الخلود من أحلى الأماني وأغلاها عند الإنسان.. حب البقاء من أقوى الغرائز عند الكائنات الحية على الإطلاق.. ولئن كان مطلب الخلود مستحيلاً. فالإنسان لا يستكين إلى هذه الاستحالة منه تنطلق غريزة الدفاع عن النفس وعلى الرغم من الوعود التي تغدقها الأديان السماوية على البشر بخلود النفس والحياة الأبدية، والنشور، والعالم الآخر والجنة والنار فما زال الإنسان يبحث عن طول البقاء وقد عزَّ عليه الخلود على هذه الأرض. والمنحرفون وحدهم أولئك الذين يعزفون عن هذه الدنيا ويقدمون على الانتحار. والأديان التي تمني النفس بالحياة الأبدية تحرِّم قتل النفس والاستعجال بلقاء وجه الرب كذلك الشرائع الدنيوية تعاقب كل من ساعد أو حرض إنساناً على قتل نفسه من هنا، من أمنية الخلود المستحيلة بحث الإنسان عن خلود الذكرى فبنى الفراعنة أهرامات مصر لتكون قبوراً لهم يدفنون فيها فتبقى ذكراهم ماثلة أبد الدهر. ومنها نشط علم التحنيط لحفظ الجسد إلى يوم يبعثون. وعلى أسسها قامت مؤسسة الزواج وزيادة النسل وتفضيل المولود الذكر عن الأنثى. فهو يحمل اسم الوالد ولقبه ويورثه ذريته.. ومن هذا المنطلق نسمي أبناءنا بأسماء آبائنا. ذو المال يبني معبداً أو مؤسسة خيرية ليسجل اسمه على لوحة رخامية فيضحي من الخالدين. مع إقراري بالدوافع الأخرى: حب العطاء، فعل الخير، أمل الثواب، إطاعة الرب...الخ حب الذات من طبيعة البشر أيضاً. يسوع الناصري سأل تلاميذه يوماً: ( ماذا يقول الناس عني ).. من هذه المنطلقات يتمنى المرء أن يتلمس مشاعر الآخرين نحوه.. أن يتحسسها. أترى أنصفوه..؟.. أم غمطوا حقه … أكانوا صادقين في حبهم أم دجالين مخادعين.. ومتى تتجلى العواطف وتظهر على حقيقتها نحو الأشياء أو نحو الكائنات الحية ؟ . الأصدقاء والأحباء والأقرباء وحتى الأعداء ..؟ أليس عندما نفقدهم تتوضح لنا معالم الصورة وتبدو لنا الثغرة التي أحدثوها... والفراغ الذي كانوا يملأونه.. ولعلَّ عدداً كبيراً من البشر يتمنى لو أتيح له أن يرى جنازته والناس كل الناس مهما كانت معرفتهم به ـ يسعون وراءه في وداعه الأخير... من أجل ما ذكرت رثى مالك بن الريب نفسه... ومن أجل هذا عارضه عبد المعين الملوحي. أليس من حق الشاعر أن يودع نفسه وهو الأقدر على تصوير أحاسيسه ومشاعره أليس من حقه أن يصف للناس كافة نفسه بمنظاره.. فيجلو ما كان منها خافياً.. ويرسم بريشة الفنان حياة عاشها مع ذاته: ومن أحق من الملوحي وهو شاعر الرثاء الأول، رثى زوجته فخلدها وخلد نفسه وبكى ابنته ورود فأبكى الحجر الصلد .. ورثى حبيبته التي ظنها ماتت في ( رسالة من حمص إلى الصين ـ الثانية ) ثم رثى قلبه حين اكتشف أنها لم تمت بل غدرت به ( في رسالة من حمص إلى الصين ـ الثالثة ) ورثى صديقه نظير زيتون و.. و.. و.. : إذا كان شعري كل شعري مراثيا عكفت على شعري أرود فجاجـه فمالي بنفسي لا أعد راثائيا فلم أر في الديوان إلاَّ المراثيا
ويطوف بك سبعين حولاً... زاهرةً بالحياة في أسمى معانيها، شباب يرشفه قطرةً قطرة بين الكواعب الحسان تارة وأخرى في عمل ودأب فلا هو لاهٍ عن عمله والشباب يتدفق قوة وعزيمة ولا هو دافن نفسه في خضم الحياة دون التمتع بملذاتها ومباهجها.. ويبدع شاعرنا حين يصوِّر لنا كيفية استهلاكه لشبابه وجذوته: رشفت شبابي قطرةً بعد قطرةٍ و شبت فلم يعتب عليَّ شبابيا
لم يعبه عباً وإنما كان يتذوقه على مهلٍ كما يتذوق شارب الخمرة طيب الشراب .. وينتشي به دون إسراف أو استعجال.. لعمري إنه تشبيه لم يسبقه إليه أحد ويصدقنا الشاعر بارتكابه المعاصي فلا يروي ندامة أو تزلفاً ولا تقرباً من الله واليوم الآخر.. وإنما المرض أقعده عن متابعة سيره في دروب الملذات فيقعد مكرهاً لا طائعاً ركبت المعاصي موجةً ثم موجةً سقيت الصبايا ماء حبي وصبوتي وأقعدني دائي فعفت المعاصيا وجفَّ فهل يقبلْنَ ماء حنانيا ؟
وإذا تسنى للملوحي تصوير حياته في قصيدةٍ فمن العسير علينا أن نستعرضها بمقالة وهذه هي ميزة الشعر على النثر وهي ذاتها ميزة الموهوبين على العامة فقد عرض علينا شبابه وكهولته وشيخوخته برشاقة بارعة وأعطانا فكره عن مذهبه السياسي وإنسانيته وانفعاله مع الحقوق المهضومة وثورته على الظلم والاستبداد ويكبر الإنسان المتجدد باني الحضارة الساعي وراء التقدم والمجتمع الأمثل.. وآمنت بالإنسان يبني حضارةً ويهدم في الإنسان ما كان باليا
وإذا كان لا بدَّ من المقارنة بين قصيدة الملوحي وقصيدة ابن الريِّب فلا بد من إيراد بعض الأبيات وإني أستحسن أن أستشهد بخيال الجنازة عند كلٍ منهما : يقول مالك بن الريب: تذكرت من يبكي عليَّ فلم أجد وأشقر محبوك يجر عنانه ولكن بأكناف السمينة نسوة فمنهنَّ أمي وابنتاها وخالتي سوى السيف والرمح الرديني باكيا إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا عزيز عليهــنَّ العشية ما بيــا وباكيـةٍ أخـرى تهيـج البواكيـا
أما عبد المعين الملوحي فيقول: ( تذكرت من يبكي عليَّ فلم أجد ) ومكتبةٍ أودعت روحي رفوفهــا ومنضدةٍ سوداء كـاد حديدهــا وأفكارِ صدقٍ قد تألقن ثـورةً وعاطفةٍ لو هبَّ معشار خصبهـا سوى قلمي والطـرس و الحبر باكيا تكــاد إذا ما متُّ تسعى أماميا يذوب إذا الإلـهام أعـرض نائيـا أنرنَ لعميان الحيــاة معاليـــا على القفر أضحى القفر بالزهر كاسيا
ومن الواضح أنَّ البيت الأول عند ابن الريِّب والثاني فيهما إبداع أما الثالث والرابع فهما عاديان إنما صوَّر ما سيحدث فعلاً.. إذ من البديهي أن تبكيه زوجته وإخوانه وأمه وخالته وعندي أرى أنها صورةً عادية يقدر كل إنسان على تخيلها مهما كانت شاعريته سطحية ولو فعل الملوحي ما فعله مالك لكان مقلداً ولم يأتِ بجديد. وعندي أن البيت الأول تضمين لبيت ابن الريِّب.. كنت أتمنى على الملوحي أن يتحاشاه ولو أنه جاء بذكر هذه الأشياء التي هي بالفعل حية في مورد الوصية لكان أجمل وأبدع. لاسيما وأنه أعطاها نسغ الحياة فحركها، فهي تسير أمامه ويخشى على مكتبته ألاَّ تَلقى من يقدر قدرها فتصبح في عالم النسيان أما البيتان الأخيران مما ذكرت آنفاً فهما أقرب إلى الفخر من ذكر البواكي ولا أعيبه فمن حقه أن يفخر ويعتز بما أنتج وقدم لأمته من فكرٍ وعاطفةٍ... ولقد نتلمس معالم الفخر في كل زاويةٍ من زوايا القصيدة: وأعرض ألحاني على النـاس حـلوةً ويلمس فيهـا الناس قلبي نابضــاً تعودت أن أعطي وأَسقيهــم دمـي ولم أترقب ـ حين أعطي ـ عطاءهم إذا كنت أرجو من عطائـي عـلاوةً ويغمرهم بالدفء فيض وفائيـا ويبصر فيها الناس دمعي جاريا وحسبك جوداً أن ترى الدم ساقيا كفاني أني ما حجبت عطائيــا فلست إذاً في الخير إلاَّ مرابيـا
صورةٌ جميلةٌ وخيالٌ خصب مبدع … مواضيع شتى تطرق لها الشاعر في قصيدته فكانت شاملة حياته ونصائحه وأفكاره ومذهبه ونظرته للدنيا وعواطفه مقرونة بأماني أمته. . . ولقد استطاع الملوحي أن يحقق هدفه ويخلد ذكراه .
حمص في 31 / 8 / 1984 حمص ـ العدد 1619 بتاريخ 8 / 2 / 1985 صوت العرب 16 / 4 1988
|