| القتـــــاد أكبادنا كيف نرعاهم | ![]() |
عندما أتوجه إلى مكتبي صباح كل يوم.. ألتقي في الحديقة العامة بمجموعة من الأطفال الصغار يحملون بين أيديهم صناديق البويا.. يعرضون خدماتهم على المارة عارضين عليهم مسح أحذيتهم … ولدى ارتقائي سلم مكتبي أشاهد مجموعة من الأطفال يتواز عون علب السجائر المهربة تمهيداً لانطلاقة الكسب غير المشروع.. وكثيراً ما يتشاجرون ويتضاربون ويتراشقون العبارات النابية من أجل دريهمات معدودات. وقد نمي إليَّ أن بعض طلاب المدارس ـ وأرجو أن يكون ذلك افتراء ـ قد تفشى تعاطي المخدر بينهم.. وكلنا يـرى الأطفال يستعطون بأسلوب لبق عن طريق تظاهرهم بمسح زجاج السيارات في المنعطفات وعند المواقف الضوئية. فإذا ما نقدتهم ما جادت به نفسك رفعوا أيديهم عمـّا كانوا يفعلون وانتهت مهمتهم التي تطوعوا لها.. هذه النماذج من المشاهد والصور جزء من كثير تبعث في نفوسنا تساؤلات لا حدود لها .. ما هو مصير هؤلاء الصغار وما المستقبل الذي ينتظرهم..؟.. أيصبحون رجالاً صالحين وجزءاً من مجتمع نرومـه ونتوخـاه، أم أن ( من شب على شيء شاب عليه ) وهل ينتظر من المهرب الصغير سوى مهرب كبير..؟ وهل سينقلب المستجدي عاملاً شريفـاً يكسب خبزه بعرق جبينه.. والذي أظنه لولا جمعية البر والخدمات الاجتماعية التي تقوم بواجباتها التي التزمت بها على أكمل وجه لوجدنا المتسولين زرافات ووحدانـا... هذه المشاهد والصور التي أوجزْتُها بعرض بعض منها تدفعنا إلى التساؤل هل الأسرة في وطننـا بحالة صحية جيدة أم أن الخطر يحدق بها والأطفال زينتها. في اعتقادي أننا أمام مشكلة اجتماعية خطيرة. تحتاج إلى علاج ولا يمكننا الوصول إلى هذا ما لم نتحر الأسباب. قد تكون الأسباب الاقتصادية هي التي دفعت بهؤلاء الأحداث إلى الجنوح.. وقد يكون الرَّفاه سبب من أسباب الجنوح أيضـاً فأغلب الذين يتعاطون المخدر من أسر ميسورة وربما مترفة.. ولا أدَّعي أن أبناء هذه الطبقة من المجتمع وحدهم الذين يتعاطون المخدر.. إذ قد يتعاطاه أبناء الطبقة الفقيرة وهنا الطامة الكبرى إذ أن هذا لا بد من ارتكابه جرمـاً آخر للوصول إلى المـال الـذي يساعده علــى شراء المخدر.. تعالوا نستعرض مجتمعنا .. كان مجتمعاً ضيقـاً صغيراً قبل الحرب العالمية الثانية.. بالأحرى في النصف الأول من هذا القرن.. كانت مدينة حمص مثلاً لا يتجاوز عدد سكانها الثمانين ألفـاً من البشر.. وكان أبناء الحي يعرفون بعضهم أبـاً عن جد... وكان هؤلاء بعضهم لبعض رقيباً.. يحصون أنفاس جيرانهم ويرصدون تصرفاتهم.. فهم حريصون على تربية أطفالهم كي يظهروا وينشئوا منشأ لائقاً.. وكانت العائلة مترابطة متماسكة الأعمام والأخوال والأقرباء... وكذلك كانت القرية صغيرة مغلقة على ذاتها. قلما يغترب أحد أبنائها عنها.. وانتهت الحرب العالمية الثانية فأثرى بعضهم وافتقر آخرون وهاجمتنا الحضارة الغربية هجوماً عنيفاً مفاجئاً.. التطور الذي حصل خلال القرنين الماضيين في أوروبـا استوردنا منجزاته دفعة واحدة حرقنا المراحل وقفزنا الحدود دون ترويض وبدون تمهيد فتزعزع كياننا.. قليل منا حافظ على التقاليد والأعراف والكثير منا ضرب بها عرض الحائط عن قصد أو قلة دراية فكل جديد له لذة.. والمستورد خير من الوطني هكذا يزعمون.. فسقطنا تحت وابل التجديد دون غربلة أو اصطفاء وكان للمنجزات الحضارية والتقنية التي أنتجت خلال النصف الثاني من هذا القرن والتي تفوق ما أنجزت البشرية منذ وجد الإنسان حتى ذلك التاريخ أثر فعال في ضياعنا وتشتيتنا..... بدأ الاختلاط.. بعض سكان المدن الصغيرة هاجروا إلى المدن الأكبر.. أبناء القرى اجتاحوا المدن حيث الكهرباء والآلة والمصانع وموارد العيش والرزق الأرحب.. أبناء الأحياء القديمة هجروها إلى أحياء أحدث.. طراز البناء أصبح يسمح لقاطن الحي الحديث تجاهل جاره. زالت الرقابة الشعبية فلم يعد القاطن الجديد يعبأ بما يقوله أو يتقوله جاره عنه.. هذا إذا كان هذا الجار مكترثاً وقلما يكترث. اختلط الحابل بالنابل واختلت الموازين.. لم يعد الناس بعضهم على بعض رقيب.. فتحللنا من تلك الرقابة.. هذه واحدة من أسباب تفكك المجتمع وانسلاخه عن تقاليده وأعرافه. أعود للأسباب الاقتصادية.. هنالك مقولة من التراث..« أعجب من جائع لا يحمل سيفه ويقاتل » قد يدفع الفقر والفاقة والحاجة إلى ارتكاب الموبقات ولكن هل الفاقة هي الدافع الوحيد..؟ في اعتقادي إن الحاجة هي حد الكفاية..ومع هذا فإننا نرى كثيراً من الناس يركضون وراء الكسب غير المشروع من أجل الثروة.. وليس من أجل الكفاية أو الحد الأدنى للعيش. وإنما التقليد وحب الظهور والتشبه بالآخرين من الدوافع التي تجعلنا نلهث وراء الكسب غير المشروع وقد ندفع بأولادنا نحو الانحراف عن قصد أو غير قصد : إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص رغباتنا وأمنياتنا فوق إمكاناتنا.. نود اقتناء كل ما هو معروض في الأسواق وكل ما يقتنيه جيراننا وزملاؤنا ومعارفنا وإن لم تكن دخولنا تتناسب مع مطالبنا.. الرقابـة العائليـة: إن زوال الرقابة الشعبية بالشكل الذي عرضته توجب مزيداً من الرقابة العائلية من حيث الكم والكيف.. فالرجل المتعدد الزوجات يتعذر عليه مراقبة أبنائه وتوجيههم مهما بلغ من الدراية والثقافة لتشتته بين زوجتيه.. والطلاق له تأثيره الفعّال في جنوح الأحداث لاسيما وأن الحضانة تبدأ عند الأم. وإن تزوجت الأم انتقلت إلى أم الأم.. وعند بلوغ الحدث سنـاً معيناً ـ 9 للذكر و11 للأنثى ـ ينتقل الطفل بحكم القانون لرعاية أبيه فيضمه إلى عائلته المؤلفة من زوجته الثانية وأولادها منه. وهنا يبدأ التنافس والغيرة والمحاباة بين الأخوة.. فتتمركز الضغائن في النفوس ويبدأ الشعور بالظلم يبحث عن متنفس وتثور الأحقاد وما ينجم عنها من محاولات لإثبات الوجود والسعي الحثيث للانتقام إن لم يكن ممن حوله فمن المجتمع الذي يعيش فيه فربما يعجز الطفل عن إنصاف نفسه في منزله وضمن نطاق أسرته فيحمل ما يكمن في صدره إلى الشارع حيث يجد متنفساً يبث فيه أحقاده ويثـأر لحرمانه من المجتمع فيقع فريسة الجنوح.. ثم جهل الأبوين لأصول التربية ولربما لا يعطونها أي اهتمام حتى في ظل الأسرة الأحادية الزوجة. وقد يختلف الأبوان في أسلوب معاملة الطفل وكل واحد منهما في وادٍ.. الأب متشدد والأم متساهلة والعكس.. أحدهما يطمس الحقائق عن الآخر. ولربما أدى ذلك إلى مشاحنات ومناقشات أمام الأطفال.. تحمل الطفل على الاعتقاد بأنه لم يرتكب إثماً ولم يأتِ عيباً.. وكلنا يعلم الآثار النفسية التي تتركها الخلافات الزوجية في نفوس الأطفال حتى ولو لم يكن موضوع الخلاف يتعلق بهم فيهرب من المنزل تجنباً لما يسمع ويرى.. ثم تأتي مشكلة المرأة العاملة وغيابها عن المنزل بسبب العمل لاسيما عندما يكون الأطفال في سن الطفولة الأولى.. بعضهنَّ يودعْنَ أبناءهن عند أقربائهنَّ.. والبعض الأخر عند إحدى النساء المتعيشات و الأخريات في دور الحضانة.. وأكثر هذه الدور غير مؤهلة بالكوادر لمثل هذه المهمة الحساسة .. وفي الحالتين الأخيرتين الطامة الكبرى إذ يفقد الطفل العطف والحنان والمحبة والرعاية والتوجيه. دور التعليـم: لا يشك أحد في أن دور المدرسة يجب أن يكون فعالاً في تنشئة الأطفال وتربيتهم فتصحح مسار الأطفال وتبعدهم عن الانحراف وتسد العجز الذي فات الأسرة.. على أني أرى أن البرامج الحالية لا تعطي التربية مكانها اللائق فتركز على التعليم أكثر من التربية.. . أي المعلومات.. . لغة ـ علوم ـ تاريخ …. دون الأخلاق.. وهذه ثغرة كبيرة في برامجنا فتراثنا مليء بالمبادئ الأساسية أما التفصيلات فمتروكة للاجتهاد الشخصي.. . وأضربَ على ذلك مثلاً: حديث شريف مفاده (( من غش ليس منا )) مبدأ أساسي قويم.. بل دستور يجب أن يطبق.. العامة تفهم أنه لا يجوز الغش في الوزن والمكيال عند التاجر.. أما أن يبيعك بأعلى من السعر المحدد فهذا ليس غشاً.. أن يعرض بضاعته الجيدة ثم يضع في قمطرك فاكهة فاسدة فهذا ليس غشاً .. حديث شريف آخر (( النظافة من الإيمان )) يفهم العامة النظافة الشخصية.. منازلنا يجب أن تكون نظيفة وكذلك ملابسنا.. . الخ. أما أن تلقي بالقمامة كيفما اتفق في الشارع أو على السلم المشترك فهذا لا يتعارض مع الحديث الشريف.. . أمور كثيرة يمكن أن تثأر واسمحوا لي أن أستطرد بتذكيركم بما يدور حولنا يومياً: الوطنية أن أُلبي دعوة الوطن وأؤدي الخدمة الإلزامية وأدافع عن الحدود إذا ما دقت طبول الحرب.. وغير ذلك من مخالفات نرتكبها لا تمس الوطن بسوء.. . الرشوة، المحسوبية ، مخالفة القوانين، التهريب، عدم الانضباط في الوظيفة، تعقيد مصالح المواطنين دون حق، التذرع بالروتين، إهمال الواجبات المسلكية، التهرب من دفع الضرائب... ، كل هذه الأمور لا علاقة للوطن بها.. . وليس عقوقاً بالوطن.. حقاً إنه منطق غريب. هذه الأمور يجب أن تتضمنها البرامج التعليمية وهي في نظري أهم بكثير من أن يتعلم الطالب أين تقع على الخريطة طوكيو. ؟ . وما هي عاصمة الصين. ؟. ومتى عاش لويس الرابع عشر ؟ هناك مجالس تعقد ويجب أن تعقد فهل تؤدي هذه المجالس دورها.. ؟ .. لا أظن ذلك.. ولا ألقي اللائمة على المدرسة وحسب بل على المواطنين إذ قلَّما يلبون دعوة المدرسة لهذه المجالس.. استهتاراً وعدم شعور بالمسؤولية. لأسباب اقتصادية فقد المعلم هيبته ووقاره واهتمامه بواجبه المسلكي وانصرف إلى أعمال إضافية لا تمت لمهنة التعليم بصلة.. وقد تكون غير لائقة بمركزه الاجتماعي.. العُطـــل : في أيام العطل المدرسية تنقلب شوارع حمص كلها إلى ملاعب لكرة القدم وكم يعاني السكان من ضوضائها.. والمارة من حركاتهم والآليات من ركضهم وطيشهم.. وكم من الأخطار التي يتعرض هؤلاء الأطفال لها أخلاقية وجسدية.. ولن أنسى أن مدينة حمص تدفع في كل صيف عدداً من الضحايا لساقية الري.. البطالة أم الرذائل ولعلها أم الكوارث.. قد يدفع المواطنون أبناءهم إلى العمل أثناء العطل وهذا ما يفعله بعضهم فعلاً، تخلصاً من ضجيجهم ومشاكساتهم.. فيرسلونهم إلى أصحاب الحرف فيعاشرون طبقة جاهلة ويطلعون على الموبقات ويشاهدون المخازي والانحرافات. فتنعكس هذه المشاهد على نفس الطفل وقد يعجب بها وغالباً ما يكون ذلك فيتبناها . التقنيــــة: ألمحنا إلى أن المنجزات الحضارية التي تمت خلال النصف الثاني من هذا القرن كان لها دور فعال في التربية.. إذا لم نسيء استعمالها.. كان المواطنون الحريصون على تربية أطفالهم يحجمون عن إرسال أولادهم إلى السينما بمفردهم وإنما يرافقونهم إليها بعد التأكد من جودة الفيلم تجنباً لتعرضهم لرفاق السوء.. أو رؤية المشاهد التي لا تليق بمثلهم فما حيلتهم اليوم وقد دخل التلفزيون والفيديو إلى بيوتهم.. وأخذت تعرض عليهم ما هبَّ ودبّ من الأفلام والمسلسلات … أتسألونني عن التلفزيون والفيديو وما فعلت أموت وفي نفسي شيء منها … لقد قضى هذا الاختراع الدخيل على الثقافة أو كاد.. مع الاعتراف بأنه يبث البرامج العلمية.. فالكتاب لم يعد له موضع في أوقات فراغنا.. والمطالعة أضحت ثانوية أو مهملة.. ناهيك عن البرامج السخيفة التافهة. ولا شك أن لكل برنامج هواته .. والمسؤولية تقع على العائلة بالدرجة الأولى فهي قادرة على التحكم بالأوقات التي يسمح فيها للأولاد برؤية البرامج وانتقاء الصالح منها وإقفال الجهاز في الأوقات الأخرى.. فالتلفاز وسيلة للتسلية وليس ليتحكم بنا منذ افتتاحه وحتى ختام برامجه.. ثم إن الأطفال قد يشاهدون فيلماً موجهاً فيعجبون بإحدى الشخصيات المنحرفة ويحاولون التشبه بها غير عابئين بالنتيجة التي تنتظر ذلك المنحرف فيتوجب على الأهل توجيههم وتوضيح الفكرة التي دارت حولها القصة والعظة التي قصدتها. وبعد: هل تنتظرون مني، وقد عرضت صوراً حية لبعض جوانب المشكلة، أن أقول لكم القوا بتلفزيوناتكم في حاويات القمامة... وللمرأة العاملة مزقي مؤهلاتك العلمية وعودي إلى خدرك واهتمي بشؤون منزلك وأطفالك، ولأبناء الأحياء القديمة والقرى عودوا إلى مرابع نشأتكم وملاعب طفولتكم.. إن قلت ذلك أكون قد وقفت أمام عجلة التطور.. وخالفت منطق التاريخ.. إنما يتحتم علينا معالجة المشكلة من منطلق وقائي لا علاجي.. فالوقاية خير من العلاج. جولـــة مــــع القانــون: 1. صدر قانون الأحداث في عام 1974 عالج المشروع فيه الأحداث الجانحين ونصَّ بين جوانبه على تأسيس معاهد إصلاحية تتعهد الرعاية لهؤلاء الجانحين.. أي بعد ارتكاب الحدث الجرم وبعد انغماسه في الجريمة ولذلك فهو قانون علاجي وليس وقائياً وهذا يخرج عن البحث الذي نحن بصدده.. 2. أما في قانون العقوبات الصادر عام 1949 وعلى الرغم من التعديلات التي طرأت عليه فإننا نجد أكثر أحكامه تعاقب من يعتدي على الأحداث بعقوبات صارمة.. وهذه أيضاً تخرج عن بحثنا إلاَّ أنه ضم َّ بعض النصوص الوقائية منها: • المادة / 599 / تعاقب المتسول الذي يصطحب معه ولداً غير ولده أو أحد فروعه ممن هو دون السابعة من العمر بقصد استدرار العطف… • كما نصت المادة / 612 / على اتخاذ تدبير إصلاحي بحق كل حدث دون الثامنة عشرة من عمره إذا ترك لغير سبب مشروع منزل والديه أو وصيه أو الأمكنة التي وصفه فيها من هو خاضع لسلطتهم وشرد بدون عمل.. 3. كما عاقبت المادة ( 603 ) بالحبس لأبي القاصر الذي لم يتم الخامسة عشرة من عمره أو أهله المكلفون إعالته وتربيته إذا لم يقوموا بأوده رغم اقتدارهم وتركوه مشرداً.. . 4. وعاقبت المادة ( 604 ) من دفع قاصراً دون الثامنة عشرة من عمره إلى التسول جرَّاً لمنفعة شخصية بالحبس أيضاً. 5. المادة ( 611 ) عاقبت من قدم لقاصر دون الثامنة عشرة من عمره أشربة روحية حتى أسكره بالغرامة … 6. المادة ( 613 ) عاقبت صاحب الحانة الذي يستخدم بنات أو نساء من غير أسرته دون الحادية والعشرين من العمر... 7. كما عاقب المرسوم ( 13 ) لعام 1982 كل من يستخدم في منزله قاصراً لم يتم الثانية عشر من عمره ذكراً أو أنثى بالحبس لمدة شهرين وبالغرامة ألف ليرة سورية وتضاعف العقوبة في حال التكرار ويتناول هذا العقاب ولي القاصر الذي قام بعقد الاستخدام. 8. منعت المادة ( 124 ) من قانون العمل منعاً باتاً تشغيل الأحداث قبل تمام سن الثانية عشرة .. كما منعتهم من الدخول إلى أماكن العمل.. ومنعت استخدام من تقل أعمارهم عن خمس عشرة سنة في بعض الصناعات ومن لم يبلغوا سن السابعة عشرة في بعض الصناعات الأخرى. كما حظَّرت المادة ( 125 ) عمل الأحداث الذين تقل أعمارهم عن خمس عشرة سنة فيما بين السابعة مساءً والسادسة صباحاً ولا تشغيلهم مدة تزيد عن ست ساعات في اليوم الواحد.. ومنعت تكليفهم بالأعمال الإضافية. باستثناء العمال الزراعيين ومن يشتغلون تحت إشراف الأب أو الأم أو الأخ أو العم أو الخال. وجاء قانون التعليم الإلزامي رقم ( 35 ) لعام 1981 الذي ألزم المواطنين بتعليم أولادهم المرحلة الابتدائية تحت طائلة الغرامة.. وفي حال التكرار ترفع العقوبة إلى الحبس شهراً كما أوصى بجوائز تشجيعية.. وكانت الفقرة الرابعة من المادة (170) من قانون الأحوال الشخصية المعدل بالقانون / 34 / لعام 1975 أوجبت إلزام الولي على إتمام تعليم الصغير حتى نهاية المرحلة الإلزامية تحت طائلة إسقاط ولايته واعتبرت معارضة الحاضنة أو تقصيرها في تنفيذ ذلك سبباً مسقطاً لحضانتها. هذه بعض القوانين التي تدرأ عن الأطفال الجنوح ولكن. هل يحل القانون المشكلة ؟ لم أسمع أن دعوى واحدة أقيمت على ولي لنزع ولايته بسبب إحجامه عن تعليم ابنه ولا دعوى واحدة بطلب إسقاط حضانة حاضنة لهذا السبب .. ولا دعوى واحدة جزائية على الملزمين بالنفقة لامتناعهم عن الإنفاق.. إن القانون وحده لا يحل المشكلة ـ قصوره فيما عرضت من نصوص ـ فهي أعمق من ذلك لأنها مشكلة اجتماعية تستلزم الوعي والدراية والعلم والثقافة.. لقد شعر علماء العالم، أن العالم المعاصر تواجهه مشاكل متعددة ومعقدة ومختلفة باختلاف طبيعة المجتمعات ودرجة تطورها.. فمن مشاكل التخلف المتعددة الوجوه في بلدان العالم الثالث ( الفقر، والجوع، والجهل، والمرض، والتكاثر قياساً بالإمكانات المتوفرة في هذه المجتمعات. ).إن المشاكل الناشئة عن التوسع الصناعي والتطور التكنولوجي التي تعاني منها الدول المتقدمة ( التلوث، تدهور الأمن في المدن الكبرى، القلق المتزايد الناجم عن طبيعة حياة المجتمعات الصناعية المعقدة، إخفاء الروابط الإنسانية والقيم والتقاليد … الخ. ) . من هنا تنادى للاجتماع عدد من العلماء والمثقفين الأوربيين في عام 1968 وأسَّسوا فريق عمل أطلقوا عليه اسم نادي روما.. ومنذ ذلك الحين وحوالي مائة عالم وبحاثة من مختلف الثقافات والجنسيات يعملون تحت إدارة واحدة وقد وضعوا عدداً من المقالات والتقارير التي أثارت ضجة في العالم.. فحري بنا أن يقوم علماؤنا وباحثونا على كافة الأصعدة متكاتفين لصياغة الإنسان الجديد.. وإن التهرب من المسؤولية وإلقاء اللائمة على الآخرين لا يقل إجراماً بحق الوطن من التآمر عليه.. ففي تراثنا الكثير من المبادئ العامة والأسس القويمة إذا ما تأقلمت مع متطلبات العصر وتلقحت بروحه نكون قد قدمنا خدمة يفرضها علينا الواجب تجاه المجتمع والوطن وذوي القربى. وإن كان لا بد من تقديم بعض المقترحات فإنني أرى: 1. تشكيل لجان من اختصاصين في علم التربية والاجتماع وعلم النفس والتراث لإصدار تشريعات تتلاءم مع الوضع الراهن ومعالجة المشكلة التربوية من أساسها على ضوء المعطيات المعاصرة مع الاحتفاظ بما نعتز به من تراثنا.. 2. تعديل البرامج التعليمية والتربوية وخاصة في المدارس الابتدائية تفصِّل آداب التعامل والتعايش مع المجتمع الحديث. 3. إصدار قرار تنظيمي يوجب على دوائر الأحوال الشخصية موافاة مدير التربية في كل عام بجداول تتضمن أسماء كافة الأطفال الذين بلغوا السادسة من العمر تنفيذاً لقانون التعليم الإلزامي على غرار الجداول التي تنظمها لمديرية التجنيد.. وملاحقة كل من يتقاعس في تطبيقه. 4. رفع مستوى المعلم اقتصاديا وتربوياً ليتفرغ لمهنته وواجباته ( فالمعلمون هم بناة المستقبل ). 5. تشجيع طلاب الطب وحثهم على الاختصاص في علم النفس وإحداث عيادات نفسية.. 6. إحداث معاهد لإعداد المربيات والحاضنات على غرار معاهد ( الفندقة والتمريض).. 7. إحداث مكتبات عامة في الأحياء والقرى للمطالعة والتزود بالعلم والثقافة . 8. تشديد المراقبة على برامج أجهزة الإعلام وأفلام الفيديو.. 9. تشجيع تحديد النسل وزيادة التعويض العائلي ضمن حد أقصى لعدد الأولاد.. 10. تعديل قانون الأحوال الشخصية وإصدار قانون موحد للزواج. وإلغاء النص القانوني الذي يبيح الطلاق بالإرادة المنفردة.. وإطلاق يد القاضي بالحكم بالتعويض على المتعسف وإلغاء النص الذي يبيح تعدد الزوجات ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلّقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيما.) [ سورةرة النساء.. آية 129.] ولكني أرى أن هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد من الاهتمام وكثير من الدراية والخبرة والعلمنة.. وحسبي أني قرعت أجراس الخطر. محاضرة ألقيت في المركز الثقافي العربي بحمص بتاريخ 9 / 11 / 1991. | |
|