القتـــــاد
عقــــال البعيــر
  
 

 

منذ فترة عرض فيلم في لندن بعنوان ـ موت أميرة ـ خلاصته أن أميرة سعودية أحبت شاباً من أبناء بلدها ، دونها حسباً ونسباً وحاولت الهرب معه ، لأن تقاليد الأسرة المالكة تحول بينها وبينه على الرغم من أنه ابن سفير بلادها في لبنان في ذلك الوقت . فخلعت ثيابها وتركتها على شاطئ البحر الأحمر لتوهم ذويها بأنها انتحرت . وقد شك هؤلاء بأمر انتحارها لاسيما بعد أن ترقبوا جثتها طافية على سطح الماء دون جدوى . فشددوا الحصار على المطارات إلى أن ألقي القبض عليها محاولة مغادرة البلاد مع حبيبها وحوكمت وأدينت وإياه بتهمة الزنى ونفذ فيهما الحكم على مرأى ومسمع الناس ...
بعد عرض الفيلم قامت ضجة كبرى في لندن أثارها الدبلوماسيون العرب بقيادة السفارة السعودية وهدد بعضهم بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إنكلترا إن لم تمنع الحكومة البريطانية عرض الفيلم لمساسه بالتقاليد العربية والإسلامية . أهم شئ في الموضوع أنه لم يصدر تكذيب واحد للقصة بمعنى أن الحادث حصل مائة بالمائة . والأكيد أنه لم يثبت حكم الزنى بين المتهمين ذلك أنه لإثبات جرم الزنى في الشريعة الإسلامية يقتضي أربعة شهود عيان شاهدوا الفعل بأم أعينهم . وهذا لم يتوفر في تلك القضية . الأمر الذي جعل الملك خالداً يتلكأ في تنفيذ الحكم فتدخل شقيقه الأمير محمد ـ والد الأميرة ـ طالباً إليه التنفيذ ففعل ...
مما سبق يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية بريئة مما حصل والذي حصل إنما كان نتيجة لعادات وتقاليد جاهلية حاربها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً . فالناس في نظر الإسلام سواسية كأسنان المشط ... الخ .
أنا لا أريد الدفاع عن الفيلم وأصحابه فهم ولاشك مغرضون ويتربصون بنا الدوائر للتشهير والتشنيع بكل ما يمت للعرب بصلة ...
ولكن ألا ينبغي علينا أن نتدارك الأمور قبل حصولها . فلو طبقت الشريعة الإسلامية بشكل صحيح لما سنحت الفرص أمام هؤلاء ليقوموا بحملتهم هذه . ولما كلفنا أنفسنا عناء الدفاع في أمور يمكن تجنبها بكل سهولة .
الأمر الثاني الذي يخطر في الذهن هو أنه كان على الصحافة العربية بدلاً من أن تشرح للمواطن العربي كيد الأعداء ظناً منها من أن هذا المواطن مازال بليداً رغم مرور عشرات السنين على عرض هذه الأمور وكان عليها أن تشرح للمواطن الأوربي أنَّ ما حصل لا يمت إلى التقاليد الإسلامية بصلة . وإنَّ ما حصل هو بدافع من الدم الأزرق الذي يسري في عروق كل الملوك والطبقات الأرستقراطية شرقاً وغرباً . أما الدبلوماسية العربية فإن المواطن العربي لا يملك إلاَّ أن يقدم لها الشكر الجزيل على اهتمامها بالقضايا العربية وحرصها على سمعة العرب وكرامتهم . فقد كلفوا أنفسهم عناءً كبيراً فعقدوا عدة اجتماعات لتكون كلمتهم موحدة إزاء هذه الكارثة الكبرى وعطلوا أعمالهم فلم يبتاعوا ولم يبيعوا في ذلك اليوم كيلو غراماً واحداً من الذهب . ولم يعقدوا صفقةً واحدةً من صفقات القطع النادر .
وربما أخلف بعضهم موعداً مع أجمل فتاة رآها منذ تسلم سدة سفارته وقد يجر عليه هذا التخلف فقدان الثقة بينه وبينها فتنعته بالكذب والإخلال بالمواعيد ولن تصدقه بعد الآن .
والمواطن العربي إذ يتقدم منهم بالشكر لا يسعه وبدافع من طموحاته وأطماعه من أن يذكر بأمور قد لا توازي التشنيع الذي سببه الفيلم ولكنها على كل حال تدغدغ أحلامه فالأراضي المغتصبة في كل ناحيةٍ من الوطن العربي الكبير تحتاج إلى تحرك من قبلهم وتصريحات الدول المعادية التي تفصح عن نواياها في اقتطاع أجزاء جديدة من وطننا تستحق الاهتمام ... والحفاظ على كل شبرٍ من أرض الوطن يدخل في عداد التقاليد العربية ويحسن بنا في هذه المناسبة أن نذكرهم ـ إن كانت الذكرى تنفع ـ بقول أبي بكر الصديق : لو منعوني عقالاًً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم دونه .


العروبة ـ 4759 ـ 22 / 5 / 1980