القتـــــاد
تأبين عدنان الداعوق
  
 

 
(أُلقيت بتكليف من رابطة أصدقاء المغتربين)
ـ سيداتي وسادتي .....
من حق الذين غادروا هذه الدنيا على الذين لم يلحقوا بهم بعد أن يذكروهم ويعدوا مناقبهم وخصالهم وتنحصر الذكرى بين الأقارب والأصدقاء ذلك بالنسبة للأشخاص العاديين الذين يقومون بواجبهم نحو هؤلاء . أما الآخرون وهم قلة أولئك الذين يعملون في الحقل العام فتتسع شمولية الذكرى وكلما زاد النشاط العام اتسعت الساحة وربما شملت الأمة بأسرها أو تعدتها إلى الإنسانية كلها .
ويحظى رجال الفكر بالقسط الأكبر من خلود الذكرى يقدمون عصارة فكرهم وحصيلة نتاجهم وخلاصة ثقافتهم من أجل خير الوطن والمواطنين بل والبشرية.. ولا أظن أن هناك رجلاً واحداً تعامل مع الكلمة وكان عدواً للإنسانية أو ساعياً وراء الشر.. باستثناء أولئك الذين يقحمون أنفسهم على الكلمة إقحاماً وهي منهم براء ومع ذلك فالتاريخ يضعهم في المكان الذي يستحقون .
إذن ... أيها السادة من حق الراحل الكريم الأستاذ ـ عدنان الداعوق ـ علينا في هذه المدينة أن نحفظ ذكراه .. وقد عاش بيننا ردحاً من الزمن كان خلاله في ريعان شبابه .. تحسـس آلام هذه المدينة وتنسم آمالها وسطر أمجادها وبطولاتها فعاشت في كيانه فكراً وأدباً وتاريخاً وعطاء ..يصورها أجمل تصوير في قصص يصوغها بأسلوبه العذب .
وإن أنسى لا أنسى قصته ( المعلم علم ) التي نشرها منذ سنوات في مجلة العربي مصوراً مأساة إنسان مرهف من حمص قست عليه ظروف الدهر فأفقدته حبيبته. فنفر عن المجتمع وارتضى لنفسه حياة العزلة يجتمع في خياله معها على أنغام الموسيقى التي يبعثها ألحاناً شجية من قيثارته التي تتراءى له على صفحات ماء ساقية الري أو نهر العاصي .
كما رعى عدنان الداعوق الشوق الذي تكنه مدينة ابن الوليد لأبنائها المغتربين والحنين الذي يجيش في نفوس أولئك المغتربين نحو موطنهم فكانت له صلات وشيجة معهم فكان صديقاً للشاعر جورج صيدح وكان بينهما مراسلات لم تنقطع حتى فرقت المنون بينهما .
وقد حوت جعبة الداعوق أكثر من أربعين رسالة وعشرات من القصائد التي لم ينشرها صيدح .. وكم كان يتمنى على الأيام أن تيسر له نشرها في كتاب أحياء لذكرى صديقه صيدح .
كما كانت بينه وبين المرحوم الأديب المهجري نظير زيتون صلات ودٍ ومحبة وقد بادله زيتون الإكبار والتقدير فقدم له كتابه (ذات الخال) فيقول عنه فيما يقول : (وأنت إذا أنعمت النظر في أقاصيصه وجلوتها لحظت أن للبؤس فيها النصيب الأوفر... فهناك البؤس الروحي والبؤس الاجتماعي . وليس فيما يرسمه من صور البؤس ما يجاوز مدى الواقعية إلاَّ بمقدار مما يستسيغه فن القصة ... وهو إطار لا معدى عنه في القصة الناجحة البارعة ) .
وعندما انتقل نظير زيتون إلى الرفيق الأعلى كان عدنان الداعوق من لجنة التأبين وقد أنيط به جمع الكلمات التي ألقيت في ذلك الحفل بتكليف من وزارة الثقافة فصدرت في كتاب يستحق عليه كل الشكر .
وستذكر رابطة أصدقاء المغتربين الحماس الذي أبداه عندما عرضت عليه فكرة إنشاء هذه الرابطة وتشجيعه لها والرابطة تعتبره من أعز أصدقائها . كيف لا وهو رجل كلمة والكلمة هي العروة الوثقى بين الوطن أبنائه المغتربين . فلولاها لانعدمت الصلة بين الوطن وبينهم .
كان المرحوم عدنان الداعوق صديقاً للبؤساء وفياً لأصدقائه كان وحدوياً ووطنياً إلى أبعد الحدود .. يتحسـس آلام أمته ... ومازال أبناء حمص يذكرون له مأثرة مساهمته في دعم الهلال الأحمر ونشاطه في جمع التبرعات بالدم لجرحى حرب لبنان .
طيّب الله ثراه



حمص ـ العدد (1717) ـ 20 / 2 / 1987