القتـــــاد
بطل عربي اغتيل مرتين
  
 

 

اغتيل جسدياً في مدينة حمص عام /266م/ واغتاله أكثر المؤرخين فهم يمرون به مرور الكرام وخاصة أولئك الذين يؤلفون الكتب المدرسية .. يعرفونه بأنه زوج الملكة زنوبيا ، وما هي إلاّ وريثه عرشه ومالكة إمبراطوريته المحافظة على فتوحاته ..( مع تقديرنا لمواهبها وبطولاتها وفتوحاتها..). خلف لها أمجاداً. قلّما خلّف قائد مثله من القادة العرب.. حياته مملوءة بالانتصارات .. لم ينهزم على الإطلاق رغم قوة الأعداء وشدّة بأسهم ذلك هو أذينة بن أذينة ابن خيران بن وهب اللات بن نصر من بني السميدع .. والجدير بالذكر أن سكان قرى بادية الشام يتمثلون بشجاعة آل السميدع حتى الآن فيصفون الفتى الشجاع المقدام منهم بأنه ( سميدعي ) ويلفظون السين صاداً فيقولون (صميدعي ) ..
اغتال الرومان أباه أذينة وكان طفلاً فورّث الأب ابنه الأكبر
( سبتيموس خيران ) وخلال ذلك عاش صاحبنا أذينة حياة البداوة حيث تمرس على الفروسية وصيد الذئاب والأسود .. وعندما شبّ انتقل إلى قيادة الجيش والقوافل ورئاسة قبائل البادية .. وكان ممتلئاً نقمة على الرومان لقتلهم أبيه ولم يرضه ما فعله أخوه الكبير ـ الذي مالأ الرومان ـ فلما اشتدّ ساعده ، التف حوله رهط من شجعان البادية إذ رأوا فيه إمارات البطولة بادية … فكاشفهم بما قام في نفسه على الرومان فارتاحوا إلى ما ارتاحت إليه نفسه وعاهدوه على تأييده فيما يسعى إليه، فلما مات أخوه عام /258/ استلم مقاليد الأمور في تدمر ووضع نصب عينيه الثأر لأبيه من الرومان . فأراد التحالف مع الفرس ، أعداء الرومان التقليديين وحسب أن الفرصة مؤاتية ... فقد انتصر الفرس على الرومان في سنة / 259 م / واسروا القيصر (والبريانوس ) بعد خيانة قائده (مكريانوس) في معركة وقعت قرب (الرها) فأرسل أذينة رسلاً إلى (سابور) ملك الفرس حمَّلهم هدايا كثيرة وكتاباً يتودد فيه إليه ... فتجبّر (سابور) وحقّر الرسل، وطلب إليهم أن يأتي سيدهم ويداه مغلولتان إلى ظهره... وإلاَّ فالدمار لمدينته والهلاك لأسرته .. ورمى بالهدايا تحت قدميه احتقاراً لشيخ القبيلة مرسلها ... وعندما علم أذينة بما حصل لوفده جمع القبائل وجعلها تحت إمرة ابنه (هرودس) وأمر قائده (زيداً) على الفرسان وسار بجيشه قاصداً ( المدائن) للانتقام من سابور .. وأثناء زحفه علم بأنباء انتصار القائد الروماني (كاليستوس) على الفرس فغير اتجاهه ولاقى فلول الفرس قبل تمكنهم من عبور الفرات .. فالتحم بهم وتغلّب عليهم وفرّ سابور مع فلول جيشه مذعوراً أمام جحافل التدمريين .
فكتب أذينة إلى (غاليانوس) يخبره بهزيمة الفرس .. ففرح هذا كثيراً وأنعم على أذينة بلقب قائد عام على جميع عساكر الشرق وحثَّه على مواصلة الحرب لإنقاذ والده (والريانوس) من الأسر ..
تمكن أذينة من تحرير الجزيرة من الفرس و(نصيين) و(حرّان) فاستقبل وجنوده استقبالاً حافلاً ثم سار بجيوشه إلى طيسفون فخاف سابور فجمع قواته للدفاع عن عاصمته ولم يتمكن من وقف الزحف التدمري ، فحاصر أذينة (المدائن) وكاد يفتحها إلاَّ أنه علم أن (مكريانوس) القائد الروماني قد شقّ عصا الطاعة على قيصر روما وأعلن نفسه قيصراً على آسيا الصغرى ومصر والشام فاضطر اذينة إلى الرجوع إلى تدمر لاتخاذ موقف حاسم حول هذه الأحداث الجديدة .. فاستعد لمقاتلة (مكريانوس) غير أن هذا الأخير قُتل ...
فأعلن السوريون ولاءهم لأذينة وخروجهم على (كاثيوس بن مكريانوس) فسار بهم أذينة وحاصر مدينة حمص التي كان يحتمي بها (كاثيوس) .. ولما اشتـدّ الحصار على حمص قتل كاثيوس وفتحت المدينة أبوابها فدخلها أذينة عام (262م).. وبعد استراحة قصيرة توجه نحو الشمال وتعقب الفرس فقبض على عدد من (المرازبة) وأرسلهم إلى روما ودانت له بلاد الشام وآسيا الصغرى والجزيرة ودعي إمبراطوراً على جميع أنحاء الشرق وضربت نقود باسمه ورسم عليها صورة أذينة ووراءه بعض الأسرى الفرس ...
لم يكن أذينة رجل حرب وحسب بل كان رجل دولة أيضاً فقد قام بإصلاحات داخلية فمنع تعصب الوثنيين على النصارى ومنح كل دين حريته في ممارسة شعائره
الدينية .. ولأول مرة بتاريخ العالم ... ونشر الأمن في ربوع مملكته وتعقب اللصوص وقطاع الطرق وراجت سوق التجارة في أيامه وعاش الناس في بحبوحة من العيش .. ولم ينس أذينة الإهانة التي وجهها له سابور فأعاد الكرّة وقاد جيشاً سار به لمحاربة الفرس عام /265م/ قاصداً (طيسفون) عاصمة سابور فحاصرها أمداً وأبدى سابور استعداده لعقد الصلح ... فاشترط أذينة فك أسر (والريانوس) . وأثناء ذلك انتهز القوط فرصة انشغاله بحصار (طيسفون) فعبروا البحر الأسود ونزلوا بميناء (هرقلية) ثم زحفوا على (فرنجية) و (غلاطية) و (قيادوقية) قاصدين التوسع والإستيلاء على آسيا الصغرى وبلاد الشام .. ففك الحصار عن (طيسفون) وتوجه لملاقاة القوط الذين ولَّوا الإدبار عندما علموا بمجيء أذينة وعادوا إلى بلادهم فقرر الرجوع إلى العراق لفتح (طيسفون) وبينما كان في حمص لإراحة الجند أعدّ وليمة تذكاراً ليوم ميلاده حضرها قواده وكبار القوم ... وفي اليوم التالي دخل حاجبه على مخدعه فوجده جثة هامدة غارقة في دمائه وهرع لإعلام ابنه ( هيرودس ) فوجده مقتولاً كأبيه ... وهاج أهل حمص وماجوا يضربون أخماساً بأسداس يبحثون عن القاتل.. وجهوا إصبع الاتهام إلى روما التي أضحت تخشى بأسه . كما اتهمت زوجته زنوبيا بالتآمر عليه لتنفرد بالملك.. على أن المؤرخين يستبعدون ذلك لأن أذينة كان يحترمها ويشاركها شؤون الحكم ..
وبعد عدة أيام نصّب ( معن بن خيران ) نفسه ملكاً مكان عمه أذينة فتأكد الحمصيون أنه هو الذي أقدم على قتل أذينة فثاروا عليه وقتلوه ونادوا (بوهب اللات) ابن أذينة ملكاً .. وتولت زنوبيا الوصاية على ابنها لكونه قاصراً ...
ويرجع المؤرخون سبب إقدام ( معن ) على اغتيال عمه أنه كان يرى أنه أحق بالملك من عمه وإن عمه اغتصب الملك منه فضلاً عن خلافه مع عمه في رحلة صيدٍ قاما بها معاً اخترق (معن) عادات الصيد مع الملوك فقرَّعه عمه على فعلته ... ولما كررها ارغمه على الترجل فحقد عليه .
ـ يرويها تفصيلاً تاريخ حمص ـ للمرحوم الخوري عيسى أسعد ـ الجزء
الأول ... أما سبب إغفال المؤرخين ذكر أخبار أذينة تفصيلاً فيعزوه الدكتور جواد علي إلى أن الأخباريين ( هم المؤرخون العرب ) استقوا تاريخ تلك الحقبة من
مؤلفات الفرس . وبديهي أن يغفل المؤرخون الفرس بطلاً عربياً سجّل عليهم إنتصارات باهرة وهزمهم شّر هزيمة ... .

حمص ـ العدد 1584 ـ تاريخ 18 ـ أيار ـ 1984