلى الدولة العربية الإسلامية.. حيث أضحـت منطقة الحجاز لأول مرّة خاضعة لدولة منظمة بالمعنى العلمي.. وأصبح القرآن الكريم المصدر الأساسي للتشريع فقد تناول مبادئ عامة وأحياناً متصلة في الأمور المدنية وهي أوامر ونواة في عقود البيع والإيجار و الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومواريث.. وكان التشريع كما يقول أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام (( أكثر ما يكون بمناسبة حوادث تحدث فيتحاكم المتخاصمون فيها إلى الرسول فتنزل الآية أو الآيات ناطقة بالحكم )) ويستطرد قائلاً : ( إنَّ عدد آيات القرآن نحو ستة آلاف آية .. ليس فيها ما يتعلق بالأحكام إلاَّ نحو مائتين ) .. والمصدر الثاني هو السنّة أي ما روي من حديث عن الرسول الكريم أو ما قضى به فيما عرض عليه من خصومات فكان قضاؤه في ذلك تشريعاً فقد كان النبي الكريم أول قاض في الإسلام وكان يمارسه كرجل من الرجال لا بوصفه نبياً وقد حرص هو نفسه على التنبيه على هذه الناحية إذ جاء في الحديث (إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع .. فإذا قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار).. ومن بعده مارس القضاء الخلفاء وعندما اتسعت رقعة الدولة أخذ الولاة ينقلون أعمال القضاء ثم كثرت واجباتهم ومسؤولياتهم فاستعانوا بقضاة ليفصلوا في المنازعات واحتفظ الولاة بما يعجز عنه القاضي فقد ولَّى عمر بن الخطاب أبا الدرداء قاضياً معه في المدينة . وولى شريحاً في البصرة وولَّى أبا موسى الأشعري في الكوفة ... ونستطيع التأكيد على أن مركز القاضي في الدولة العربية الإسلامية كان مرموقاً وقد تسلمه قضاة مشهود لهم بالنزاهة والعلم والمقدرة .. وكان بعض الناس يتهربون من ولايته خوفـاً على دينهم وخشية الوقوع في خطل الرأي .. فقد كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص طالباً إليه تعيين كعب بن يسار بن ظنه القضاء في مصر فأبى كعب قائلاً : (قضيت في الجاهلية ولا أعود إليه في الإسلام) .. وروى (ابن خلَّكان) أن الإمام أبا حنيفة واسمه النعمان بن ثابت أبى ولاية القضاء في الكوفة فحبسه المنصور أحد عشر يوماً وكان يضربه كل يوم عشر أسواط وهو متمادٍ في إبائه ثم تركه .. هذا التردد كان سببه أحاديث الرسول الكريم ويروى أنه قال : (قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار) .. ويروى أيضاً أنه قال : (من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين) .. وقد تولى القضاء أبو سيف الشهير زمن رشيد وكان يكرمه فدعاه قاضي القضاة .. ومن أعلام القضاة في مصر مؤسس علم الاجتماع المشهور ابن خلدون فقد عين قاضياً ويذكر أنه قام بعمله خير قيام وطهر المحاكم التابعة له من محترفي الشهادة المرتشين .. ونظم الأمور فيها بحيث أزال الفوضى .. ومنع تدخل المتنفذين وتلاعب أصحاب المصالح ونقم عليه المتضررون ووشوا به إلى السلطان فعزله وقد كان زاهداً بمنصبه وفي عام 801 هـ أعاده الظاهر برقوق إلى منصب قضاء المالكية وعزل أيضاً وأعيد . ولكنه توفي عام 808 هـ وكان يشغل هذا المنصب .. ويرى ابن خلدون أن العدوان على الناس في أموالهم والاعتداء عليها يذهب بمالهم في تحصيلها .. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقضت أيديهم في السعي في ذلك . فإذا كان الاعتداء كثيراً عاماً في جميع أبواب المعاش فإن القعود عن الكسب كذلك .. فإذا قعد الناس عن السعي كسدت أسواق العمران وتفرق الناس في الآفاق في طلب الرزق خارج البلد فيقل السكان وتخلو الدار وتخرب الأمصار ويختل باختلاله السلطان والدولة ، فالعدل عنده هو الميزان المنصوب بين الخليقة .. نصبه الرب وجعل له قيِّماً .. هو الملك ثمَّ يستطرد ابن خلدون قائلاً : ولا تحسبنَّ الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو مشهور .. بل الظلم أعم من ذلك.. وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه القيام حقاً لم يفرضه الشرع فقد ظلمه فجباة الأموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة.. والمنتدبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة وغصاب الأملاك على العموم ظلمة .. ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله ... وكان القضاء في مصر على مذهب الإمام الشافعي منذ ظهور هذا المذهب وفي عام 525 هـ عيَّن أبو أحمد ابن الأفضل أربعة قضاة يحكم كل منهم في مذهب من المذاهب الأربعة ثمَّ توالى بعد ذلك على هذا المنوال أيام الممالك .. وكان منصب الجند تارة يضاف إلى القاضي الحنفي وتارة إلى القاضي الشافعي ثمَّ انفرد الحنفي به ... وكان القضاة يجلسون للقضاء في المسجد وبعضهم في داره وأول من بنى داراً للنظر في المظالم (سموها دار العدل) نور الدين الزنكي في دمشق .. كما فعل ذلك بعده الأيوبيون في مصر وكان السلطان الأيوبي يجلس في دار العدل على كرسي ويجلس أربعة قضاة من المذاهب الأربعة إلى يمينه ووكيل بيت المال وغيرهم من أرباب الوظائف والحرس . وأول من ندب نفسه لمباشرة المظالم عمر بن عبد العزيز ثمَّ أهمل هذا العمل إلى أيام العباسيين وأول من جلس منهم المهدي ثمَّ الهادي ثمَّ الرشيد فالمأمون وآخر من تولاه منهم المهتدي بالله محمد بن الواثق وكانوا يسمعون ظلامات الناس وينصفونهم ، ومنهم من يتظلم من الولاة أو العمال أو الجباة أو كتاب الدواوين أو من أحد أبناء الخلفاء أو الأمراء أو نحوهم من أهل الوجاهة .. ممن يقبضون الأموال أو من القضاة لأنهم لم ينصفوهم في أحكامهم .. وأول من نظر في المظالم في مصر .. أحمد بن طولون . ولعلَّ خير ما أختم به دراستي هذه قصة وردت في كتاب فتوح البلدان للبلاذري ـ ( أورده محمد شهير أرسلان ) وتتلخص في أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة جاء وفد من أهالي سمرقند وشكا إليه قتيبة بن مسلم الباهلي .. بأنه دخل بلدهم سمرقند مع جيشه قبل أن يوجه لهم إنذاراً .. حسب قواعد الحرب في الإسلام فكتب عمر إلى عامله في العراق أن ينصب لهم قاضياً خاصاً فنصب لهم ( جميع بن حاضر الباهلي ) فسمع شكواهم وحاكمهم فقضى بخروج المسلمين من سمرقند وان يعود أهل سمرقند إلى حصونهم وينابذهم المسلمون على سواء فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوةً .. ولما رأى أهل سمرقند أنَّ الأمر جد وأنهم لم يشهدوا عدلاً مثل هذا العدل آثروا الإذعان لحكمهم .
حمص 15 / 3 / 1985 العدد 1624 .
|