القتـــــاد
حنين إلى مرابع الطفولة
  
 

 

كلمة ألقيت في الحفل الذي أقامته الرابطة الحفرية في حمص بتاريخ 27 / 12 / 1991 .

يا اخوتي يا أحبائي يا أبناء قريتي :
يا من جبلت وإياكم من تربة واحدة وعشت معكم اجمل ذكرياتي ، يا من ترعرعت وإياكم ،لكم في قلبي أعزَّ مكان .
و لئن عزَّ علينا اللقاء في مرابع قريتنا فقد أتاح لنا نخبة من رجالنا هذا اللقاء. الذي يحمدون عليه ويشكرون . كان هدفهم الوفاء للداتهم وأترابهم و أبنائهم وبذلك أسبغوا علينا فضلاً ومنَّة و بعملهم هذا إنما يعبرون عن أصالة المنبت و صدق العاطفة. و في رأيي أن الذي يتنكر لقريته وعشيرته و مرابع طفولته لا يكون مواطناً صالحاً فهذه المواضيع لا تتجزأ. لقد أحيا هؤلاء الرجال في نفسي ذكريات عزيزة على قلبي. محببةً على نفسي . منذ نعومة أظفاري و مازلت حتى اليوم أفخر بها واعتز .
من مآثر قريتنا الصغيرة الرابضة في بادية الشام أنها استطاعت مقارعة الغزاة وقطاع الطرق . تحمي حماها يوم كانت الدولة غائبة في العهد العثماني وعهد الانتداب .
ومن مآثرها أنها وطدت العلاقات الحميمة مع جيرانها فكانت و ما زالت محبوبة من أبناء القرى على اختلاف مشاربهم و مذاهبهم فعاشت قريتنا معهم حياة رغيدة معززة مكرمة .
ومن مآثرها أنها نهلت العلم من أوائل هذا القرن وكانت رائدة في المنطقة . فانتشر أبناؤها سفراء ينشرون العلم في القلمون وفي كافة أنحاء سورية .
أما الطبيعة وقسوتها والمناخ وقلة الأمطار وقحط الأرض فلم تكن حائلاً بينهم وبين الكسب ، فأدخلوا الصناعة إلى بيوتهم وما من منزل يخلو من نولٍ أو نولين ينسجون العباءات التي لها سوق رائجة في محيطهم ، ولعمري أن دخول الصناعة إلى القرية ضرب من ضروب الحضارة .
صحيح أن أرز لبنان أجمل من جبل الحفر وقمة ( مزهر ) وصحيح أن غابات الفرنلق أمتع من سهل الكودن والطوافيح وصحيح أن الزيتون واللوز والبرتقال أكثر مورداً من الشيح والقيصوم والحرمل ولكن ليس صحيحاً أن الذين يعيشون في تلك البقاع الجميلة أكثر حباً وتعلقاً بوطنهم من أبناء الحفر فنحن على الرغم من قسوة الطبيعة وبخلها نتمسك بها ونتعلق بجذورنا وبمدارج طفولتنا ولن نرضى عن ثراها لرفاتنا بديلاً.
ستون عاماً مرت من عمري عايشت أبناء قريتي ، جالست الكهول ، والشيب ولعبت مع الأطفال والأحداث وبقيت وسأبقى أحفظ لهم الود والمحبة والشوق ، ولربما يظن البعض أن الستين تنسيني إياها ( وكيف أنساها وقلبي لم يزل يخفق جنبي )
إنها الحفر ( إنها قصة حبي ) .




27 / 12 / 1991 .