القتـــــاد
المؤرخ محمد جمال باروت وحركة القوميين العرب
  
 

 


صدر عن المركز العربي للدراسات الاستراتيجية كتاب للمؤرخ الأستاذ محمد جمال باروت بعنوان ( حركة القوميين العرب ) أرَّخ فيه نشأة وتطور ومصائر هذه الحركة التي لعبت دوراً فعالاً في النضال على الساحة الفلسطينية خاصة والعرب عامة، شرح فيها تشكلها منذ تأسيس ( كتائب الفداء العربي ) وتطورها ، وقد سايرها في جميع مراحلها وأيديولوجيتها ومواقفها من ما جرى على الساحة العربية من أحداث .. وحدة مصر وسورية عام / 1958 / والانفصال ـ وأحداث العراق ـ والالتحام بالناصرية ـ وتشكيل الفرع الفلسطيني ودور الحركة في اليمن والكويت ـ والثورة العمانية .. . الخ ، ثمَّ الانقسامات التي حصلت وقيام الجبهة الشعبية الديمقراطية .. . إلى آخره من الأحداث .
وبما أني لم أنتسب إلى هذه الحركة فإني لست قادراً على تقييم الوقائع الواردة في الكتاب ومدى دقتها .
إلاَّ أني أكبرت الجهد الذي بذله المؤرخ في تأريخ هذه الحركة ، والذي يعتبر تأريخاً لجزء كبير وهام من الأحداث التي مرت على الوطن العربي في النصف الثاني من هذا القرن ، معتمداً العديد من المراجع فضلاً عن الزيارات الميدانية والمقابلات الشخصية التي أجراها المؤرخ مع مؤسسي هذه الحركة والعاملين في حقلها ، وهو جهد ولا شك مضنٍ يستحق عليه الشكر والامتنان .
إلاَّ أنني شعرت أن المؤرخ الفاضل سقطت منه هفوة قلم إن دلت على شيء فإنما تدل على ما يعيش في العقل الباطن من جذور نشأ عليها البعض في طفولتهم ولم تستطع الأيام محوها ، ولا بد من التعليق عليها وليسمح أستاذنا أن أقول أني شعرت بطعنةٍ وجهت إلى قطاع تبلغ نسبته عشرين بالمائة من المواطنين العرب. ذلك حين قال في الصفحة /31/ من الكتاب وهو يتحدث عن قائد المجموعة السورية جهاد ضاحي ودوره الأساسي في تشكيل الكتائب حيث قال : (( ولد جهاد ضاحي في 24 حزيران 1928 في قرية الحفر جنوبي شرقي مدينة حمص السورية من أسرة مسيحية أرثوذكسية ( الواقع هو من أسرةٍ بروتستانتية مشيخية ) وجرياً على العادة الشائعة سمِّيَ بأحد أسماء المعمودية وهو عبد المسيح (2) وأصبح عام 1945 حين أسلم (جهاداً) وكان اختياره لهذا الاسم ذي المغازي المتعددة محكوماً بدوافع قومية أكثر منها دينية بالمعنى الضيق )) . ا . هـ .
من هذا يفهم أن جهاد ضاحي بتصميمه على الجهاد ورفعه رايته إنما خرج على أبناء ملته ( دينه ) وكأن النصارى لا يصلحون للحرب والطعان ، وإنما هما حكر على المسلمين دون سواهم من العرب ، وإن فعل أحدهم ذلك فيكون قد خرج على الأغلبية وتشبه بإخوانه المسلمين .. وهذه مغالطة تاريخية لا يجوز تجاهلها .
فالأستاذ جهاد يؤمن ـ وأنا أشاركه في هذا الإيمان ـ أن العروبة قبل المسيحية وقبل الإسلام وأن هاتين الديانتين أغنتا العروبة ، وكانتا نتيجة حضارية لها .
ولئن كان الأستاذ جهاد ـ والمسيحيون أيضاً ـ يعتقد أن الرسول العربي محمد بن عبد الله قد جمع العرب ووحدهم بعد أن كانوا قبائل مشتتة وجماعات متفرقة ، وأسس أعظم إمبراطورية في ذلك العصر أذهلت بفتوحاتها العالم فكان رجل دولة لم يعرف التاريخ قائداً يضاهيه على مر العصور . إلاَّ أن هذا لم يجعله يعتنق الدين الإسلامي لأن موضوع الإيمان والعبادة مسألة شخصية بين المرء وخالقه لا يجوز مساسها والتدخل فيها لخصوصيتها .
ونحن والمؤرخ الفاضل نعلم أن الصرح العربي تخلخل منذ صدر الدولة العباسية وبالتحديد بعد الخليفة المأمون ، فسيطر الأعاجم وتفشت الشعوبية ، وتسلط هؤلاء على الحكم ولم يعد للعرب شأن فيه وأضحوا رعايا لا مواطنين . (( وأخرج المعتصم العنصر العربي من الجيش العباسي بعد أن حله وشكل بديلاً عنه جيشاً من الأتراك عام 840 م وبعد ربع قرن من ذلك التاريخ قتل الأتراك الخليفة العباسي (المتوكل على الله) فشطروا السلطة إلى شطرين كان فيها الخليفة العربي دمية في يدهم والسلطة الفعلية يمارسها أمير الأمراء (السلطان التركي) ثمَّ ما لبثت كل حامية عسكرية من الترك أن استقلَّت بمدينة أو مقاطعة فتفككت الخلافة وسقط مفهوم الدولة والمجتمع، فتوقفت الحضارة العربية عن النمو وبدأت المؤسسات الثقافية والإدارية والقانونية بالانهيار )) (3) .
وأضحى الإسلام ويا للأسف مجالاً لاستغلال الشعوبيين برفعهم شعاراته مدة ناهزت الألف عام .
وأكبر دليل على ذلك التحالفات التي كانت تجري بين بعض الحكام المسلمين في بلاد الشام والأمراء الصليبين ، وكلاهما ـ الحاكم المسلم والغازي الصليبي ـ لا يبغي سوى حكم العرب وإبادتهم وتشتيتهم واقتسام أملاكهم حتى كاد العنصر العربي ينصهر في بوتفة الشعوبية، إلى أن قيض الله لهذه الأمة وبعد ألف سنة من الضياع رجالاً مفكرين من النصارى والمسلمين، أمثال عبد الرحمن الكواكبي وناصيف اليازجي وبطرس البستاني وغيرهم من الشاميين وخاصة اللبنانيين .
فأعادوا بكتاباتهم ومقالاتهم ونشراتهم للعروبة مكانتها وللأمة أصالتها وللقومية
عزتها وللغة فصاحتها، ولم يكن سهم النصارى إذا استعرضنا الأسماء أضعف من سهم المسلمين، بل على العكس كانوا مجلين مبدعين .
ولا بد أن أستاذنا الفاضل يعلم أن رصاص القلم أشد فتكاً ( وأكثر تأثيراً وأبلغ تعبيراً من رصاص البندقية ) .
وإذا عدنا إلى التاريخ العسكري :
فقد روى أبو يوسف قصة الاتفاق مع بني تغلب كما يلي :
( حدثني بعض المشايخ عن السفاح داود بن كدروس عن عبادة بن النعمان التغلبي أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :
يا أمير المؤمنين أن بني تغلب من قد علمت شوكتهم وأنهم بازاء العدو فإن ظاهروا عليك العدو واشتدت مونتهم فإن رأيت أن تعطيهم شيئاً فافعل ، قال :
فصالحهم عمر على أن لا يغمسوا أحداً من أولاد النصرانية يضاعف عليهم الصدقة .
وروى أيضاً أن تغلب وكانت على النصرانية ورفضت دفع الجزية قائلة : نحن عرب مثلكم لنا مالكم وعلينا ما عليكم ، وقبل ابن الخطاب بذلك واستبدلت الصدقة بالجزية، وهذا يدل على شدة بأسهم وقوة شكيمتهم .
ومن راجع التاريخ يعلم أن معاوية ابن أبي سفيان كان يقاتل بجيش قبيلة كلب التي كانت على النصرانية ، وصاهرهم ، فهي قبيلة زوجته أم يزيد ميسون بنت بحدل
الكلبي .
وكان لهذا الزواج في الإسلام أثر كبير في السياسة الأموية وفي تثبيت ملكه وملك ابنه يزيد وملك مروان بعده الذي انتصر بهم في معركة ( مرج راهط ) على القيسيين حتى قيل انتصرت كلب على قيس .
وأستاذنا يعلم أن سعيد بن العاص تزوج كلبية ، ولما علم عثمان بن عفان ذلك طلب إليه أن يزوجه أختها ، وبالفعل تزوج نائلة شقيقتها التي شهدت مصرعه ودافعت عنه حتى قطعت أصابعها .. الخ . وكان للتزاوج عند العرب أهمية كبرى في السياسة .
ومن هنا نظر سادات القوم والملوك إلى التزوج من بنات سادات القبائل الكلبية وذلك لشد عضدهم ولتثبيت ملكهم ( جواد علي ص 472 ) .
( وفي العهد الأموي شارك النصارى في الوظائف والمناصب كلها : ـ وزارات ـ قيادة جيوش ـ حكام مناطق .. . الخ .
عيَّن معاوية آل سرجون في وظائف هامة :
فوالد يوحنا الدمشقي منصور بن سرجون كان وزيراً ، ويوحنا نفسه عيِّن مربياً ليزيد ولغيره من أبناء الخلفاء ، وكان يوحنا متعصباً لنصرانيته .
وقد عين معاوية طبيبه المسيحي ابن آثال عاملاً على ولاية حمص ( فيليب
حتى 2 / 40 / اليعقوبي 2 / 265 / (( حسين العودات ص 106 )) وعيَّن المأمون نصرانياً عاملاً له ( لجمع الخراج ) في مدينة ( بوره ) .
وقلَّد ديوان الجيش في القرن الثالث الهجري لنصراني مرتين فقال علي بن عيسى لابن الفرات ( وزير المقتدر ) : أما اتقيت الله في تقليدك ديوان جيش المسلمين رجلاً نصرانياً وجعلت أنصار الدين يقبلون يده فقال ابن الفرات : ما هذا شيء ابتدأته ولا ابتدعته، وقد كان الناصر لدين الله قلَّد الجيش إسرائيل النصراني كاتبه، وقلد المعتضد ملك بن الوليد النصراني كاتب بدر ( أحمد أمين ـ ظهر الإسلام ) فقال علي بن عيسى ما فعلا صواباً ، فقال ابن الفرات حسبي الأسوة بينهما وإن أخطأت على زعمك ( أحمد أمين ـ ظهر الإسلام ـ جزء /1/ ص 83 / .
وتولي عبيد بن فضل النصراني 976 قيادة الجيش تحت إمرة عضد الدولة العباسي (آدم متز) وكان الأسد بن الميقات رئيس ديوان الجيش في العهد الفاطمي
(العودات 108). من هذه الوقائع التاريخية نخرج إلى أن السيف والقلم كانا للنصارى والمسلمين على السواء ولا أريد أن أستطرد في ضرب الأمثلة ويكفي أن أذكِّر بالشهيد رفيق رزق سلوم و جول جمَّال وغيرهم كثر، ومنهم وردت أسماؤهم في كتابه: جورج حبش و وديع حداد وقسطنطين زريق .. . الخ .
هذه همسات أردت تذكير مؤرخنا الكبير بها ، وكم أتمنى لو تحاشينا هذه الغمزات التي لا مبرر لها.
قد يتهمني أستاذنا المؤرخ بالتعصب .. أجل .. أنا متعصب لقوميتي ولأمتي كلف بعروبتي تواقٌ إلى الوحدة الوطنية رافض لكل تشتت .
والسلام
===================================================
1. الحقيقة أنه أسرة إنجيلية مشيخية ( بروتستانتية ) .
2. كان النصراني العربي يحمل اسمين في آن واحد أحدهما عربياً والآخر دينياً .
(حسين العودات ـ العرب النصارى ص 107 ) .
3. مجلة العربي العدد 463 مقالة الدكتور محي الدين صبحي ـ ( على هامش الفرقة والتشتت) .
4. العرب النصارى ـ حسين العودات ص 74 ـ أيضاً جواد علي الجزء السادس
ص 595 .
5. جواد علي ـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام الجزء الأول ص 472.


نشرت في جريدة السفير البيروتية بتاريخ 31 / 12 / 1997