القتـــــاد
حنيـن إلـى الماضـي
  
 

 


بعض حديثي اليوم مع ربات البيوت . والحديث مع المرأة محفوف بالمخاطر لاسيما إذا كان يتعلق بحياتها الخاصة .
ولقد كتبت خاطرة بهذا المعنى ولكنها تلفت أثناء تنظيف ثيابي فتريثت وحاولـت تحـاشي الموضوع عبثاً على أني أرى أن حديثي إذا ما أخذ بقليل من الرعايـة استطاعـت السيدات تقبله ولتسمح لي ربات البيوت المتقدمات في السن إن كان هناك من يعترف بذلك ـ أن أعود بذاكرتي إلى سنين خلت وقد تعمدت إغفال عددها ـ حين كانت ربات البيوت يكرسن الصيف بكامـله لتموين وادخار ما تجود به مواسمه من خضار وغيره لأيام الشتاء حيث تندر إن لم نقل ينعدم الإنتاج منه .
فكن يجففن الكوسا والباذنجان والبندورة والمشمش والفاصولياء وغيرها كل مادة حسـب تواجدها في الأسواق .
ولم يكن في ذلك الحين البراد متوافراً لدى عامة الناس بل للخاصة منهم ولم نكن نسمـع ( بالفريزر ) . كانت النساء يقضين أيامهن بالإنهماك في تحضير هذه المواد. ولم يكن أحد يقف على باب متجر أو سمان يستجديه علبة رب البندورة أو رب المشمش كما يحدث اليوم ولو فعلت سيداتنا ما كانت تفعل النساء في تلك الأيام استغنينا عن شراء خضراوات البيـوت البلاستيكية الباهظة الثمن ..
وتذهب بي الذكرى إلى السهرات الجميلة التي كنا نقضيها في الشتاء حول الموقد أو الكانون نأكل الزبيب والجوز ونشوي الكستناء ، ونسهر في العراء نتنسم الهواء العليل صيفاً ..
لم يكن في بيوتنا تلفزيون يهذي من مغرب الشمس إلى منتصف الليل بمسلسلات سخيفة تصور لنا مشكلة واحدة منذ بدأت السينما المصرية حتى الآن .
ـ زواج ابن الأكابر من فتاة فقيرة وبالعكس ـ وكأن هذا الوطن ليس له من هموم الدنيا سوى هذه المشكلة . في أواخر الستينات كنت استمع إلى برنامج إذاعي تبثه إذاعة القاهرة باسم البرنامج الثاني يحوي ما جاد به عباقرة الروائيين . يحدثك عن العلوم والآداب ومشاهير المفكرين .. وبعد دخول التلفزيون ـ ذلك الشيطان الرجيم ـ لم يعد أحد منا إلاَّ الخاصة ينكب على كتاب طلباً للعلم والمعرفة ، حبذا لو اختصت القناة التلفزيونية الثانية ببرنامج للخاصة بدلاً من فرنجتها لقد تغيرت حياتنا وانقلبت تقاليدنا ومفاهيمنا باسم الحداثة أو الحضارة … ولست أدري إلى الأحسن أم الأسوأ…؟!
أقول بكل جوارحي أني أحنُّ إلى الماضي وليرجمني دعاة التجديد .




العروبة ـ العدد ( 7035 ) تاريخ 26/3/1988