القتـــــاد
آخر الراحــلين
  
 

 

عشت الأسبوع الماضي مأساة شعب ونكبة أمة في كتاب ( آخر الراحلين ) .. يحكي قصة رحيل الشركس (الأوبيخ) عن ديارهم إلى تركيا والشرق الأوسط بتحريض من العثمانيين والإنكليز وخيانة زعمائهم ..
(شاراخ غفادريا ) عالم لغات درس اللغات القفقاسية بما فيها اللغة الأوبيخية . غادر بلاده إلى تركيا والشرق الأوسط في مهمة علمية هدفها اللقاء بأشخاص يستخدمون في حياتهم اللغة الأوبيخية الحية بقصد إيجاد أبجدية لهذه اللغة ..
وقد التقى معمّراً عاش هجرة الأوبيخيين وكان منهم فلازمه مدة من الزمن قصّ عليه ذلك الرجل الطاعن في السن القصة من أولها .. فقد نزح هؤلاء من بلادهم في
عام /1864/ إلى تركيا إثر اصطدامات مسلحة بين القفقاس والحكومة القيصرية فاقترحت هذه الأخيرة على زعماء الأوبيخيين .. إما النزول عن الجبال والانتقال إلى سهول شمال القفقاس أو النزوح إلى تركيا .. فاختار الزعماء النزوح إلى تركيا ليسوقهم القدر بعد ذلك إلى بلدان الشرق الأوسط وكأنهم طيور خارت قواها إثر هيجان إعصار عنيف ولم تعد قادرة على التماسك والصمود معها ..
كان للأوبيخيين مطامع في الانفصال عن الدولة القيصرية فاستغلها العثمانيون والإنكليز وأخذوا يغذونهم بالمال والسلاح ويوغرون صدورهم باسم الدين تارة وبالشعور القومي تارةً أخرى وعندما استنفذت قواهم وضعتهم الحكومة القيصرية أمام الخيارين الذي ذكرت .. فشجعهم الأتراك وزينوا لهم الحياة في تركيا، ورشوا زعماءهم.. فسيق الشعب كالأغنام .. وعند وصولهم إلى الشاطئ التركي.. صعقوا ..! أرض خالية .. خاوية .. فعزت عليهم الدنيا .. عانوا من الفقر والجوع والمرض .. وتنعمّ الزعماء بالمنح التي قبضوها من العثمانيين ، ولم يبقَ أمام هذا الشعب إلاَّ السلب أو السطو وطريقهما قصير .. وأخذ يحل محل الأنفة التي يتسمون بها الذّل والعار ..
باع بعضهم أبناءهم .. عملوا في الأعمال التي لا تليق بشعب محارب أصيل.. راسلوا القياصرة ملتمسين العودة فكان الجواب: ( إن قضية الشعب الأوبيخي انتهت إلى الأبد) .. حاولوا الدخول خلسة تارة وعنوة تارة أخرى دون جدوى .. هاموا على وجوههم ففتك بهم المرض .. وبقي أمل العودة يدغدغ من بقي حياً منهم حتى الثورة البلشفية التي واكبتها ثورة كمال أتاتورك فنظّموا مسيرة جماعية زحفوا فيها نحو أنقره لالتماس العودة ففتكت بهم الكوليرا والملاريا وغيرها من الأمراض .. (من يفقد وطنه يفقد كل شيء ) هكذا يقول المثل الأبخازي ...
أحمد بن بركاي يعارض النزوح .. يحاول إيقاف المسيرة بجسده وعندما يعجز يقف على الشاطئ ويحسم الخلاف بطلقة من مسدسه تستقر في رأسه فيترنح ويهوي في البحر ..
بقي أن أقول أن العالم شاراخ أودع المخطوط والدته آملاً نشره بعد الحرب العالمية الثانية التي اشترك فيها ولكنه لم يعد ...! ونام المخطوط واحداً وثلاثين عاماً إلى أن ماتت أمه وانتقل إلى الكاتب ( باغرات شينكوبا ) الذي بوّبه وعنونه ونشره ثم قام بتعريبه د. محي الدين سيليق .. .