لم تكن صدد في يوم من الأيام مملكةً كما كانت مدينة ماري أو أوغاريت أو إبلا ، ولم تكن عاصمة لدولة كما كانت دمشق للآراميين والأمويين أو كما كانت حمص وبصرى والرها وحضر . ولكنها عايشت هذه الدول وترعرعت في كنف بعضها. وقد تكون إحداها أو أقل شأن أو أكثر شأناً ولكن عوادي الزمن وصروفه قد حجبت عنا تاريخها . ومن منا يعلم تاريخ حوارين أو تاريخ حصن سليمان الكائن في جبال اللاذقية بضواحي دريكيش . بل أكثر من ذلك من منا يعلم تاريخ تدمر على حقيقته. لقد كان كثيرٌ من آثار أجدادنا مطموسة ، فهذا تل مرديخ حديث بعرفنا ، مازال الباحثون ينقبون ويترجمون الرُقم . ويبرود لم تكن شيئاً قبل العقد الثالث من هذا القرن وإذ بها صدفةً تكتشف بأنها من أقدم ثلاث مواقع سكنية في العصر الحجري في العالم . أقول أن صدد عايشت تلك الدول العريقة في القدم فقد ورد ذكرها في التوراة في سفرين من أسفارها في سفر العدد 34 / 8 وحزقيال 47 / 15 . ويرجع مؤرِّخو التوراة إلى أن هذا السفر أي سفر العدد يتحدث عن أحداث حصلت أيام موسى عام 1452 ق . م . ويرجع تاريخ أمنيات حزقيال إلى نحو 574 ق.م ، وبصرف النظر عن مدى تخيلات كتاب التوراة وأمنياتهم وادعاءاتهم فإن مجرد ورود ذكر لصدد في التوراة يؤكد أنها كانت عامرة حين كتبت التوراة وهي أقدم من ذلك بكثير . وما يدرينا أن تشاء الصدف فتكتشف لنا أسرار تاريخها ؟!. فإذا تحدثنا عن منطقة صدد وحوارين إنما نتحدث عن جزء هام من بادية الشام أو ما يسمونه بالشامية ، وصدد تقع في نهاية ما يسمى بمنطقة القلمون التي تبدأ من قرية الدريج جنوباً حتى قرية البريج شمالاً وكلنا نعرف البريج وهي القرية التي نعبرها في طريقنا من حمص إلى دمشق جنوب حسياء وشمال قارة . أما الدريج فهي قرية قرب حلبون المجاورة لدمشق . والقلمون يقسم إلى قسمين القلمون الفوقاني والذي يشمل صيدنايا ومعلولا ويبرود والنبك ودير عطية وينتهي في قرية الحفر التي
تعتبر من القلمون جغرافياً وليس بشرياً فسكانها من أصل صددي كما سيرد معنا فيما بعد . أما القلمون التحتاني فيشمل جيرود والمعظمية والرحيبة .. . الخ . ولا شك فإن مناخ القلمون وخاصة القلمون الفوقاني مناخ جيد لارتفاعه عن سطح البحر الذي يصل في القسطل إلى 1450 م وهذا الارتفاع والبعد عن البحر يجعل هواءه جافاً خالٍ من الرطوبة التي تؤذي في كثير من الأحيان . وعلى الرغم من أن صدد بالذات في أطراف القلمون فإنها ترتفع عن سطح البحر 800 م تقريباً وهذا له أثر في جودة المناخ ، يلطف من قاريته ويخفف من لفح الشمس صيفاً . ونادراً ما تصل الحرارة فيها إلى أكثر من 32 درجة مئوية خلال أشد أيام الصيف حرارة في رابعة النهار كما تهب عليها نسمات جنوبية ليلاً تجعلك تتدثر في الليالي الصيفية بأغطيةٍ وألبسةٍ من صوف ، وتهب نسمات شمالية في رابعة النهار تلطف من لظى القيظ . ولو وهبها الله الماء والأنهار واكتسبت سهوبها وسهولها ظلالاً من الأشجار لكانت خير مصيف في القطر السوري . ولمَ لا ألم يكن يصطاف خلفاء بني أمية في ربوعها أو في الربوع التي هي جزء منها . تلك الربوع التي أسميناها بالشامية ـ بادية الشام ـ أو فسمِّها باسمها الآخر ( المناظر ) ألم يكن قصر الحير في بادية الشام في المناظر ؟ . أراني قد أطلقت عليها اسماً آخر ـ على المنطقة طبعاً ـ المناظر فمن أين جاءت هذه التسمية ؟ وما هي حدودها ؟ . المناظر تشمل الشاطئ المتاخم للحاضرة في بادية الشام ربما من جيرود وحتى السخنة شاملاً تدمر والقريتين ومهين وحوارين وصدد والحفر ، والرحيبة والمعظمية إلى آخره . أما التسمية : فأبناء المنطقة يزعمون والزعم قد يكون صحيحاً وقد يكون خطأ. ـ أن أبناء هذه المنطقة يتناظرون فيقلد بعضهم بعضاً ويذهبون إلى أكثر من ذلك بقولهم انهم يتناظرون في إكرام الضيفان وفي المبالغة في السخاء وأنا أرجح رأي الباحث والمؤرخ الدكتور جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ذلك لأن جميع العرب يتناظرون في كل شيء وليس فقط أبناء هذه المنطقة . فالدكتور جواد علي يقول : ( بنى الفرس / المسالح / في المشارف المؤدية إلى أطراف العراق لحمايتها من الغزو ولتقوم بتأديب الأعراب ومراقبة حركاتهم وتجمعاتهم ولتكون الحكومة على علم بما يريدون فعله ) ( جزء 2 ص 628 ) . وتقابل هذه المسالح ما يقال له ( المناظر ) في عربيتنا بالنسبة لحماية بلاد الشام . فقد كان اليونان والرومان ثمَّ البيزنطيون قد أقاموا خطوطاً من التحصينات أسكنوا بها حاميات ألقوا على عاتقها مهمة الدفاع عن الحدود ، وهي تتكون من قلاع ومن حصون ( أبراج ) . وخطوط التحصينات هذه هي المناظر عند العرب والمسالح بالنسبة لخطوط الدفاع عند الفرس ، فهي الخطوط الأولى من خطوط الدفاع ، أما الذين يقومون بحراستها وبالدفاع عنها ، فإنهم لا يتقاضون أجراً عن عملهم ، ومعاشهم مما يزرعون بأنفسهم أو يدفع لهم من غلات الفلاحين الذين يعفون من دفع ما عليهم من استحقاق للدولة أي ما نسميه بضرائب . وينتخب هؤلاء من السكان المحليين ليكون من السهل عليهم السكن في هذه المواقع البعيدة ، وعليهم مشرفون من الفرس ( في المسالح ) أو الروم في المناظر لتوجيههم ولقيادتهم في أثناء وقوع غزو أو تحرش قبائل بهذه الخطوط . ( جواد علي ص 629 ) . لمَ لا ؟ أليس الحصن قائماً حتى الآن في حوارين شاهقاً بارتفاع يربو على العشرة أمتار بجدرانه الأربعة لم يفقد سوى السقف إن كان له في الأصل سقفاً ، وهو خير شاهد على ما يقول جواد علي ـ ومازالت بقايا البرج قائمة فحتى الآن في قرية ( الحدث ) ألم ينتهِ برج صدد في النصف الأول من هذا القرن نهاية مأساوية حيث تداعى في عام 1919 بفعل الرياح وقتل خمسة عشر شخصاً كانوا في دكان قصاب مجاور ليلة عيد المرفع ثمَّ هدم ما تبقى منه أهل البلدة في عام 1935 .. الخ . ولكن من هم سكان المناظر والقلمون والشامية . من أين جاءوا ـ ما أصلهم؟ ( إذا نظرنا إلى نتائج فحوص بعض علماء ( الأنتوبولوجي ) وعلماء الآثار وعلماء الحياة لبقايا الجماجم والعظام التي عثروا عليها من عهود قبل الإسلام وإلى فحوصهم لملامح العرب الأحياء وأجسامهم فإنها على قلتها تشير إلى وجود أعراقٍ متعددةٍ بين سكان الجزيرة العربية الأموات منهم والأحياء ، الجاهليين والإسلاميين وعلى وجود اختلاف في نفسياتهم وفي قابلياتهم العقلية الأمر الذي يجعل من الصعب على الباحث الحذر أن يعتقد بإمكان وضع صورٍ دقيقة تمثل وجود عقليةٍ واحدةٍ لجميع أولئك الناس وجذورٍ نقية في كل العصور والعهود فالآراميون تعربوا في العراق وبلاد الشام وصاروا عرباً في كل شيء . وقد وجدت البعثة الأمريكية التي جاءت من العراق للبحث عن السلالات البشرية : أن في دماء القبائل العربية حتى التي تتدعي أنها قبائل عربية خالصة نسباً ـ اختلاطاً وليست دماءً عربية صرفة ) . ( جواد علي ) . لا يمكن لأحد أن ينكر آرامية بلاد الشام على أنها لم تكن آرامية خالصة ذلك لأن بلاد الشام كانت غاصة قبل الفتح بأبناء قبائل قضاعة الذين كانوا يقفون خلف الدولة الغسانية وكان القضاعيون منتشرين في كل البوادي الشرقية لبلاد الشام وفي السهول الخصبة حول الساحل السوري وبعلبك وحمص وحماة والجزيرة وسهول بيسان ووادي الغور ) ( سليمان الخش نقلاً عن فيليب حتي ) . والآراميون بالأصل عربٌ رحَّل نزحوا من الجزيرة العربية حوالي 1500 قبل الميلاد باتجاه أواسط الفرات في شمال سورية وهناك تطور مفهومهم القومي ثمَّ تقدموا نحو دمشق في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، ظهرت الدولة الآرامية الأولى في منطقة الفرات الأوسط ثمَّ قامت عدة ممالك آرامية في بلاد الشام كان أهمها آرام صوبة ( عنجر قرب زحلة ) ثمَّ دمشق وقد تأسست مملكة دمشق في أواخر القرن الحادي عشر ق.م ، وكان الآراميون أشد أعداء العبرانيين إلاَّ أن العبرانيين انتصروا عليهم في عهد شاول . إلى أن انقسمت الدولة العبرية فعادت لدولة دمشق الآرامية مكانتها وأصبح جبل جلعاد في شرق الأردن تحت السيطرة الآرامية ( تاريخ شيزر ـ معروف رزوق ) واستطاع الآراميون نشر لغتهم وجعلها اللغة العامية التي يتخاطب بها أهل الشرق الأدنى كما أن الحروف الهجائية التي أخذوها عن المصريين والفينيقيين قد حلت محل كتابة أرض الجزيرة العربية المسمارية المقطعية ، فكانت أولاً واسطة التبادل التجاري ثمَّ أضحت وسيلة نقل الآداب وأمست آخر الأمر لغة المسيح وحروف العرب الهجائية في هذه الأيام . ( قصة الحضارة 320 ) . كما أن الفرس استخدموا في نقوشهم الخط المسماري واستخدموا الحروف الهجائية الآرامية لكتابة وثائقهم ( قصة الحضارة ) والمهم أن منطقة حمص بما فيها صدد وحتى تدمر والسخنة كانت من مملكة آرام صوبا والبعض يزعم أن صوبا هي حمص ، وأستطيع الجزم أن الآراميين انتشروا في القلمون والمناظر واختلطوا مع العرب اليمنيين . وما زال أهالي جبعدين وبخعة ومعلولا إلى اليوم يتكلمون السريانية أي الآرامية إلى جانب العربية ، وما زالت اللهجة التي يتكلم بها أهالي بلدة النبك تدل على اللكنة السريانية وذلك جليٌّ أيضاً في تخاطب أهالي السخنة ، على الرغم من أن أهالي هذه البلدان التي عددتها اعتنقوا الديانة الإسلامية . وهذا يقودني إلى التشكيك في المزاعم التي تجزم أن بلدة صدد من أصل آرامي وذلك لأن اللكنة السريانية معدومة في لغة التخاطب بينهم على الرغم من أنهم مازالوا يعتنقون الديانة المسيحية على المذهب السرياني ومازالت صلواتهم تتلى باللغة السريانية فهم أحرى بالمحافظة على تلك اللغة لو كانوا من أصل آرامي . كما أني أستبعد أن يكونوا من العرب الغساسنة كما زعم البعض الآخر ذلك لأن الغساسنة كانوا ملوكاً في حوران وامتد سلطانهم حتى حدود تدمر وربما كانت صدد تابعة لهم مرحلة من الزمن إلاَّ أن سكانها ليسوا من تلك القبيلة على الرغم من أن الغساسنة والصددين يدينون بالمذهب السرياني الذي ألصق به لقب اليعقوبي ، وحجتي في ذلك أن الغساسنة أمُّوا بلاد الشام في مرحلة متأخرة من التاريخ ( القرن الثاني الميلادي )، فقد كان ملوك حوران الجضاعمة من قبيلة سليح ، ثمَّ جاء آل جنفة الذين لقبوا بالغساسنة ، كانوا قبيلة صغيرة ومهما تصورنا عدد أفرادها فلا يمكن خلال حقبة قصيرة كالتي حكموا فيها أن يغطوا هذه المساحة الشاسعة من أراضي بلاد الشام بالسكان مهما كان تكاثرهم . والرأي الأصوب عندي أن أهالي صدد من قبيلة قضاعة وبالتحديد من عشيرة الكلبيين ، إن لم يكونوا جميعاً فالغالبية العظمى. ذلك لأن بلاد الشام ـ قبل الفتح ـ كانت غاصّة بأبناء قبيلة قضاعة كما ذكرنا آنفاً . وتشير الكتابات الآشورية إلى وجود العرب في الأراضي الواسعة الممتدة من الفرات إلى مشارف بادية الشام ويقول الكلبي أن الذي أنزل العرب في العراق هو (تُبعَ) ملك اليمن ويعدد القبائل ومنها قضاعة وطي وكلب وأياد . ويبدو من دراسة التاريخ أن لقبيلة كلب شأناً عظيماً في تاريخ العرب لعبت فيه دوراً هاماً حتى قيل : لو توحدت كلمة كلب لدانت لها العرب قاطبةً لكثرة عددها وشدة بأسها وسعة انتشارها . فهذا الخليفة عثمان بن عفان يكتب إلى سعيد بن العاص أمير الكوفة : بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد .. فإنه قد بلغني أنك تزوجت امرأة من كلب ، فأكتب إليَّ بنسبها وجمالها . فكتب إليه سعيد بن العاص : أما بعد فإن نسبها بنت ( الفراصفة بن الأحوص ) ( من كلب النصارى ) . وجمالها أنها بيضاء مديدة القامة . فكتب إليه عثمان : إن كان لها أخت فزوجنيها وفعلاً زوَّجه أختها نائلة فلما حملت إليه كرهت الغربة فأنشأت تقول مخاطبة أخاها ضبا : ألست ترى يا ( ضبُ ) بالله أنني إذا قطعوا حزناً تخبُّ ركابها لقد كان في أبناء ( حصن بن ضمضم ) قضى الله حقـاً أن تموتي غريبــةً مصاحبةٌ نحو المدينةِ أركبا كما زعزعت ريحٌ يراعا مثقَّبا لك الويل مايغني الخباءَ المطنبا بيثربَ لا تلقين أمـاً ولا أبــا ( الملوحي ـ الحب بين المسلمين والنصارى ) وهي التي شهدت مصرع عثمان ودافعت عنه حتى قطعت أصابعها ، ثمَّ بعثت بأصابعها مع قميص عثمان إلى معاوية في دمشق . وهذا معاوية ذاته يصاهر قبيلة كلب ويتزوج ميسون بنت بحدل التي كانت نصرانية سريانية مثل قريبتها نائلة مكرهة وطلبت منه الطلاق فأبى عليها ذلك إلى أن سمعها تنشد : لبيت تخفق الأرواح فيه ولبس عباءةٍ وتقرَّ عيني وكلب ينبح الطراق دوني وخرقٌ من بني عمي نحيفٌ أحبُّ إليَّ من قصرٍ منيفِ أحبُّ إليَّ من لبس الشغوفِ أحبُّ إليَّ من قط أليفِ أحبُّ إليَّ من ( علج ) عليفِ
فطلَّقها ويقال أنها ولدت ابنها يزيد في البرية وقد تزوج يزيد ابنة حرين بن عبد الملك شقيق الأكيدر ملك دومة الجندل الكلبي . ثلاثة خلفاء ووالٍ يتزوجون من هذه القبيلة . زواجاً سياسياً يلفت النظر ويدل على مكانة هذه القبيلة بين القبائل . وبالفعل فإن قبيلة كلب ساندت معاوية وابنه يزيد ثمَّ المروانيين ( فهي الهامة بالنسبة لمعاوية لأنها درجت منذ زمن بعيد وتعودت أن ترى ملوكاً وجباة وتنخرط في الجيش وأن تقاتل عما يقاتل عنه ملوكها كما تعودت السكن في المدن وتبني القرى وتنشئ المزارع منذ قرون ( الخش عن جواد علي ) . ومن المعلوم أن كلب من قضاعة وقضاعة من القبائل اليمنية . ويختصر لنا المرحوم سليمان الخش ما جاء في تاريخ الدول العربية فالهاوزن : فيقول ( في وسط سورية كانت الغالبية / لكلب / ولقبائل قضاعة وأزد ولم تكن مظاهر الدولة المنظمة، ولا روح الطاعة الحربية والسياسية معانيَ جديدة عليهم . وكانت لهم أسرة قديمة من الأمراء دانوا لها بالطاعة دهراً طويلاً ثمَّ آلَ ما تعودوه من الطاعة إلى معاوية باعتباره الوارث الشرعي لأسرتهم السابقة ... وقد أثبتوا أنهم كانوا من الناحية الحربية يفوقون العرب جميعاً ) . ويضيف الخش : لقد ضمنت ( لمعاوية ) هذه القبيلة بمن يلتف حولها من القبائل اليمنية ، الصمود في وجه جيش علي ، كما ضمنت له السيطرة على أرجاء الدولة أثناء توليه الحكم ، وعندما بايع ابنه يزيد الخلافة بعده كان ( حسان بن مالك بن بحدل ) الكلبي وراء هذه البيعة التي رفعت ابن أخته إلى سدة الحكم . ويروي البلاذري أن ( حسان بن مالك بن بحدل ) أبى مبايعة ابن الزبير عندما تنازل معاوية بن يزيد عن الحكم حيث حسمت معركة مرج راهط لمصلحة المروانيين بقيادته وعرفت هذه المعركة بمعركة ( قيس ) و ( كلب ) : ( أفي الله أمَّا بحدل وابن بحدلٍ فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل )
لا أريد الاستطراد في هذا الصراع القبلي الذي حسم كثيراً من الأمور وكان سبباً في تفكك الدولة العربية وانحلالها وإنما الذي قصدته هو التأكيد على أن سكان المناظر كانوا غالباً من اليمنيين وليسوا من المضريين . فهؤلاء تابعوا مسيرتهم إلى مصر والمغرب جيوشاً فاتحة أما اليمنيون فقد كانوا مستوطنين في بلاد الشام واستمروا في استقرارهم فيها . كانوا أهل حضارةٍ وانتظام . وقبل ختام هذا الصراع لا بد من التأكيد على أن عرب الشام أخلصوا للأمويين حتى بعد أن زالت دولتهم ، فيروى أن تعرض رجل للمأمون بالشام مراراً فقال له : ( يا أمير المؤمنين : انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خرسان فقال : / أكثرت عليَّ يا أخا أهل الشام ، والله ما أنزلت قيساً من ظهور الخيل إلاَّ وأرى أنه لم يبقَ من مالي درهم واحد ، وأما أهل اليمن فالله ما أحببتها ولا أحبتني قط ، وأما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من أشياعه ، وأما ربيعة فساخط على الله منذ بعث نبيه في مضر ، ولم يخرج اثنان إلاَّ خرج أحدهما ثائراً ( كرد علي ـ خطط الشام جـ 1 ص 189 ) . وقبل ذلك في الجاهلية كان لقبيلة كلب التي مركز زعامتها ( دومة الجندل ) وهي على سبع مراحل من دمشق في الطريق إلى يثرب لها سور منيع شاهق ـ كان لها نفوذها وكان القرشيون يأمنون على قوافلهم عندما يمرون بأرضها نتيجة تحالف قريش مع تميم وتحالف هذه مع كلب . كما كانت ملجأ للقبائل المغلوبة ، فلما تحاربت أفخاذ طي مع بعضها وغُلبت جديلةُ لجأت هذه إلى كلب وحالفتهم وأقامت معهم . ويروي صاحب معجم البلدان ياقوت الحموي : أن مالك بن علي بن سالم الذي كان والياً على قلعة جعبر نزل ليتصيد فأسره بنو كلب وحملوه إلى نور الدين الزنكي الأمر الذي يدل على استمرار سطوتهم وقوتهم حتى العصور الوسطى . ويحدثنا ياقوت الحموي نفسه عن القريتين قائلاً : إن جميع سكانها نصارى وإليها ينسب خالد بن سعيد الكلبي ، ومن القلمون التي بدمشق بحتري بن عبد الله بن سليمان الكلبي من أهل القلمون في قرية الأفاعي . ويرجع عبد المعين الملوحي بديك الجن إلى قبيلة كلب حيث يترجمه قائلاً : عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي المعرف بديك الجن أصله من سلمية قرب حماة . حتى بلغ به الفخر بقبيلته حدَّ المبالغة فقال : كلب قبيلي وكلب خير من ولدت حواء من عربٍ غرٍّ ومن عجمِ
أردت من هذا التعداد أن أدلل على أن الكلبيين كانوا منتشرين في المنطقة التي هي موضوع حديثنا .. فإذا قررنا أن سكان صدد خليط من الآراميين والعرب اليمنيين وعلى وجه التحديد من القضاعيين والأرجح من الكلبيين ، إلاَّ أن هذا الاختلاط قديم الجذور في التاريخ ، ومازالت حتى الآن عائلة في صدد يقولون لهم القضعان . لا يتجاوز عدد سكان صدد اليوم العشرة آلاف نسمة وهي تبعد عن مدينة حمص ستين كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي وعن مدينة دمشق مائة وعشرين كيلومتراً إلى الشمال . يدينون بالديانة المسيحية على المذهب السرياني الذي سماه خصومه باليعقوبي نسبة إلى أحد أحبارهم يعقوب البرادعي المذهب القائل بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح . وذلك القول الذي شقَّ الكنيسة المسيحية في عام 449 م في المجمع الخلقدوني فقال أسقف سورية وأسقف مصر بالطبيعة الواحدة وقال الخلقدونيون بالطبيعتين فانفصلت مصر وسورية عن الكنيسة الرسمية التي أطلق عليها الكنيسة الملكية ونظراً لقرب سورية من عاصمة بيزنطة ( القسطنطينية ) فقد لاقى السريان في الشام الأمرِّين فهدمت بيعهم وكنائسهم وقتل الكثير من أحبارهم على يد القياصرة البيزنطيين ومات غيرهم من شدة الاضطهاد ولم يبقَ للكنيسة السريانية سنة 544 م سوى ثلاثة مطارنة إلى أن شمر يعقوب البرادعي عن ساعد الجد وجال في الكنائس فرسم سبعة وعشرين مطراناً ومئات الكهنة والشمامسة ولذلك أطلق البيزنطيون على السريان تسمية اليعاقبة نسبة ليعقوب البرادعي هذا . إن الإرهاب البيزنطي الذي مورس على رجال الدين السريان وعلى الشعب الذي يدين بهذا المذهب كان له نتيجتان في البداية انبثقت عنهما نتيجة ثالثة فيما بعد : الأولى : أن أكثرية أبناء الحاضرة والساحل في بلاد الشام تخلو عن المذهب السرياني واعتنقوا المذهب الملكي البيزنطي . الثانية : أن المسيحيين العرب القاطنين في سيف البادية استمروا في تمسكهم بالمذهب السرياني كأهالي صدد وحوران والأمر ذاته بالنسبة للقبائل العربية التي كانت تعيش في الجزيرة الفراتية وماردين وديار بكر . الثالثة : اتجه رجال الدين الرهبان السريان نحو البادية مبشرين القبائل العربية بالنصرانية وعلى المذهب السرياني ( اليعقوبي ) وأقصد بادية الشام ثمَّ الحجاز وحتى اليمن وقصة أهل الأخدود ونجران معروفة لدى الجميع ولا شك أن الحميريين كانوا يدينون بهذا المذهب أما العراق وباديتها فقد غلب على نصرانيتها المذهب النسطوري الذي انشق عن الكنيسة قبل الانشقاق الخلقدوني بعدة سنوات . واتجاه التبشير بالنصرانية لدى القبائل العربية ليس حديثاً ، فجذوره واردة في الكتاب المقدس ، فعندما هرب بولص الرسول من دمشق قصد بلاد العرب الحجرية أي مملكة الأنباط في وادي موسى في الأردن ولا شك أنه قام بمهمة التبشير بالديانة الجديدة التي يحملها بين جنبيه .. ويقول الدكتور جواد علي : وطبيعي أن يكون انتشار النصرانية في بلاد الشام واضحاً ظاهراً أكثر منه في أي مكان آخر فدخلت في سليح والغساسنة وتغلب وتنوخ ولخم وإياد وكندة ، وينقل عن اليعقوبي : ( وأما من تنصر من أحياء العرب فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى ومنهم عثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل بن أسد. ومن بني تميم : بنو امرئ القيس بن زيد مناة ومن ربيعة بنو تغلب ومن اليمن طي ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان . إلى أن يقول : دخل سادات القبائل والحكام في الديانة النصرانية فصاروا نصارى ولكنهم لم يأخذوا بنصرانية الروم بل أخذوا نصرانية شرقية مخالفة لكنيسة ( القسطنطينية ) مذهباً لهم ، نصرانيةً متأثرة بالتربية الشرقية وبعقلية شعوب الشرق الأدنى . والنصرانية التي شاعت بين عرب الشام هي النصرانية اليعقوبية وهو مذهب اعتنقه أمراء غسان وتعصبوا له ودافعوا عنه وجادلوا رجال الدين في القسطنطينية وفي بلاد الشام والذبِّ عنه . ويذكر أن التغالبة كانوا يحملون راية القديس سرجيوس مع الصليب تبركاً وتيمناً بالنصر أثناء حروبهم . ويروى أن قبيلة تغلب الساكنة غرب الفرات كادت أن تفر إلى بلاد الروم عندما فتحت بلاد الشام والعراق أمام المسلمين ولما خيرت بين البقاء على دينها ودفع الجزية وبين الدخول في الدين الإسلامي أنفت دفع الجزية لأنها اعتبرتها إهانة من عربي توجه إلى عربي فرضيت بدفع ضعف الصدقة التي تؤخذ من المسلمين في كل سائمة وأرض . كما نزحت إياد إلى بلاد الروم ثمَّ عادت فنزلت بلاد الشام والجزيرة وانضمت إلى إخوانها في الجنس . وكان في الجاهلية أساقفة عرفوا بأساقفة الخيام حيث كانوا يتنقلون بين القبائل مبشرين بالنصرانية ، ولم يكن ذلك سراً بل شائعاً ومعروفاً فقد أوردت لنا كتب التاريخ شواهد كثيرة فهذا الخليفة أبو بكر يشيِّع يزيد بن أبي سفيان عندما وجهه لفتح بلاد الشام ، يشيعه إلى ما بعد ربضْ المدينة فقال له يزيد إما أن تركب وإما أن أنزل . فقال : ما أنت بنازل وما أنا براكب إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله ثمَّ قال : إنك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما حبسوا أنفسهم له ( يعني الرهبان ) ثمَّ قال لا تغدر ، ولا تمثل ، ولا تقتل هرماً ، ولا امرأة ، ولا وليداً ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيراً إلاَّ ما أكلتم ولا تحرقنَ نخيلاً ولا تخربن عامرة ، ولا تغلّ ولا تجبن ، والغلول ( الخيانة في المغنم ) ( كرد علي ص 113 ) . النتيجة الأخيرة التي حصلت بسبب الاضطهاد البيزنطي للمذهب السرياني ( اليعقوبي ) هو التحام العرب النصارى وخاصة قبائل بلاد الشام مع إخوانهم العرب المسلمين أثناء الفتح الإسلامي ، الأمر الذي سهل مهمة الفاتحين كثيراً . والتحابب والتوادد بين المسلمين والمسيحيين جذوره عميقة منذ البعثة المحمدية ذلك أن الهجرتين الأوليتين للمسلمين من مكة كانتا موجهتين نحو الحبشة وقد باءت مساعي مشركي قريش في طرد المسلمين منها بالفشل . وعندما مات النجاشي صلى عليه الرسول ( راجع الملوحي ، الحب بين المسلمين والنصارى ) ... إذا صدد مازالت تدين إلى الآن بالمذهب السرياني وتشتهر بكثرة كنائسها ـ عشر كنائس قائمة الآن ـ وفيها تل مصطنع ولا يعلم إلاَّ الله ما تحته ، وقد أشرنا إلى برجه المنهار منذ مطلع حديثنا . كان هذا البرج مستطيل الشكل طوله عشرة أمتار وعرضه ثمانية وارتفاعه عشرون متراً مبنياً على شكل طوابق لها نوافذ صغيرة مستطيلة وكان مبنياً بأحجار طول الحجر 2 ـ 3 م وعرضه 2 ـ 3 م وكذلك ارتفاعه . ولربما كان هناك اتصال بين البرج والتل بواسطة نفق يصل بين التل والبرج كما يقال أن البرج يحوي داخله بئر ماء. وقد اكتشف كهف في دار مخلوف حوى هياكل عظمية وبجانب كل هيكل إبريق وصحن من فخار . فضلاً عن ذلك فإن هناك منطقة تدعى النواويس ومعناها المقابر وجد فيها تابوت حجري ... الخ . وأعود وأقول لربما الصدف تكشف لنا شيئاً من الآثار التي تغني الباحث في المستقبل وقد يطرح السؤال نفسه اليوم لماذا لم تزدهر هذه البلدة ومازالت محدودة السكان حتى الآن رغم هذا العمر الطويل الذي مرَّ على إنشائها ؟؟! . إن للقحط وقلة الأمطار الحظ الأوفر في تفسير هذا الأمر ، ويبدو أن الطبيعة لم تكن قاسية بهذا الشكل ، فالمنطقة كانت عامرة بموارد المياه .. صدد ، مهين ، الحفر ، حوارين ، الحدث ، الغنثر ، القريتين ، الجباه ، والكمكوم ... الخ . كلها بنيت على موارد المياه وكانت هذه الموارد تكفي للشرب وسقاية بعض الأشجار والمزروعات على أن هذه الموارد وعلى الأقل على المدى المنظور من التاريخ لم تكن كافية للعيش فكانوا يرفدون رزقهم بزراعة الحبوب في الأراضي البعلية وينتظرون ما تجود به الطبيعة عليهم من الأمطار فإن سخت جادت أرضهم وإن أجدبت حرموا حتى من البذار الذي نثروه في تلك السهوب . مورد آخر ابتدعوه فتحولوا إلى الصناعة ، صناعة العباءات التي يحتاجها الفلاح والبدوي في آن واحد وهم على احتكاك بالبادية وبأبنائها . وكثيراً ما كانوا / وأظن أن بعضهم إلى اليوم / يتخذون من أبناء البادية شركاء لهم في تربية الأغنام ويودعون له هذه المواشي ويتولى البدوي تربيتها ويتقاسمون غلالها في المواسم ، وأحياناً يغدر البدوي فيشرِّق أي يتوغل في البادية ولا يعود أو يعود مدعياً أن عوادي الزمن قد قضت على مواشيه مختلقاً الأسباب بعضها : ( أكلها الذئب ، والأخرى قد وقعت في قدر الحليب والثالثة مقطوع منها النصيب ) .. هذه الحياة القاسية دفعت ببعض أبناء صدد إلى الهجرة داخل القطر السوري وخارجه ، استوطن بعضهم على نبع ماء قريب منها وعلى أنقاض قرية بعيدة بائدة وربما كان اسمها ( دنبا ) بنوا قريتهم وأسموها الحفر لم يكن الحصول على الماء سهلاً فقد أعادوا حفر الأقنية القديمة التي يرجع عهدها إلى العهد الروماني . وأنشأ الآخرون قرى أخرى منها : زيدل وفيروزة والفحيلة ومسكنة وأم دولاب ... الخ . وهاجر بعضهم إلى لبنان وأقاموا فيها فكان لهم شأن في الحياة العامة هناك ـ الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية . فصاحب كتاب ( أصدق ما في تاريخ لبنان ) المؤرخ فيليب طرَّازي أفرد خمسين صفحة من كتابه يعدد فيها العائلات اللبنانية ذات الأصل الصددية. وأورد أسماء سبع بطاركة موارنة وأكثر من أربعين أسقفاً من الجذور الصددية كما عدد أسماء العائلات ذات هذه الجذور . ) آل الهويدي وشدياق والسماعنة وشقير والكرملي وعواد ومطر وبركات وشقير والحاج وطراد وشمعون وغيرهم ..( . يؤكد صاحب ( تاريخ وسير ) الأسقف مخائيل جميّل أن الشيخ ناصيف اليازجي وولده ابراهيم اليازجي مترجم الكتاب المقدس من أصل صددي إذ هاجر أجداده منها . ولا بد لي من الحديث عن اللغة واللهجة التي يتخاطب بها أبناء صدد وهي أقرب لهجات القطر السوري إلى العربية الفصحى . فالأحرف اللثوية تنطق من العامة سليمة فصيحة فلا يمكن أن يقلب ابن صدد أو القرى المنبثقة عنها الثاء سيناً أو الذال زيناً أو الظاء زاءً كما أن تشكيلهم للحروف قويماً أيضاً وهذا ما تنفرد به هذه البلدة دون غيرها من المدن والقرى الكائنة في غربها . فالصدديون يقولون مَدْرَسَة ومَحْرَمَة وبَصَلَة بينما يقول الحمصيون مدْرْسة مَحْرْمة بَصْلْة . أما الإمالة في قولهم نحن وأنا..الخ . فهي إحدى لهجات القبائل العربية وإحدى قراءات القرآن السبع وأظن أن الإمالة متأتيةٌ من جذورهم اليمنية . حوارين
تقع حوارين على بعد خمسة عشر كيلومتراً من صدد شرقاً وهي حالياً قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثة آلاف نسمة ذات هواء عليل تغنى به الشعراء : يا ليلةً ليَ بحوارين ساهرةً حتى تكلم في الصبح العصافير
ويقول الراعي : أنحن في حوارين في مُشْمَخِرَّةٍ يبيت ضباب فوقها وثلوجُ
وقد سكنها منذ القديم كغيرها من المناظر الآراميون والعرب ويبدو أن الآرامية بقيت جلية إلى زمن متأخر وقد عاب الحجازيون من يناسبهم . فقال زفر بن الحارث يهجو عمرو بن الوليد بن عقبة : نبأت ، عمرو بن الوليد يسبني وكل معيطي إذا بات ليلةً عليك بحوارين ناسبْ نبطها وعمرو أستها للصالحين سبوبُ إلى شربةٍ بالرقمتين طروبُ فمالك في أهل الحجاز نسيب
ولقد فتحها خالد بن الوليد عام 13 للهجرة وهو في طريقه من العراق إلى اليرموك بعد أن اجتاز أرك ودومة الجندل وقصم وتدمر والقريتين وبعدها تابع إلى مرج راهط شرقي غوطة دمشق ( كرد علي ج 1 ص 114 ) . أما الآثار الباقية حتى الآن فهي الحصن ويبلغ طوله ثلاثين متراً وعرضه خمسة وعشرين متراً وارتفاعه عشرة أمتار له باب حجري صغير ( خوخة ) . إذا أوصدته ووضعت خلفه بحصة صغيرة استعصى فتحه من الخارج . وكنيسة جعارة ما زالت أكثر جدرانها قائمة ومساحتها تقدر بستمائة متر مربع والحصن والكنيسة قائمتان داخل المعمورة ولكنها في طريق الانهيار والمتفحص يلحظ أن الجدران بنيت بحجارة استعملت سابقاً كالأعمدة وقواعدها . مما يدل أن البناء الحالي جدد على أنقاض معبد سابق وبحجارته . ويروي المؤرخون أن الرومان لاحظوا خروج المنذر ملك غسان على طاعتهم فأصدروا أمراً سرياً إلى حاكم الشام ( ماكنوس ) صديق المنذر بالعمل على قتله وصادف ذلك أن دعيَّ ماكنوس على تدشين كنيسة في حوارين فكتب يدعو صديقه المنذر إلى ذلك الاحتفال وعند مثوله للدعوة قبض عليه وأرسله مخفوراً إلى القسطنطينية حيث أجبر على الإقامة فيها مع إحدى نسائه وبعض أولاده وبناته وذلك في عهد القيصر طباريوس عام 582 م ثمَّ نفيّ إلى صقلية . وبعد رحيل ماكنوس عن حوارين هاجمها النعمان بن المنذر واستولت عساكره عليها وقتلوا بعض أهلها وأسروا قسماً من الباقين ثمَّ عادوا بغنائم كثيرة إلى البادية للاحتماء بها من هجمات الروم . هذا كل ما يذكره المؤرخون عن حوارين مما وقع بين يدي . إضافة إلى أن الخليفة يزيد كان يصطاف بها لأنها مرابع أخواله الكلبيين وبها مات عام 64 للهجرة فإذا تركناها وتوجهنا إلى الشمال بخط مستقيم وعلى بعد خمسة عشر كيلومتراً نمر خلالها بالحدث والغنثر اللتين لهما ذكر ضعيف في التاريخ والمؤكد أنهما كانتان معمورتين بدليل ما يجده أبناء المنطقة من قطع أثرية . نصل إلى حمام ( أبو رباح ) وهو عبارة عن عدة فوهات بركانية تبعث غازاً حاراً بني على إحداها غرفة يستحم الناس فيها بحيث يستحضرون الماء ليخففوا من اللظى الذي تبعثه تلك الفوهة البركانية ويقوم إلى جانب الحمام آثار رومانية يبدو أنها كانت صهاريج للماء الذي كان يأتها من منبع اللبوة على ما يزعمون . وكانت زنوبيا تستجم في ذلك الموقع .. ولا بد من نقلكم إلى موقع آخر يبعد عن صدد عشرة كيلومترات شمالاً . حيث قضى زين الشباب الحمداني ، فقد كان أبو فراس شاعراً وأميراً له مطامع في إمارة حلب إذ كان أبوه والياً على الموصل الذي قتل غدراً ، وفي إحدى المعارك أسره الروم وتباطأ سيف الدولة في فدائه لأنه كان يتريب طموحه وزهوه وشجاعته ثمَّ افتداه وبعد موت سيف الدولة تولى إمارة حلب ابنه أبو المعالي سعد الدولة وهو ابن أخت أبي فراس فثار أبو فراس على أبي المعالي فوجه إليه جيشاً بقيادة قرغويه ودارت معركة بين الجيشين في ذلك السهل فخرَّ جريحاً ثمَّ أجهز عليه قرغويه وقتله عام 357 هجرية وكان آخر شعره وهو يحتضر : أبنيَّتي لا تحزني أبنيّتي صبراً جميلاً نوحي عليَّ بحسرةٍ قـولـي إذا نـــاديتــــني زين الشباب أبـو فـــــراسٍ كل الأنام إلى ذهابُ للجليل من المصاب من خلف سترك والحجاب و عيـيتُ عـن ردّ الجـواب لـم يمــتع بالشبــــاب وبقي مثواه تتناقله الأجيال فيقولون مررنا بقبر الأمير . لقد طفت بكم في المناظر وتنقلت معكم بين القبائل وأغفلت الكثير الكثير لأن المقام لا يتسع فإن راقكم ما عرضت فلكم الشكر وإلا فمنكم العذر والسلام ..
ألقيت في المركز الثقافي في حمص بتاريخ 9 / 10 / 1993 .
|