القتـــــاد
عقـــــدة الفضــــل
  
 

 

لست أدري متى وأين قرأت قصة ـ لم أعد أذكر مؤلفها ـ مفادها أن شابين تزاحما على حب فتاة وسعى كل منهما للفوز بقلبها والظفر بالزواج منها.. ولاحظا أنه لابد من إرضاء أبيها فأخذ كلٌ منهما يخطب وده ويقترب منه ويسعى لينال إعجابه.. وفيما هما على هذا الحال وذات يوم خرجا مع الأب لصيد الحجل، ذلك الطير الذي يستوطن الجبال الوعرة.. وأثناء ذلك زلَّت قدم الأب وكاد يهوي في وادٍ سحيق.. لولا مساعدة أحد الشابين الفورية.. بينما كان الآخر يرقبه دون حراك.. وكان الفضل في نجاة الأب لذلك الشاب وأثر ذلك لحظ الشاب الأريحي الذي أنقذ الشيخ منه فتوراً ثمَّ صدودا ثمَّ رفضاً وكانت الفتاة من نصيب الشاب الثاني الذي لم يقدم للشيخ مساعدة في محنته.. ويعلق مؤلف القصة أن سبب رفض الشاب هو حب التحرر من الفضل والنزوع إلى عدم الإقرار به.. وبالتالي لا يريد أن يعيش مع شخص سجل عليه فضلاً قد يمنُّ عليه في يوم من الأيام.. وهذا طبعاً أخلاق السوقة.. ذكرت هذه القصة رغم قدم مطالعتي لها يوم جاءني صديق قديم وقد قطب حاجبيه وتغضن وجهه أسىً وغضباً.. وقال أتذكر فلانا..؟ قلت بلى فقد كان تلميذنا في يوم من الأيام يوم كنا نمتهن التعليم تلك الصنعة التي كاد شوقي يضع القائمين بها في مصاف الرسل.. قال: أعلمت أنه أصبح في مركز كذا..؟ وكي لا أطيل عليك فقد قصدته في حاجة فأوصد بابه دوني.. ولم يسمح لي حتى بمقابلته.. ودون أن يعرف مطلبي سواء كان أكبر من طاقته أو أقل، دون أن يعرف أمشروع أم غير مشروع.
قلت له: لا عليك فلست أنت المعلم الأول الذي يعقه تلميذه ولن يكون هو أول تلميذ أنكر فضل معلمه.
بالمناسبة أنا أحب كلمة معلم أكثر من كلمة أستاذ لأنها معبرة أكثر ونُعِتَ بها أفلاطون والسيد المسيح.. أما سمعت ما قاله عبد المعين الملوحي في قصيدته التي يرثي بها نفسه:
إلى الله أشكو من رعيت عهودهم

تلاميذ عقوني مريضاً فليت لي
تناسوا حقوقي في الحياة فإن أمت
فلم أرَ منهم في الملمات راعيا

بأفضلهم كلباً يبصبص وافيـا
تباكوا على القبر الوفيّ تباكيا

قال: أثلجت صدري وهدأت روعي وخففت عني ولي بالأستاذ الملوحي مثال..
قلت: ولكنك أضرمت في قلبي أنت والملوحي ناراً وعتباً كبيراً..
قال: لماذا …! . ؟ .
قلت : بل أفدني أما قضيت حاجتك حتى الآن .. قال بلى وهل تخلو الدنيا من الأفاضل.
قلت: أَوَلَمْ يَعُد الملوحي في مرضه أوفياء … سامحكما الله.






حمص ـ العدد1601 ـ تاريخ 28 أيلول 1984.