إذا كان الشعر يقاس بالكم فعدنان قرجولي لا يعتبر شاعراً . وإذا كانت الشاعرية بالكيف فهو شاعر كبير . لم أقرأ له شعراً مقفى ، ولا قصيدة عامودية . ولست أدري إذا كان يحسن هذا الضرب من الفن . وكل ما أعرفه عن إنتاجه كتيب صغير صدر عام 1985 لا تتجاوز صفحاته الستين . تتناثر فيه أشعاره إذا صحَّت التسمية بل أفكاره ، التي يرسلها دون تكلف . فيها صورة من روحه الشفافة يتألق فيها دون مواربة. يقحمك في أعماقه ، فتراه صافياً كصفحة ماء لا غموض ولا إبهام . وهذه من مزاياه ، التي عرفها به أصدقاؤه ومعارفه وزملاؤه ، لا يعرف الالتواء يدخل البيوت من أبوابها . قد يؤذيك في نقده فتنفر منه ، لتعود إليه في اليوم التالي وقد جذبك نقده ، وحدا بك للبحث عنه من جديد . والتلهف لنكاته اللاذعة . وروحه المرحة. عدنان قرجولي ، من أهالي دمشق ، وهو محامٍ متقاعد ، قصير القامة نحيل الخصر أسمر اللون مائل للسواد . الوسامة تعرف طريقها إلى قسمات وجهه . فإذا أردت التعرف عليه فما عليك إلاَّ الاطلاع على كتابه ( شرفات للأفق العالي ) . يقول في الصفحة 4 ( إنَّ الذي حمَّلنا أمانة الكتابة قد منحنا حق الغضب ) . فهو يرى أن ( الحب والنضال أمران لا يؤسف معهما على شيء ) . ولكنه يحذر : ( إذا كنت لست واثقاً فلا تنزل الحلبة . إذا لم تكن مستعداً للتضحية فتجنب الاقتراب من الشمس . إذا كنت لست مؤمناً بقضيتك فتنحَّ عن المسيرة . إذا كنت لا تتحمل المطرقة لماذا كنت سنداناً . مادامت لك قدمان عاثرتان لِمَ مشيت مع الطلائع ) ( ايكار ) ففلسفته تقوم على الاستقامة والوضوح فإما أن تكون ثائراً ذا عقيدة أو لا تكون ، إما أن تكون رجل قضية أو لا تكون فالحلول الوسط ليس لها مكان في قاموسه . عدنان قرجولي ثائر أنف ، أصيد لا يسكت على الضيم ، ولا يباع بمال ولا منصب رغم أنه غير مثرٍ . أيها السيد القادر على كل شيء أنــــا لست من ممتلكاتك لست عبداً لك فأتحمل فورات غضبك وغيظك حتى من امرأتك زوجتي حين اقترنت بي اختارت رجلاً لا كيساً من النقود وصغاري لم يولدوا على فراش ثعلب سأصطاد الصقور لكي أطعمهم ولن يدنس أفواههم الصغيرة خبز الأشرار لقد أشاح أطفالي بوجوههم ولم يرق لهم التحديق في وجه الأب المهان
ويستطرد عارضاً بكبرياء ( فالخنوع ليست من شيم الرجال . والعمل مشرف فلماذا تستصغرون العمال وتقذفون الإهانات ظلماً ، عن الجبين الذي يتصبب عرقاً لا يندى ذلاً ) . وهنا تتألق إنسانية عدنان قرجولي ، ( مجنونة ) يستقيل من عمله متنازلاً عن أجور شهر كامل وهو يعلم جيداً أية حماقة يرتكب فالأبواب توصد على هذه الأرض الواسعة في وجه الإنسان الذي لا يطأطئ رأسه ولو قليلاً . ويختم قصيدته ( المجنون ) قائلاً : أتوكأ في محنتي على هذا القلم وبعيداً عن كل المدراء قد ارتضيت الكلمة رباً واحداً للعمل وكلما ضاقت بي الأحوال سأردد دعاء جدي الطيب الذكر بعد صلاة الصبح الكفاف يا رب الكفاف لي ولأولادي ولأحفادي الكفـــاف والأنفة فلسفة تبناها يتباهى بها عدنان قرجولي فهي ماثلة في كل قصائده . وإليك هذا المقطع : أحيــأنــاً يجلسني البؤس على عــرش لم يتربع عليه ملك الملوك صحيح أنني لا أملك شيئاً ولكــن ( لا يملكني شيء ) صحيـــح أنني ملك على لا شيء لكننـــي لست مملوكاً لشيء
مقطوعة صغيرة لها معانٍ كبيرة ، كلمات قليلة فيها كل شيء . لقد قالت العرب قديماً ( خير الكلام ما قل ودل ) . وعرفوا البلاغة بأنها ( إذا قرأها الجاهل ظنَّ أنه يستطيعها ) . ولعمري هذه هي بلاغة شاعرنا . وتتجلى البلاغة بوضوح عندما يختصر التاريخ العربي بعدة سطور ، بآلامه ومعضلاته ويتلمس الجرح ويهديك إلى الدواء . الخوف هو سبب البلاء المقرون بالنفاق والتهريج ، والمودة المعفرة بالمذلة كل ذلك في مقطوعة عنوانها ( القيامة ) . يوم ننزع من قلوبنا ذلك الأرنب المزروع فيها منذ إرهاب ( الثقفي ) ونبيد فينا ذلك الخلد الذي يقبرنا قبل الممات . يوم ينقرض في داخلنا ذلك الجرو التاريخي المقعي والمتمسح أبداً بمن لا يأبهون بنا ونطرد من أنفسنا ذلك الغجري الهازج في أعراس من لا يمشون في جنائزنا يوم يندثر من علاقاتنا ذلك الاحترام المشوب بالخوف والمودة المعفرة بالمذلة يومئذٍ تغدو لنا ملامح السادة ونخطر أعزةً تحت الشمس . وشاعرنا تواق أبداً للحرية ( فيلازمه شوق أبدي للشمس ) فيقول : مذ أن فتحت عيني على الدنيا أحسست بظلمة وبرائحة عفونة لأقبية سجن فلازمني شوق أبدي للشمس وللهواء الطلق . مذ أن وعيت أوحشني السكون وعذبتني مشاهد القحط ولقد هاجني يوماً حنين إلى العاصفة فنذرت نفسي للبرق .
ويشعر شاعرنا بالخذلان ، وبعدم قدرته على المقاومة وتضرسه الأيام بأنيابها، ويطأطئ رأسه مذعناً ، معلناً هزيمته ، فينظر إلى نفسه المستكينة نظرة ازدراء واحتقار: ما كنت بالأمس أقاتل في سبيله لا أحرك اليوم من أجله ساكناً وما كنت أقطع لساني كي لا أنطق به أدلي به اليوم دون أن يرفَّ لي جفن لقد كانت الكلمة غير اللائقة تحز في عنقي فأرتقص مثل ديك ذبح ذبحاً رديئاً واليـوم تمر الإهانة إلى جانبي فأتنحى لها عن الطريق لقد بعت عتاد القتال كي أشتري أدوات منزلية وحولت سيف المحارب إلى سكاكين للمائدة وجعلت من خوذتي قصعة لتناول الحساء والنيص البري الذي في داخلي يستبدل إبره المُستوفزة يوماً بعد يوم بوبر ناعم لأرنب أهلي والإنسان الذي كنته يتجهم في وجه الكائن الذي صرته كشيخ مذهول من شيوخ البادية هاله أمر شائن . مردداً بين حينٍ وآخر : ( اخس ) . لئن ألقى سلاحه وصمت . لكنه لم يركب الموجة ولم يسر في عكس تياره الفكري ، بقي متمسكاً بصرامته وبأخلاقه تمنعه من الخشوع والخنوع والتزلف والتملق ، كيف لا وهو يعتبر هذا هو الداء الذي أدى بنا إلى التخلف . ولكن هل كان راضياً عن نفسه أنه يتوق إلى أكثر من الصمت إلى استمرارية النضال وهو يحاسب نفسه لماذا لم يفعل كذا لماذا لم يقل كذا : سأمثل بين يده تعالى وأنا لا أخشى أن أُسأل عما صنعت بقدر ما أخشى السؤال عما لم أصنع سأقابل ربي وأنا لا أخشى أن أحاسب عما قلت بقدر ما أخشى الحساب عما لم أقل لست أخشى أن يسأل الصلصال الذي منه خلقت عما اقترفت بل من أن يسأل عن النور المودع فيَّ لماذا لم يضئ ؟ . نشرت في جريدة العروبة
|