في الأسبوع الماضي ترجل فارس من فرسان القانون ، قضى نورس الجندي عن عمر يناهز الثمانين .. قضى معظمه في صناعة القانون .. تدرّج في سلك القضاء إلى أن بلغ أعلى المناصب مستشاراً في محكمة النقض . عمل في قضاء الحكم كما مثل النيابة العامة ردحاً من الزمن . وكان مثال القاضي النزيه العادل .. احترم القانون وقدسه .. لم ينحرف عنه يوماً من الأيام .. وإن نسيت لا أنسَ يوم صدر قانون المحاماة عام /1972/ وكان قد تقاعد من منصب القضاء وسجل في نقابة المحامين .. وجرت أول انتخابات للفروع فترأس جلسة الانتخابات في حمص باعتباره أكبر المحامين سناً .. وبعد ظهور النتائج تبين أن إعلان النتائج غير قانونية فأعيدت الانتخابات وترأس الجلسة الثانية .. فطعنت بالانتخابات وكان لي وجهة نظر فيها ، إن الجلسة الثانية يجب أن يرأسها الرئيس المنتخب الذي لم يطعن بانتخابه وذكرت في استدعاء الطعن قائلاً : إن رئيس السن حين ترأس الجلسة الثانية (( اغتصب السلطة )) فعز عليه الأمر كثيراً وعاتبني عتاباً رقيقاً بما عرف عنه من دماثة الخلق قائلاً : أيسوغ لك أن تتهمني باغتصاب السلطة وأنا الذي حملت لواء القانون طيلة حياتي وأفنيت زهرة شبابي في الدفاع عنه ؟ .. فاعتذرت منه بما يناسب المقام وشرحت له وجهة نظري القانونية … كان نورس الجندي عفيف اللسان، نظيف اليد ، حلو المعشر . رافقناه في صباحية الروضة عدة سنوات وهو الشيخ الجليل وعلمنا يوماً أنه أصيب بكسرٍ في ساقه . وقصر أكثرنا في عيادته وعندما أبل من مرضه فوجئنا به يدخل مقهى الروضة ويتجه نحو مجلسنا فارتبكنا .. كيف نعتذر منه وبما سنتذرع عن تقصيرنا … وزال ارتباكنا عندما صافحنا بابتسامته المعهودة ولم يبدر منه أي عتاب . وهو الرجل الذي ما قصر يوماً في واجب من الواجبات الاجتماعية بل كان دائماً سباقاً في هذا المضمار . ساهم نورس الجندي في النضال ضدَّ المنتدب الفرنسي واعتقل في شبابه فإذا حدثك عن تلك الحقبة كان يفاخر بالرعيل الذي قارع الانتداب متجاهلاً نفسه بتواضع … يا أبا حافظ .. من حقك علينا أن نرثيك . ونذكر مآثرك . فعذراً إن نحن قصرنا في تعدادها فأنت الكبير في مناقبك .. الكبير في تسامحك … رحمك الله وأكرم مثواك .. 25 / 8 / 1990
|