القتـــــاد
المـوظفون وبيـدبــا الفيلسـوف
  
 

 

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: هات ما عندك من أخبار المواطنين.
قال بيدبا: بمن تريد أن أبدأ فحالهم يرثى له، ولقد أنعشت فؤادي بسؤالك أيها الملك الحكيم وبعثت فيَّ الأمل.
قال دبشليم: ابدأ بأخبار الموظفين وحالهم وسلوكهم فهم مرآة هذه الأمة وبطانة الحكم ومنفذ قوانينه.
قال بيدبا: لن أتعرض لحالهم ما لم أستعرض لكم ما تقوله كتب القانون من فقهٍ واجتهاد، فهلا سمحت لي بذلك.
قال دبشليم: لك الأمان، فزودني بما تعلم.
قال بيدبا: في عام 1914 صدمت سيارة مواطناً فرنسياً فأورثته شللاً في جسمه أقعدته عن العمل مدى الحياة وقد حددت له المحكمة التي نظرت في الدعوى تعويضاً سنوياً قدره 2000 فرنك ليستعين بهذا الدخل على تأمين مقومات الحياة التي سيحياها. وقدر لهذا البائس أن يعيش حتى عام 1951 ونقول البائس لأن من يحيا بدخل لا يزيد عن ألفي فرنك دون شك يكابد في حياته شظفاً قاسياً وبؤساً مهلكاً باعتبار أن القيمة النقدية للفرنك قد تبدلت تبدلاً كبيراً وأصبح ما كان يفي به ألفا فرنك عام 1914 يستدعي /400000 / أربعمائة ألف فرنك عام 1951. والذي لاشك فيه أن القاضي الذي ينظر في التعويض عام 1951 يدرك هذا التحول النقدي الخطير ويعرف فوق ذلك اضطراب العملة وتقلبها المرتقب ولهذا يتحتم عليه تلافي ما يتوقعه من تحولات عندما يعرض عليه حادث مماثل ويطلب منه الفصل فيه. وقد أخذت بهذا الرأي بعض المحاكم الفرنسية وكان الموضوع مجال نقاش وجدل قانونيين حول حجية الأمر المقضي وتحقيق العدالة. الخ.. ومما قيل في هذا الموضوع: وابن سائق السيارة الذي أقعد المجني عليه عام 1914 يتأذى ضميره من إعطائه مثل هذا المبلغ الحقير عام 1951 ومن العدل أن يأذن القاضي بتلافي مثل هذه المسائل الوجدانية التي قد تحدث في المستقبل. وكلنا يعلم أن الاجتهاد القضائي أدرك منذ زمن طويل وجوب مقاومة النتائج الشائكة التي قد تنجم عن هبوط العملة فقضيَ أولاً بجواز إعادة النظر في مقدار النفقة المحكوم بها عندما تزداد نفقة العيش كلفة . ((عن مجلة القانون عام 1951.. )) .
قال دبشليم: هذا عند الفرنســيين وما علاقـته بالموظفــين وهل عندنا فقــه
واجتهاد مماثل.
قال بيدبا: لئن كان الاجتهاد عند الفرنسيين أعطى الحق بزيادة النفقة تبعاً لغلاء المعيشة فإن قانون الأحوال الشخصية السوري قد نصَّ في المادة ( 77 )على ما يلي:
1. تجوز زيادة النفقة ونقصها بتبدل حال الزوج وأسعار البلد.
2. لا تقبل دعوى الزيادة أو النقص في النفقة المفروضة قبل مضي ستة أشهر على فرضها إلاَّ في الطوارئ الاستثنائية ..
فإذا كان القانون أجاز زيادة النفقة بعد مضي ستة أشهر من فرضها في الأحوال العادية وضمنها في الطوارئ الاستثنائية فما بالك وقد مضى على صدور جدول الرواتب ثلاثون عاماً بالتمام والكمال أي أنه صدر عام 1949 ولم يطرأ عليه سوى تعديلات طفيفة لا تسمِّن ولا تغني من الجوع.ألا يستطيع هؤلاء البائسون الذين ساء حظهم وبقوا أحياء ثلاثين عاماً يترقبون الفرج ويلاحقهم الغلاء بسوطه فلا يتوجعون.
أقول ، أفلا يستطيع هؤلاء مقاضاة الدولة طالبين إنصافهم بالقياس على المثال الذي أوردناه عند الفرنسيين ومساواة مع أوضاع النفقة في قانون الأحوال الشخصية واستناداً لنص المادة الأولى من القانون المدني السوري حيث أوجبت على القاضي إذا لم يجد نصاً في التشريع أن يحكم بمقتضى الشريعة الإسلامية فإذا لم يجد فبمقتضى العرف وإذا لم يجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة .
وقد نصت المادة 87 من مجلة الأحكام العدلية ( الغرم بالغنم ) يعني من ينال نفع شيء يتحمل ضرره... والمادة 88 منها ( النعمة بقدر النقمة والنقمة بقدر النعمة .. ) والمادة 506 من المجلة أيضاً ( يصح تزويد الأجرة على صورتين أو ثلاث في العمل والعامل والمسافة والزمان والمكان ). إلى آخر ما هنالك مما تتفتق عنه قريحة رجال القانون في تطبيق العدالة ومبادئ القانون الطبيعي.
قال دبشليم الملك: وماذا فعل الموظفون وقد تردت حالهم بالشكل الذي ألمحت وعرضت.
قال بيدبا: تمثلوا صواباً أو خطأ بالقاعدة الفقهية ـ الضرورات تبيح المحظورات والحاجة تنزل منزلة الضرورة.. ـ فكان ما سمعت من التسيب وانتشار الفساد

قال دبشليم: لا أبا لك قد أفدتني عن حالهم ما يدعوني إلى الأسى فهم ( بطانتي وساعدي وعمالي في إقامة العدل وتسهيل المرافق وتطهير المجتمع ). وكل تصرف على خلاف ذلك يفهم استئثار واستبداد يؤدي إلى ضرر وفساد فلا بد من إصلاح شأنهم.




العروبة ـ 4586 بتاريخ 20 /10 /1979