القتـــــاد
رد عـلى نـقـــد
  
 

 
إلى الأستاذ عبد العليم...

قرأتك في رسالتك إلى الأستاذ اسبر باسيل المنشورة في العدد /1595 / من جريدة حمص، وفيها ملاحظاتك على دراسته الأدبية (( للمرثية العصماء )) مرثية الأستاذ عبد المعين الملوحي لنفسه وفيها تتساءل عما إذا كان الملوحي نظم قصيدته في الصين أم في دمشق وإبان مرضه أم بعده معلقا على بيت منها:
وأمنيتي لو بتُّ في حمص ليلة
فأسبح في العاصي وألقى لداتيا
فتغفر له هذه الأمنية أن كان تمناها وهو مريض. أما إذا كان بعد شفائه
(( فبوسعه أن يتوجه إلى حمص ليأنس ويستأنس ويسبح في عاصيها ليلاً إذا شاء
أو نهاراً )) .
وأرجو أن تسمح لي يا سيدي أن أعلن لكم وأنا لست مختصا في الأدب العربي أني فهمت ذلك البيت بغير ما ذهبتم إليه..
لقد فهمت أماني عبد المعين شيئاً من الحنين إلى أيام الطفولة والصبوة حين كان يسبح في العاصي مع أترابه.. فلا هو قادر على السباحة الآن وقد بلغ من العمر عتياً .. ولا أترابه معه... فبعضهم واراه الثرى والآخر ينتظر.. أفلا يحق له والحال على ما هو عليه أن يقول:سقى الله أيام الصبا يوم كنت وأترابي نسبح بالعاصي....
أفلا يحق له أن يتحسر على تلك الأيام ويسترجعها.؟ وهل من في عمر الملوحي أو أصغر منه بعقد أو عقدين يستطيع السباحة في العاصي..؟
ألا ترى معي أنه مطلب عسير وأمنية صعبة المنال... ثم. فهمت ذلك البيت واعذرني إذا كان في ذلك خطل الرأي...
ثم .. تعتبون على الأستاذ الملوحي إنه نشر القصيدة في مجلة الثقافة الدمشقية ثم عاد ونشرها في كتيب صغير... (( وتتساءلون ما مرد ذلك )) ؟ وأنا أرى أن هذا ليس نقداً أدبياً لقصيدة ويمكن أن يقال عنه أي شيء ماعدا النقد.
على أنني أرى أن نشر القصيدة أكثر من مرة لا يعيبها ولا يضير صاحبها.. إن لم يدل على إعجاب الناس بها..
وزيادة الطلب على المادة الأدبية كزيادة الطلب على المواد الصناعية تدل على الجودة والإتقان... ثم ما رأيكم في بعض الكتب التي تطبع عدة مرات...
أليست أفضل من الكتب التي تكدس في المستودعات..؟.
التعليق الثالث هو أن الأستاذ الملوحي لم يذكر بواكيه إلاَّ الأشياء ( الجامدة ) وقد قصدت البيتين التاليين:
تذكرت من يبكي عليَّ فلم أجد
سوى قلمي والطرس والحبر باكيا
ومكتبة أودعت روحي رفوفها
تكاد إذا مـا مت تسعى أمـاميـا

وهنا لابد لي من ملاحظتين:
الأولى: وصفكم قلم الملوحي بالأشياء الجامدة والذي نعرفه انه لم يكن قلم عبد المعين في يوم من الأيام جامداً بدون روح... بل سيالاً حبَّر لمواطنيه آلاف الصفحات فكراً معطاءً.. ونقل لنا روائع الأدب العالمي وأطلعنا على ما كنا لا نحلم به لولا أمثاله...
الثانية: من الطبيعي جداً أن يذكر المرء عند وداعه هذه الدنيا أقرب الناس إليه والكل يعرف أن الأستاذ الملوحي عاش مع قلمه وكتبه وأوراقه أكثر مما عاش مع عائلته...
فقد كان يدخل وهو يترجم الأدب الفيتنامي مكتبه في الساعة الخامسة صباحاً لا يبرحه حتى الساعة الحادية عشرة ليلا ولا أظنك تعتب عليه بعد أن علمت هذه الحقيقة... إذا تذكر وهو في الهزيع الأخير من حياته (( أطال الله بقاءه وبقاءكم )) مكتبته وقلمه وأوراقه...
ثم تتهمه في أخلاقه وصدق أحاسيسه وتشكك في انسجامه مع نفسه والذي أعرفه عن الرجل أنه لم يستغل عاملاً في يوم من الأيام.. ولم يثرِ على حساب الآخرين.. ولم يتجبر على فقير أو ضعيف وفي اعتقادي أن الاشتراكية ليست فقراً وإنما هي حربٌ على الفقر.. وسعيٌ نحو حياة أفضل (( لكل حسب جهده )) والقاعدة الفقهية القائلة الغرم بالغنم لا تخرج عن هذا المنحى والذي أعلمه أيضاً أن الأستاذ الملوحي كان موظفاً زهاء أربعين عاماً وأصدر حتى الآن ستة وخمسين كتاباً من مؤلف أو محقق أو مترجم. درَّ عليه دخلاً لا بأس به وهذا هو المفروض فإن رأيت عليه آثار النعم فإن ذلك لا يعني أنه تنكر لأفكاره وأنتم يا سيدي تعلمون أكثر مني أن
العلماء والشعراء النابغين لهم في المجتمعات الاشتراكية مكانة لائقة يحسدهم عليها نظراؤهم في الدول الرأسمالية..
لقد أثرت موضوعاً مؤثراً بالنسبة لزوجته الأولى ما كنت أريدكم أن تثيروه لاسيما وأنتم غير واثقين من صحة الرواية التي نقلتموها بإقراركم... وتصوروا يا سيدي لو أن أحداً تدخل في علاقاتك مع عائلتك في مجلس خاص فماذا يكون موقفك..؟.. فكيف تتحدثون عن مزاعم على صفحات الصحف ؟؟.
سيدي :
بقي أن أقول لو أنكم نقدتم القصيدة نقداً أدبياً فأوضحتم رأيكم في صورها البيانية وتتبعتم سقطات الشاعر وإجادته في متون القصيدة.الخ.أوزان و قافية
وبلاغة ..الخ .. لكنت أول المعجبين ولكنكم وجدتموها مناسبة للتعريض بشاعرنا والنيل منه دون المساس بالقصيدة..وهذا والله ما لا أرضاه لأديب مثلكم لاسيما وأنكم تقرّون بإبداع الشاعر فتصفون القصيدة في مطلع خطابكم (( والقصيدة بحق عصماء)). ثم تقولون: (( وهو لم يذكر حفدته. إلاَّ عندما أراد أن يصّور شيخوخته معهم وبهم وإن أبدع في ذلك )). ثم تقولون ! ... ( 4 ـ لقد أبدعت ـ والخطاب موجه للأستاذ باسيل ـ في تصوير نوازع شاعرنا (( السياسة )) قومياً وإنسانيا وهو في ذلك مبدع...) .
هذه القصيدة التي أبدع ناظمها خالدة وتستحق نقداً خالداً لا ضرباً على
الجوانب ... وقد عودتنا فيما مضى على قراءة النقد الخالد... ولا أحسبكم ستبخلون علينا في المستقبل بنقد يتناسب مع هذه القصيدة تظهرون لنا مواطن الإبداع والجمال الذي يرقى بها إلى مرتبة الملاحم واسمحوا لي أخيراً أن أقول إن كان الملوحي صادقاً في أحاســيسه ومشاعره فقد أبدع... وإن لم يكن كذلك فقد بلغ الإعجاز...
ولكم مني تحية حبٍ مقرونة بأسمى آيات التقدير.

حمص ـ العدد 1597 ـ تاريخ 17 آب 1984