عهدي بالمحاضرات بعيد ، عزفت عن حضورها مرغماً آسفاً فالموعد الذي تحدده إدارة المركز الثقافي وكذلك اتحاد الكتاب العرب ـ الساعة السادسة مساءً ـ يتضارب مع دوامي في المكتب وقد لحظت أنه لا يتناسب مع أوقات كثير من رجال الأعمال .. ولكم تمنيت لو أجل الموعد إلى الثامنة مثلا .. وعلى الرغم مما ذكرت فعنوان المحاضرة كان مثيراً . الأمر الذي جعلني أحزم أموري وأعطل أعمالي وأتوجه لحضورها والأمل يحدوني بمشاهدة مئات المثقفين يتزاحمون بالمناكب لما سيقوله ذلك المحاضر القادم من دمشق تخيلت قاعة كبرى تتناسب مع تعداد المدينة . دلفت إلى المركز الثقافي فلم يرهبني الهدوء الذي كان يخيم عليه .. ظننته للوهلة الأولى احتراماً للعلم وتقديراً له وحفاظاً على هيبته ولا غرو فما أحوج المطالعين لمثل هذا الهدوء الذي قد لا يتوفر في منازلهم .. وما إن أُرشدت إلى قاعة المحاضرات حتى شعرت بالصدمة فالمكان أصغر حجماً من قاعة المركز القديم ورغم ذلك فقد اتسع الحضور بالكمال والتمام وكأنه فصل لهم خصيصاً . سألت جاري أما من قاعة أخرى للمحاضرات ؟ قال بلى ولكنها قيد الإنجاز ورغم مرور ربع قرن إلاَّ قليلاً على التأسيس .. كان عنوان المحاضرة كما قلت مثيراً ـ كيف ندخل القرن العشرين قبل أن يخرج الناس منه ـ المحاضر كان نجماً تلفزيونياً إذاعياً صحفياً قانونياً شاعراً موسيقياً دون إطناب أو مبالغة فهو المحامي الأستاذ نجاة قصاب حسن المعروف من قبلكم جميعاً .. الحضور عشرات من الشباب لا يتجاوز المائة وطبيب واحد وسبع نساء وقاضيان وعشرة محامين أو أقل وبعض الأدباء والمدرسين . المحاضرة قانونية والدعوة موجهة من المركز الثقافي بالتعاون مع نقابة المحامين . عندما كان يرقى سلم المنبر بقامته القصيرة وشعره الأشيب وصلعته المحببة إلى الجميع كنت أحدث نفسي بقولٍ للكاتب الإيطالي الشهير ميكافيلي حيث ينصح أميره فقال : إنَّ الصخرة الكأداء في وجه التقدم هم رجال القانون ورجال الدين وتساءلت ترى أيستطيع هذا الرجل أن يأتي بجديد ؟ وبدأ يتكلم وليتكم كنتم جميعاً معي .. حديثه عذب طلي كما تعلمون يعرف ما يريد كما يحسن سواء السبيل إلى ما يريد .. يستشهد بشعره العذب حيناً وبالأمثال العامة أحياناً بظرفٍ وخفة . فإذا ما سخر وضح لك الفكرة دون أن يوجع في سخريته .. طاف بنا في عالم القانون كما هو كائن وكما يتمنى أن يكون ، أخذنا إلى أروقة قصر العدل في باريس وميونيخ وعاد بنا إلى قصر عدل دمشق ومحاكم حمص.. داعب القضاة والمحامين. خلاصة فكره و زبدة موضوعه أننا نعيش في عصر الفضاء فينبغي أن نواكب هذا العصر .. قوانيننا من مخلفات العهد العثماني والجديد فيها وضع منذ ثلاثين عاماً وبعقل متخلف حتى عن زمانها فلا بد من تغيير جذري لاسيما في قانون أصول المحاكمات كي لا يمل المتقاضون ويتنازلون عن حقوقهم أو يأكلها الزمن بالتضخم النقدي نتيجة عيب الإجراءات والروتين . ويضرب على ذلك أمثلة منها أن المسافة بين دمشق وحلب في قانون أصول المحاكمات اثنا عشر يوماً وبين دمشق وبغداد شهر .. ويحمل على التعديلات التي طرأت على بعض القوانين منذ فترة وجيزة بشكل اعتباطي خالية من الدراسة العملية والواقعية بعيدة عن المنطق . وعلى الرغم من أنني لا أوافقه على كل مقترحاته فإنني أرى في معظمها الدواء الناجع والبلسم الشافي ربما إلى حين . وأثبت بدون شك أن ذلك الرأس الأشيب يحمل خبرة الشيوخ وإقدام الشباب وثقافة عالية والأهم من هذا كله حبه لمهنته التي نذر نفسه لخدمتها وتفانيه من أجل تطويرها وهو على أبواب التقاعد . يصيب أحياناً ويخطئ حيناً إلاَّ أنه حارب التخلف ودعا للتقدم والتطور .. مع تصوير حسي لموقفنا من العالم ومن الزمان ليجيب نحن في القرن العشرين وإلاَّ لوجب علينا أن نتمنى العد التنازلي بحيث نكون في القرن التاسع عشر ثم الثامن عشر وهكذا إلى أن ندرك القرن السابع الميلادي تلك الحقبة من التاريخ التي نباهي بها الأمم وكأنه يخشى أن نستمر المكوث في مكاننا لا نريم .. عندما انتهى من محاضرته تمنيت لو أهمس في أذنه : ـ لو أحصيت نسبة الحضور من عدد سكان هذه المدينة . أو طفت في أرجاء المكان الذي تحاضر فيه من حجر التأسيس إلى المقاسم التي لم تنجز لأرحت واسترحت .
العروبة ـ 4702 بتاريخ 13 / 3 / 1980 .
|