لعل المرحلة التي يمر بها الشعب العربي اليوم . من الضياع والحيرة وفقدان الثقة من أخطر المراحل التي يمر بها في العصر الحديث ، حتى بلغت المأساة إلى حدٍ أخذ فيه الإنسان العربي يتبرأ من قوميته ومن أمته ومن وطنه . وما مظهر شتم الذات التي نصادفها في حياتنا اليومية ـ بحيث نلصق بالعرب وبالعروبة كل ما هو مشين ـ إلاَّ نتيجة طبيعية للقهر والذل والخنوع والإحباط والهزيمة التي نعيشها خلال مراحل طال أمدها أكثر مما ينبغي .. فالخلافات بين الحكومات العربية وتذبذب اتجاهاتها وتجاهل آراء الشعوب وإفراغ الشعارات من معانيها الحقيقية وتدنيس مقدسات الأمة وجعلها لعبةً من أرخص اللعب والعبث بها ، هذه الأمور بمجموعها جعلت من هذا المواطن إنساناً بلا هوية ، بلا هدف ، بلا نظرية ، بلا عقيدة ، بلا أخلاق ، بلا مبدأ ، إلى آخر ما هنالك من الضياع والسير في دروب المتاهات بعد أن أضناه السير والبحث عن الأمل المنشود دون جدوى . ولقد أصبحْتَ تشكُّ في كل من حولك من المواطنين ، بل من الأقرباء والأصدقاء بأنهم جميعاً شعوبيون أو يسيرون بالخط الشعوبي ولست عنهم ببعيد فأنت وهم في خندق واحد . في رأيي عندما نصل إلى ما وصلنا إليه أنفاً لا بد لنا من البحث عن المسؤول عما يحدث فإذا عرفناه استطعنا تقديم العلاج الناجع واحكمنا الخطة للاهتداء إلى شاطئ الأمان . أعتقد أن أصابع الاتهام تتجه باتجاهات ثلاثة : 1 ـ المتهم الأول : الاستعمار : وهذا هو الأمر الوحيد الذي تجمع عليه أجهزة الإعلام العربية مع اختلاف في الصياغة والإخراج والتمثيل … هذه تتهم المعسكر الرأسمالي … وتلك تلقي التبعية على المعسكر الاشتراكي . ولئن كان الاستعمار بكافة أشكاله مداناً ضالعاً في الجريمة حتى أذنيه لكنه في نظري غير مسؤول لأنه يدافع عن وجوده ويسعى لتحقيق أغراضه . 2 ـ المتهم الثاني : عدد كبير من الحكام العرب ، فهؤلاء تختلف مشاربهم وتتباين منابتهم وتتباعد أغراضهم وتزور مسالكهم . فمنهم من يرى في النظام الاشتراكي والعدالة الاجتماعية تهديداً لمصالحهم بل وجودهم ومنهم من يرى في الديمقراطية إجهازاً على سلطانه ، ومنهم من يرى في القضاء على الكيان الصهيوني تمهيد السبيل نحو دك عرشه .. ومن مصلحة هؤلاء الدفاع عن مصالحهم بالأساليب التي يرونها تنقذ رؤوسهم .. 3 ـ المسؤول الأول والأخير : ولا أقول المتهم الثالث لأن الاتهام يوجه إلى من يقوم بفعل إيجابي يؤدي إلى الجريمة ... بينما المسؤولية تشمل الذين يمتنعون عن القيام بفعل يحول دون ارتكابها ... فهي أكثر شمولية من الاتهام وأبعد . أقول المسؤول الأول والأخير أنا وأنت وهذا الشعب برمته بل هذه الأمة من محيطها إلى خليجها لأنها تتهاون في أمورها المصيرية تفضل مصالحها الآنية المؤقتة على قضاياها الكبرى .. وسأذكرك بمثال واحدٍ لعله يدعم رأيي وتجدني محقاً فيما ذهبت إليه .. فالوحدة من القضايا المصيرية ومن أقدس أهدافنا وأنبلها مطلباً نادينا بها منذ أواخر القرن الماضي ومازلنا . لم يبقَ حامل قلم واحد إلاَّ وأشبعها درساً وتمحيصاً . وكان أن وجدت نواتها بقيام الجمهورية العربية المتحدة بين القطرين السوري والمصري ثم انفصلت هذه الوحدة لسبب أو لآخر وبصرف النظر عن التآمر الذي أدى إلى ذلك .. ومع إقرارنا بكيد الاستعمار وإسرائيل لتلك الوحدة . إضافة لاشتراك عدد كبير من الحكام العرب في التآمر الذي ذكرته . ألا يحق لنا لنصل إلى نتيجة المسؤولية ؟ … أن نتساءل ما هي التضحيات التي قدمها الشعب في ذلك الحين للحيلولة دون وقوع الانفصال .. ؟ . ما هو العمل الذي قمنا به نحن كمواطنين عاديين لإجهاض الانفصال … ؟ .. وما هو الدور الذي لعبه المواطن في سبيل ذلك سواء خلال الوحدة من محاولات لإصلاح أخطاء حكامها إلى الوقوف في وجه الذين استغلوا تلك الأخطاء فنفذوا الانفصال .؟. ألا ترى معي أن هذه المواقف اللامبالية ، اللامسؤولة من المواطن من مثل هذه القضايا والتي يدركها كلٍ منّا هي التي أدت إلى الانفصال .. وبالتالي يشجع الاستعمار وإسرائيل والمتآمرين من الحكام العرب على رفع العلم الإسرائيلي على سفارات جديدة في عواصم أخرى من الوطن العربي …
العروبة ـ 4748 ـ بتاريخ 10 /5 /1980
|