القتـــــاد
أحــــلام ممتعـــة
  
 

 

يحتفل العالم بأسره ليلة رأس السنة كلٍ حسب طاقته وبطريقته الخاصة . وأستميحكم عذراً إذا عدت إليها فقد كنت أرقبها منذ فترة طويلة أعلق عليها آمالاً. جساماً أتمنى أن تكون الفيصل في حياتي بعد عام مرّ تتالت فيه النكبات وتعاقبت المصائب ... أقلها مرض أقعدني عن العمل ثلاث مرات .. وأكبرها أني واريت أبي ثراه... طيب الله ثرى موتاكم . معذرة إذا حدثتكم عن آلامي وأشجاني ولكل منا مآسيه. فالمناسبة فرضت عليّ ذلك ... في تلك الليلة وقد أعفاني أبنائي من تسويق متطلباتها وأخذوا على عاتقهم تحضير مستلزماتها دون تكليفي بأي عناء فاقتصرت مهمتي على تزويدهم بما يحتاجون من نقود ... ارتحت لعرضهم هذا وقبلته شاكراً ... أما يحق لمن بلغ الخمسين من العمر أن يتقاعد يوماً واحداً عن تسويق ما يسد به أفواه أبنائه ...؟ جلست على أريكة تحيط بي الوسائد من كل جانب كسلاطين بني عثمان .. ووضعت قدمي على طنفسة أعتز بها فهي من صنع صبايا قريتي … أتباهى بالأنامل الناعمة التي حبكتها ودبجتها فأحسنت التدبيج فلا أحلى ولا أجمل . أين منها منتجات دمشق وحلب وكل ما تنتجه مصانع العالم لا يناظرها إلاَّ طنافس الوحدات الإرشادية في القطر ولا يضاهيها غير ما تصدره بلاد العجم جلست وقد أخذ الأولاد بل الفتيات تنضدن ما لذَّ وطاب على سماط بسطوه أمامي وجاء أحدهم بزجاجة الوسكي المهربة يضعها أمامي متباهياً وقد نثر مثالها من الدخان الأمريكي الفاخر ولم تكن مباهاتة لحصوله عليهما فهما متوفران أكثر من الكشك ـ أيام زمان يوم لم يكن الكشك حلماً من أحلامي .. وإنما لشعوره وأشقاءه بالقيام بالواجب وكم كنت فخوراً تلك الليلة بحسن ذوقهم رغم أنهم ألزموني بقبول زجاجة عطر من صنع باريس وأنا لم أتعاط العطور شاباً فكيف وقد بلغت الكهولة ... ؟ . وبدأت الكأس الأولى والأمل يدغدغني في استقبال عام جديد ملؤه المسرات والأفراح والليالي الملاح .. ووطدت العزم على تناسي الأتراح ... وبينما أنا أبني قصوراً في الأندلس كما يقولون ، قطع أحدهم سلسلة أحلامي معتذراً : لقد حاولت الوصول إلى المخبز الآلي للحصول على بعض الأرغفة عبثاً فالزحام كالعادة كان شديداً وتعقبت الخبز اللبناني عند أكثر من سمان دون جدوى وقد فاتني الفرن البلدي لتأخري في محاولاتي السابقة .
عدت بذكرياتي إلى القرية ورغيفها التنوري وكأنه خدود الحسان ـ وقد أدميْنَ من خجلٍ ـ وشممت رائحته الشهية وترحمت على الأيادي التي حرقها اللهب وأضناها العجن بصبرٍ وأناة لتقدم لنا ما يؤكل …
تذكرت أمي حين كانت تصف أحد التعساء في قريتنا قائلة : فلان يركض ورغيفه يركض ، كنت أتخيل في طفولتي رغيفاً ينداح متباعداً على حرفه ورجلاً يلحقه فلا يستطيع إليه وصولا . وعندما كبرت فهمت المقصود من ذلك المثل أو خُيِّلَ إليَّ أني فهمته وغابت عني صورة الطفولة .. إلى أن عدت إليها الليلة .. بيني وبين المخبز الآلي مائتا متر على الأكثر ودون الوصل إلى الرغيف خرق القتاد ، ترى كتب عليَّ وعلى أمثالي التعاسة وأصبحنا نركض والرغيف يركض أمامنا فلا نستطيع اللحاق به وأضحت الرؤيا قاتمة والمستقبل حالكاً . وعدت إلى رشدي أو خيل لي فتناسيت هذه الذكريات . لن أعكر سهرتي بآمال جسام ينبغي على المرء الرضى بالواقع وقد تداركت زوجتي بعض الأرغفة من الجيران فحظهم أحسن من حظنا وأرغفتهم من صنع المخبز البلدي المجاور ومالي وماله ..؟ .
أما أوصاني الطبيب بالابتعاد عن تناول النشويات وهذا يستلزم الإقلال من الخبز ولعل الفران بتوصية من الأطباء فرض حمية إجبارية على المواطنين فأنتج هذا النوع الذي يلزمك بالحمية ـ سلمت يداه ـ .
وتشاغلت عن كل هذا بشاشة التلفزيون فإلى الطرب والمرح مع برامجه التي ستقدمها تلك المذيعة الجميلة ذات الصوت الملائكي وما إن قدمت فقرة وبعض فقرة من برنامجها الغنائي حتى نقلتنا جميعاً ـ نعم جميع مشاهدي القطر ـ إلى أحد أفران العاصمة الآلية . وأخذت تجوب في أنحائه وتطنب بجودة الصنعة وتضحية عماله . توزع المكافآت والهداية على الذين يسهرون من أجل إطعامنا وتمجد مديرية الخير الوفير على اهتمامها بالأفواه الجائعة وتضحياتها .. ولكم سال لعابي .. لا من أجل عينيها السوداوين وإنما من اللقمة التي تذوقتها .. جررت أذيالي إلى مخدعي وفي مخيلتي ذكرى طبخة البحص وآمال الأطفال ونعاسهم .
أليس ممتعاً أن يأوي المرء إلى فراشه وقد علل نفسه برغيف شهي ....؟


العروبة بتاريخ 20 /1 / 1980