كثيراً ما نقوِّم في مجالسنا أصدقاء لنا ومعارف وعلماء من أعلام الفكر أو الأدب أو السياسة ... الخ .. من خلال تصرف واحد ... فنصدر أحكاماً نحسبها منصفة على ضوء المعطيات التي بين أيدينا وكثيرا ما نحفظ في ذاكرتنا هذه الأحكام... وبمجرد ذكر هؤلاء تقفز إلى ساحة الشعور سواء أكانت محببة إلى قلبنا أو على عكس ذلك ... غير أن الأيام المقبلة تكشف لنا أن الذي وصلنا إليه ما هو إلاّ تعميم خاطئ... فالناس لا يقوَّمون من تصرف واحد ، فلربما دفعهم إليه ظرف معين ظاهر أو خفي.. معلن أو غير معلن وكم من المرات نضطر إلى إخفاء ما نضمر لسبب أو لآخر، فالإنسان عالم قائم بذاته ، تتعاوره الأهواء والنزعات وتتقاذفه ظروف داخلية أو خارجية، عائلية أو اجتماعية ، شخصية أو مهنية ، فيزيولوجية أو سيكولوجية . وهذه الظروف السلبية أو الإيجابية تتحكم في التصرفات التي تبدر عنا حين يعرض علينا موضوع التجربة . أو سيكولوجية إن صح هذا التعبير والتجربة أمر مخيف فيها تتصارع الأهواء وتتلاطم بالخير والشر . الإغراء والإرهاب . كل هذه العوامل تجعلنا ننجح في الامتحان أو نخفق ، نفوز أو نفشل . فمنذ ألفي سنه حذّر السيد المسيح من التجربة . فأوصى تلاميذه أن يتضرعوا إلى الله قائلين ( اللهم لا تدخلنا في التجربة ). أذكر أن صديقاً حدثني حديثاً عابراً : روى لي فيه أنه كان يتمنى أن يدرس القانون ليمتهن المحاماة وإنه اضطر إلى تغيير مستقبله يوم كان على أبواب الجامعة لأن شقيقه ضن عليه بمبلغ من المال فانتهج نهجاً آخر غير الذي رسمه . وقد حمدت الله في سري على هذا التبديل لأنه الآن علم من أعلام الأدب في قطرنا ، أشك في وصوله إليه لو سلك الطريق الذي تمناه . المهم أن صورة ذلك الشقيق حفظت في ذاكرتي شحيحاً .. بخيلاً ... الخ . ومنذ أيام كنت أجالس صديقاً لي فجاء عرضاً على سيرة ذلك الشقيق وهو لا يعرف من أمر رواية صديقي شيئاً ... فأطراه وامتدحه وأشاده بأريحيته وأخلاقياته ومحبته وتفانيه واستقامته واستشهد بتصرف حدث معه فكان ذلك الرجل معواناً له في محنته فانجلت الصورة لي وترحمْتُ على ذلك الرجل واستغفرت ربي بيني وبين نفسي لظلمي إياه نتيجة تصرفه مع أخيه . رغم تأكدي من أن أخاه صادق فيما روى ولكن الله وحده يعلم الظروف التي حاقت به والحالة المادية ولربما النفسية التي كانت فيها عندما ضن على أخيه بالمال فكان تصرفه بعيداً كل البعد عن حقيقته . لو عاد كلٌ منا إلى أحكامه على الناس وتقويمه لهم لوجد أمثلة كثيرة تشابه القصة التي رويت وقديماً قال أهل الأمثال ــ من لا يجود لك يجود لغيرك ـ والكريم من أعذر على أن الإجماع غالباً ـ يكون منصفاً ( فألسنة الخلق أقلام الحق ) .
العروبة ـ العدد 7164 7 أيلول 1988
|