القتـــــاد
غـــول الغــــلاء
  
 

 
عندما صدر المرسوم التشريعي رقم ـ 3 ـ لعام 1980 القاضي بزيادة رواتب الموظفين تذكرت رواية مفادها أن فانوساً كان يعلو كتلة من الحجارة في أحد الشوارع وعندما سئل عن سبب وجود الفانوس قيل كي لا يعثر المارة بالحجارة . فسئل ما مبرر وجود الحجارة . قيل لتكون قاعدة للفانوس وتمنيت أن لا يحدث الأمر نفسه بحيث لا ترتفع الأسعار نتيجة زيادة الرواتب بسبب غلاء الأسعار وندخل في متاهة لا تنتهي وكأنها أغنية الشيطان والحق يقال أن التعديلات التي طرأت على الرواتب أوجدت توازناً بين الأسعار الحالية وبين دخل الموظف وبالتالي فقد غطت العجز الذي كان يعاني منه .
ومن حق هؤلاء المحافظة على هذا التوازن الذي يكفل لهم العيش الكريم على قدم المساواة مع غيرهم من أبناء هذا المجتمع لا أن يذهب بالزيادة غول الغلاء . إني أتخيل ارتفاع الأسعار وتضخم النقد في بلدنا لأسباب عدة يمكن معالجتها بالطرق التالية:
أولاً : قد يعتقد بعض التجار والحرفيين فيجاريهم البعض الآخر أن زيادة الرواتب إقرار من الدولة بإباحة رفع الأسعار ضمناً ومن حقهم أن تشملهم الزيادة ولربما اعتقد البعض أن الزيادة لم تأتِ إلاَّ من أجلهم أليسوا جزءاً من هذا المجتمع مثلهم مثل الموظفين وباستطاعتهم دون مرسوم التحرك لإنصاف أنفسهم متجاهلين أن تعديل الرواتب إنما جاء لتغطية تفاوت سابق بين أسعار البلد والرواتب وإزالة الإجحاف الذي عانى منه العاملون في الدولة الآمرين وليس احتياطاً لغلاء متوقع .
إن قليلاً من التروي والتعقل يكبح من جماح جنون الغلاء ذلك لأنه ما من مواطن إلاَّ ويعتبر في عداد المستهلكين .
فتاجر القماش مثلاً يقتنص مستهلكي هذه المادة ويكون فريسة لغيره في كل ما يحتاجه من المواد الأخرى وهذا ينطبق على كافة المواطنين مثلهم مثل القط والمبرد حين حاول لعق المبرد بلسانه فقطر لسانه دماً فامتصه وهو يعتقد أنه امتص دم المبرد إن ما عرضته آنفاً هو حل أخلاقي ينطبق على المنطق إذا استطعنا جميعاً تفهمه حلت مشاكلنا إلى حدٍ ما
ثانياً : أرى من واجب الدولة غربلة موظفيها وخاصةً موظفي التموين فتزيد من مراقبتها لهم بحيث يحال بينهم وبين الانحراف والمحاباة والتعسف في نفس الوقت.
ثالثاً : زيادة الرقابة الشعبية بحيث يأخذ كل مواطن دوره في هذه الرقابة فيذود عن نفسه بتقديم شكوى خطية مسجلة إلى دائرة التموين كلما شعر بالغبن والجشع .
إذ لا يعقل أن نتساهل نحن بحقوقنا ونطالب دائرة التموين بمكافحة الجشع ووضع الأمور في نصابها وبذلك نساهم مساهمة فعالة في تثبيت الأسعار .
رابعاً : تلجأ الدولة في كثير من الأحيان إلى رفع سعر بعض المواد فينجم عن ذلك أن يقوم التجار والحرفيون بمجاراتها كلما رفعت الدولة سعر مادة من المواد وهذا يسبب تكرار زيادة الأسعار عدة مرات في العام الواحد . والذي أقترحه على الدولة إذا رأت لسبب أو لآخر رفع سعر بعض المواد أن تُدرج كافة المواد التي ترغب تعديل سعرها في قائمة واحدة لمرة واحدة في السنة لا أن ترفع سعر الحديد اليوم وغداً الأسمنت وبعد شهر الخشب وهكذا .
خامساً : إن العاملين لدى الدولة باستطاعتهم تثبيت الأسعار إذا أخلصوا في عملهم وتفرغوا له . ذلك لأن الخسارة التي تصيب المؤسسات العامة والقطاع العام تنعكس على أسعار المنتجات وبالتالي على المستهلك .
سادساً : الإكثار من المؤسسات الاستهلاكية ونشرها في كافة الأحياء والقرى ورفدها بالمواد الاستهلاكية نوعاً وكماً . وحسن انتقاء موظفيها يساهم مساهمة فعالة في السبيل الذي نحن في صدده فضلاً عن أنها تسير بالوطن نحو التطبيق الاشتراكي .
سابعاً : زيادة شمولية البطاقة التموينية لكافة المواد الضرورية منعاً للتهريب وتعزيز الجمعيات التعاونية الاستهلاكية الخاصة بالموظفين بحيث تبيع السلع لأولاء فقط بسعر الكلفة بالنسبة للمواد المنتجة محلياً مع إعفاء المواد المستوردة من الجمارك شريطة أن تكون هذه المواد مقننة . ولعل الجديد في تطبيق القوانين ورفع الحماية عن أصحاب النفوذ الذين يتمسحون بالسلطة وإنزال العقوبات الرادعة بشكل عادل ومنصف دون شفاعة أو تحامل . يضع الأمور في نصابها .


العروبة ـ 4675 بتاريخ 10 / 2 / 1980 .