القتـــــاد
بعض من عباقرة العرب
  
 

 النشرة العدد (3) لعام 1995


الإحباط الذي واجهه المواطن العربي في أواخر هذا القرن دفع به إلى التنكر لتاريخه حتى كاد ينكر على أمته كل معطياتها ويصدق ما يقوله بعض المغرضين من المؤرخين المستشرقين طعنا في تاريخ وأصالة هذه الأمة العريقة ، الذين زعموا أن العرب كانوا نقلة لعلوم السالفين من الأمم لا أكثر ولا أقل، ولم يضيفوا على تلك العلوم شيئاً من مبتكراتهم .
ولئن شوَّه بعض الغربيين الحقائق ، إلاَّ أن هناك مؤرخين انصفوا التاريخ وتكلموا بالحق ، وأرى لزاماً علينا أن نعلنهم على جمهورنا إنصافاً لهم وشكراً لصنيعهم.
وعلى سبيل المثال سأورد مقتطفات مما تحدثوا عنه .
فهذا كتاب ( تاريخ الحضارات العام ) لإدوار بروى الأستاذ في السوربون ومجموعة من المؤرخين يستهل مقولته بعبارات شاعرية :
(( وانجلى غبار الفتح ـ العربي الإسلامي ـ وصلصلة السلاح عن إمبراطورية جديدة ولا أوسع ، وعن حضارة ولا أسطع ، وعن مدنية ولا أروع ، عول عليها الغرب في تطوره الصاعد ورقيِّه البناء بعد أن نفخ الإسلام في قسم مات من التراث الإنساني القديم روحاً جديدة عادت معه إليه الحياة فنبض وشع وأسرى )).
ويضيف الكتاب الآنف الذكر قائلاً عن ابن خلدون :
(( لأول مرة في التاريخ يطلع علينا مفكر بدراسة عميقة محللة ، ناخلة للمجتمع البشري وهي دراسة يستأنس بها ويعول عليها علماء الاجتماع المحدثون اليوم ، فجاءت دراسته هذه بحثاً علمياً موضوعياً لأسس المجتمع ولنواميس تطوره ، وهذا الأثر يعد اليوم إحدى القمم التي بلغها الفكر الإنساني في الأجيال الوسطى فاق كثيراً بسموه من وجوه عدة قوة التفكير التي برهن عنها توما الاكويني )) .
أما (بركلمن ) فيقول :
(( إن ابن خلدون يحاول في مقدمته أن يرسم الخطوط الكبرى لأول فلسفة تاريخية عرفها الفكر الإنساني )) (3) .
أما العبقري الثاني الذي يتحدث عنه المؤرخون الغربيون فهو (ابن الهيثم ) ويعرف عند الأوربيين بـ (الهازن ) وكتابه ( المناظر في البصريات ) هو في نظر ( ول ديورنت ) أعظم مؤلف في العصور الوسطى بأجمعها جرى على الأسلوب العلمي في طريقته وتفكيره ، وقد درس انكسار الضوء عند مروره في الأوساط الشفافة كالهواء والماء واقترب من العدسة المكبرة قربا جعل ( بيكن وينلو ) وغيرهما من الأوربيين بعد ثلاثماية عام يعتمدون على بحوثه فيما بذلوه من الجهود لاختراع المراقب .
وقد رفض ابن الهيثم نظرية اقليدس وبطليموس الفلكي القائلة بأن رؤية الجسم تنشأ من شعاع ضوئي من العين يصل إلى الجسم المرئي . . . . وأثبت أن انكسار الأشعة في الجو يجعل ضوء الشمس يصل إلينا حتى بعد أن يختفي قرصها تحت الأفق بتسع عشرة درجة . . . . الخ .
ولولا ابن الهيثم ـ والكلام لديورنت ـ لما سمع الناس قط ( بروجر بيكن )
وها هو ذا روجر بيكن نفسه لا يكاد يخطو خطوة في ذلك الجزء الذي يبحث في البصريات دون أن يشير إلى ابن الهيثم أو ينقل عنه .
ولقد ظلت الدراسات الأوروبية للضوء حتى عصر كبلر وليو ناردو تعتمد على بحوث ابن الهيثم (4).
أما ابن رشد ويعرفه الأوروبيون في العصور الوسطى باسم (أفــروس) فقد كاد كتابه في الطب ينسى بسبب شهرته الواسعة في الفلسفة ، ولكنه في الحقيقة كان من أعظم أطباء زمانه ، فهو أول من شرح شبكة العين ، وقال أن من يمرض بالجدري يكتسب مناعة من هذا الداء . . . .
وكانت موسوعته الطبية المسماة كتاب الكليات في الطب بعد أن ترجمت إلى اللغة اللاتينية واسعة الانتشار في الجامعات المسيحية ، وقد طبعت رسالته في الجدري والحصبة باللغة الإنكليزية أربعين مرة بين عامي / 1498 ـ 1866 / وكان كتابه
( الحاوي ) من الكتب التسعة التي تتألف منها مكتبة كلية الطب في جامعة باريس
عام / 1294 / وقد وضع ( روجر بيكن) ابن رشد في المرتبة الثانية بعد أرسطو وابن سينا . (5)
ولعل القلة تعلم أن صورة ابن سينا وصورة الرازي تزينان مدرسة الطب في جامعة باريس . (6) ولا أظنهما علقتا عبثا أو لجمال سحنتهما .
أما ابن النفيس فقد اكتشف خطأ جالينوس وفنده واكتشف الدورة الدموية قبل هارفي بأربعمائة سنة وقبل سارفنيوس الإسباني بثلاثمائة سنة الذي ادعى اكتشاف الدورة الدموية والحقيقة نقلها عن ابن النفيس وادعاها .
وقد قيل بابن النفيس :
(( لم يوجد على وجه الأرض قاطبة مثيل له ، ومنذ ابن سينا لم يوجد أحد في عظمته وأوصى بدراسة التشريح المقارن لما رآه من تباين في تركيب أجسام الحيوانات(7)، والعرب ليسو تراجمة ونقلة لعلوم الأولين وحسب كما يتشدق البعض، فقد قال أبوقراط ومن جاء بعده أن الطفل في جوف أمه يتحرك بنفسه تلقائياً ويخرج بواسطة هذه الحركة من الرحم .
فجاء علي بن عباس ( المجوسي ) ليكون أول من يقول بحركة الرحم المولودة التي تدفع بالثمرة إلى الخروج بواسطة انقباض عضلاته ، وكتب عن الخراج في رحم الأم وفي حلقة عن سرطان الجوف الخلفي وتحدث قبل داروين بألف عام عن أصل الأجناس المتأتي عن الانتخاب الطبيعي .
وعارض ابن سينا قول القدامى بأن الأنسجة الطرية كالدماغ والأنسجة القاسية كالعظام لا تلتهب بتاتاً ، وقال بغلط هذه النظرية ، وكان أول من اكتشف التهابات غشاء الدماغ المعدية وميزها عن غيرها من الالتهابات المزمنة ووضع تشخيصاً لمرض تصلب الرقبة والتهاب السحايا بشكل واضح يضاهي ما يقوم به في أيامنا هذه علماء الصحة (8).
وصور ابن مسكويه صورة شاملة لمرض الجذام ( البرص ) كمرض معد . (9)
وللعرب على علم الطب فضل كبير غاية في الأهمية وهو استخدام المرقد
( المخدر ) العام في العمليات الجراحية ، وكم كان التخدير العربي فريداً من نوعه ، كما عرفوا التعقيم . ( شمس العرب ص279 )
ويقول صاحب قصة الحضارة :
(( وجملة القول أن ابن سينا أعظم من كتب في الطب في العصور الوسطى وأن الرازي أعظم أطبائها ، والبيروني أعظم الجغرافيين فيها، وابن الهيثم أعظم عظمائها في البصريات ، وجابر بن حيان أعظم الكيميائيين فيها، تلك أسماء خمسة لا يعرف عنها العالم المسيحي في الوقت الحاضر إلاَّ القليل ، وإن عدم معرفتنا إياها ليشهد بضيق نظرتنا و تقصيرنا في معرفة تاريخ العصور الوسطى (11) .
وأما ( المدينة الفاضلة ) فإنه يدهشنا لما فيه من قوة ابتكار لمؤلفه الفارابي الذي إذا أمعنا في فلسفته لوجدنا بين العرب فلاسفة من طراز روسو وآخرين من طراز
نيتشه ، فمنهم من قال أن المجتمع قام بادئ الأمر على أساس نوع من الاتفاق بين الأفراد على أن بقاءهم يتطلب قبول بعض القيود التي تعتمد على العادات والقانون ، ومنهم من سخر من هذا ( العقد الاجتماعي ) وقال أن مثل هذا التعاقد لم يوجد قط في تاريخ العالم، وأكد أن المجتمع بدأ وأن الدولة بدأت بإخضاع الأقوياء للضعفاء وتجنيدهم تحت سلطانهم، ويضيف هؤلاء النيتشيون أن الدولة نفسها أداة للتنافس وأن الحل الوحيد هو القوة، وهذه النزعة يقاومها الفارابي بحيث يدعو الناس إلى إقامة مجتمع على قواعد العقل والوفاء والحب لا على أساس الحسد والقوة والخصام (12) .
لا أريد أن أطيل فأتحدث عن العبقرية العسكرية التي أذهلت العالم ومازالت بسرعة فتوحاتها ولا عن العبقرية السياسية ، وما ذكرته غيض من فيض مما أوردوه.
بقيَ عليَّ أن ألفت النظر إلى مقولة يرددها البعض : ( إن بعض هؤلاء ليسوا من أصل عربي ) .
وردي على ذلك أن هؤلاء استعربوا والنظرية العرقية ثبت اندحارها .
وما قولكم في أن قريش بانية مجد العرب ودولتهم من العرب المستعربة وليست من العرب العاربة(13)، فضلاً عن أن هؤلاء العباقرة عاشوا في المجتمع العربي وتحلوا بأخلاقه ونهلوا من علمه ودرسوا في جامعاته وكتبوا بلغته واعتنقوا دينه، وما أظن أحداً يبحث عن جذور وأصول العلماء الأمريكان وكلنا نعلم أنهم متأمركون وليسوا أمريكيين أقحاحاً ، وجميعهم ينتسبون إلى أصول أوربية وسواها ومع هذا فإن ثمارهم للعَلَمِ الذي يرفع فوق رؤوسهم .
وبعد فأنا أصرخ بملء شدقي : هؤلاء الذين ذكرت بعض من عباقرة أمتي .

5 / 6 / 1990 ( لم تنشر )

المراجع :
1 ـ تاريخ الحضارات العام ـ ادوار بروي ـ مجلد القرون الوسطى ، الفصل الرابع ص109.
2 ـ تاريخ الحضارات العام ـ ادوار بروي ـ ص563 .
3 ـ تاريخ الشعوب الإسلامية ـ بركلمان ص338 .
4 ـ قصة الحضارة جزء 13 ديورنت ص274.
5 ـ قصة الحضارة جزء 13 ديورنت ص371 .
6 ـ قصة الحضارة جزء 13 .
7 ـ زغريد هونكه ـ شمس العرب تسطع على الغرب ص262 .
8 ـ زغريد هونكه ـ شمس العرب تسطع على الغرب ص271 .
9 ـ زغريد هونكه ـ شمس العرب تسطع على الغرب ص273 .
10 ـ زغريد هونكه ـ شمس العرب تسطع على الغرب ص280 .
11 ـ قصة الحضارة جزء 13 ديورنت ص196 .
12 ـ قصة الحضارة جزء 13 ديورنت ص207 .
13 ـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ـ جواد علي الجزء الأول .