القتـــــاد
نحيــب النســـاء
  
 

 

لم يخطر بذهني في يوم من الأيام أن أكتب في السياسة الدولية أو العربية لأسباب عدة ، أسوق منها على سبيل المثال لا الحصر :
إنَّ عقلي لا يستوعب ما يجري على الساحة الدولية من أحداث ورؤياي أضعف بكثير من أن تدرك وتحلل لعبة الأمم …
إنه ما من يوم حللت أمراً وخيل إليَّ أني أضع النقاط على الحروف إلاَّ اكتشفت بعد عشر سنوات خطأ رأيي وتفاهة تصوراتي ..
إنَّ كل ما أسمع من أخبار إما ملفق أو مشوه أو محشي أو منقوص
أو مجزوء ... الخ .
والأهم أنَّ الحديث في السياسة في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه يحتاج إلى جرأة وإقدام لا يتوفران بأمثالي ...
ومع هذا فإنَّ ما حصل يوم 18 / 2 / 1980 وردة الفعل عليه أفقداني كل ما أملك من حصافة وجبانة وذعر فقد رُفع العلم الإسرائيلي على مبنى السفارة في القاهرة بكل هدوء واتزان ورزانة واحترام لم يعكر صفو الاحتفال سوى نحيب طالبات مدارس الدقِّي المجاورة للمبنى المذكور . لم تقم مظاهرة واحدة في عاصمة من عواصم الأقطار العربية استنكاراً أو احتجاجاً ، لم يفقد رشده ضابط أو جندي في أي جيش من الجيوش فيطلق رصاصة في رأسه كما فعل ( رومل ) لم يحرق شاب نفسه على باب سفارة عربية كما كان يفعل شباب فيتنام أيام الحكم الملكي . لم يصم زعيم واحد كما كان يفعل غاندي احتجاجاً على جور الدول الكبرى . لم يلق أمير عربي عقاله كما كان يفعل أجداده وكما فعل الأمير فيصل بن الحسين حين علم بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً بأحرار العرب في ساحتي الشهداء في دمشق وبيروت صائحاً بأعلى صوته طاب الموت يا عرب ورجعت إلى أيام الطفولة يوم سمعت زغردات نسوة الميادين تودع قوافل الشباب المتطوعين في ثورة رشيد علي الكيلاني ... وأيام الشباب يوم قامت سورية عن بكرة أبيها محتجة لمجرد مرور طائرة عدنان مندريس التركي من سمائها وتذكرت وتذكرت .. أنا مع كل شعبٍ يتعاطف مع الأمة العربية في قضيتها سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو بوذياً أو ملحداً … مع كل حكومة لها نفس الموقف سواء أكانت رأسمالية أو اشتراكية … معتدية أو معتدى عليها ... لا فرق عندي مطلقاً ، حيث تضع نفسها من قضيتنا ولا شأن لي بمواقفها الأخرى . والذي أريد أن أقوله أنَّ كلَّ هجومٍ يحتاج تمشيط الميدان وإثارة الغبار حول العدو وأشغاله وأصدقائه بأمور جانبية . هذه قاعدة يعرفها الجميع ومسلِّمٌ بها لذا نجد أنه عندما وضعت الحرب الفيتنامية أوزارها أضحت الساحة الدولية هادئة ولم يبق أمامها سوى قضية الشرق الأوسط وأخذت شعوب العالم تستمع لما يحدث على الأرض الفلسطينية بأذن صاغية أكثر من السابق … فاقتضى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي التعتيم والإشغال الذي ذكرت . فكانت القضية الإيرانية والباكستانية والأفغانية ودول الخليج وصفقة لبنان ... الخ .
و إلاَّ فما معنى حماس العالم الغربي إزاء أحداث أفغانستان مثلاً في هذه الوقت بالذات فهي دولة شيوعية منذ عدة سنوات وتسير في الفلك السوفييتي منذ ذلك الحين والتغيير الذي طرأ لا يتجاوز رأس الدولة وهل هذا يقتضي تحريك الأساطيل وعقد المؤتمرات وذعر الملوك والرؤساء ...؟؟ وقبلها إيران والشاه المخلوع وتسليمه ومحاكمته ورهائن السفارة ولجنة التحقيق والنزاع الطائفي والقومي فيها .. من أجل مَنْ هذا الضجيج وما هي أهدافه ومراميه ...؟..؟ ثم ألا يتساءل المرء لم العواصف والأعاصير مقتصرة على الوطن العربي والعالم الإسلامي فقط دون أقطار العالم .. سؤال قد يستتبع أسئلة كثيرة .. إذا كان هذا كله من أجل الانقضاض على قضيتنا الكبرى من أجل تصفية القضية الفلسطينية حيث يعطى الضوء الأخضر لتصفية الأمة العربية بسلاح ـ السلام ـ فهل يشارك عدد كبير من حكام العرب في اللعبة وينفذونها... ؟ .
لتجدْنَ الجواب على هذا السؤال لا بد من الجواب على سؤال أكبر ألا
وهو : أيهما أكثر خطراً على هؤلاء الحكام إسرائيل أم الجماهير العربية .. ؟ اندبْنَ يا بنات ـ الدقي ـ واستطردْنَ في العويل والبكاء والنحيب وليشارككنَّ كل نساء العرب فالذي يحدث على الساحة الدولية من أفغانستان حتى المحيط الأطلسي إنما يحدث من أجلكُنَّ … من أجل ما فعلتن … ويا نعم ما فعلتن ...


العروبة ـ 4697 ـ بتاريخ 6 / 3 / 1980 .