حرصت في بعض كتاباتي على تقديم الشواهد في النثر أو الشعر قبل الدراسة، لأنني أعتقد أن أهم عناصر الدراسة يقوم على الشواهد والأدلة، وإن البحث الذي لا يعتمد على الشواهد والأدلة يبقى بحثاً فضفاضاً غير موضوعي. ومن أجل ذلك أقدم هذه الشواهد من كتاب الأخ الأستاذ عزة ضاحي الذي شرفني بكتابة مقدمة له. وإليكم هذه الشواهد منتزعة من كتابه: 1 ـ قال دبشليم: قد أفدتني عن حالهم ( حال الموظفين ) ما يدعو إلى الأسى. فهم بطانتي وساعدي وعمالي في إقامة العدل ودفع الظلم وصيانة الحقوق والأخلاق وضبط الأمن ونشر العلم وتسهيل المرافق وتطهير المجتمع وكل تصرف على خلاف ذلك منهم استئثار واستبداد يؤدي إلى ضرر وفساد، فلا بد من إصلاح شأنهم.. ) ( الموظفون وبيدبا الفيلسوف ). 2ـ قلت: وما أنت فاعلة. قالت : كن مطمئنـاً . لن أرتكب حماقة. ليس خوفاً من الفتك بي ولا اقتناعـاً بوجهة نظركم، وإنما لسبب واحد، هو أني لن أكون شهيدة جديدة للحرية سواء قتلت أو بقيت على قيد الحياة. كيلا يكتب اسمي في سجل العاهرات. أقفلت الهاتف وأنا أردد: جاهليـة وايم الحق وما بعدها جاهليـة. ( محادثة هاتفية ). 3 ـ تتغنون في مقاهيكم ـ أنتم المثقفين من الرجال ـ بأفكار روسو وديدرو وتسجنون أزواجكم وبناتكم في منازلكم. أرجعوا إلى أضابير المحاكم و أحصوا عدد شهيدات الحرية تجدوا آلافـاً قتلن بسبب خروجهن على إرادة ذويهن باسم الشرف وغسل العار. ( محادثة هاتفية ). 4 ـ أعود إلى الثأر، فهو من العادات القبلية والعشائرية التي يجب وأدها مع الجاهلية. وقد ألغاها الرسول العربي في خطبة الوداع حيث وضع دم عمـه حمزة، وأضحت الدولة تمثل الحق العام فتقتص من المجرمين والخارجين عن القانون. ( الثأر ). 5 ـ تفقدنا المدينة ( مدينة إنطاكية ) وآثارها وتقرينا معالمها وخالطنا تجارها وأهلها. شيئاً واحداً افتقدناه... فما عثرنا على واجهة كتب عليها اسم صاحبها باللغة العربية. كل شيء عربي مغلف بغشاء تركي رقيق إلى أن تعالى صوت المآذن يدعو الناس إلى الصلاة باللغة العربية … قال ودموع الفرح تترقرق في عينيه: لقد ثقب الغشاء التركي، أفلا تسمع العلنية: التي نبحث عنها. السيارة تتهادى بنا بين حقول إنطاكية … كان الأطفال القرويون عندما يرون سيارتنا ذات اللوحة السورية يلوحون لنا بالأيدي.. قفا ودعا نجـدا ومن حلَّ بالحمـى بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى وقـلَّ لنجد عندنا أن يـودَّعا وما أحسن المصطاف والمتربعا
بعد زيارة السادات لمدينة القدس، قلت له: إن مخاوفك تتحقق.. قال لا يا صديقي.. أنسيت صمود أطفال إنطاكية ؟ . ( صمود أطفال إنطاكية ). 6 ـ في حقل التربية: نتغاضى عن أكاذيب أطفالنا إن لم نعلمهم إياها، فننشئ شباباً غير صادقين مع مجتمعهم، غير صادقين مع وطنهم حتى ولا مع أنفسهم.. نسرق على مرأى منهم ونطلب منهم أن يكونوا أمناء. ( لماذا لا نعترف ). 7 ـ والأكيد أنه لم يثبت جرم الزنى بين المتَّهمين، ذلك لأن إثبات جرم الزنى في الشريعة الإسلامية يقتضي أربعة شهود.. مما سبق يتبين أن الشريعة الإسلامية بريئة مما حصل والذي حصل إنما كان نتيجة لعادات وتقاليد جاهلية حاربها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً ، فالناس ـ في الإسلام ـ سواسية كأسنان المشط. ( عقال البعير ) (تعليق على فلم موت أميرة ). 8 ـ التعامل مع منجزات الحضارة مطلب إنساني، وكلما أحسنا التأقلم معها ازدادت حياتنا ازدهاراً ( الحضارة والناس ). 9 ـ بعد خمس عشرة سنة بالضبط بتاريخ 14 / 4 /1980 كان موعد الجلسة الختامية، ولم يحضر حيدر (العامل الذي قطعت أصابع قدمه ) كعادته، خشيت أن تكون النهاية مأساوية، ولكنه جاء متأخراً معتذراً بزفاف ابنته ـ التي سماها صبريه والتي ولدت حين قطعت أصابع قدمه ـ ( وسام ). 10 ـ كان أبوه فراناً يهيئه ليخلفه في صنعته.. وكان الطفل على غير ما اختار له أبوه فأخذ يتحين الفرص ليجلس قرب نافذة المدرسة المجاورة يتعلم ما يتعلم أمثاله من الأطفال … ويعود حنا خباز إلى حمص ويشتري أرضاً واسعة في حي باب السباع ويبني عليها ( كلية حمص الوطنية ).. وتستعر الثورة السورية في أوائل العشرينات من هذا القرن ويتظاهر الطلاب فيستدعي الحاكم الفرنسي الخباز ويطلب منه طرد الطالب ـ صالح عقيل ـ الذي أصبح فيما بعد وزيراً للإعلام في عام 1958. فيرد الخباز رداً رقيقاً بقوله: إن صالحاً لم يخالف أنظمة المدرسة ليستحق الطرد، فما كان من الحاكم الفرنسي إلاَّ أن هدده بأغلى شيء عنده قائلاً: أن لم تطرد صالحاً فسأغلق المدرسة. أجابه الخباز بشمم وإباء: لن أفعل وأن أغلقت كل مدارس الأرض. رائد حمصي (حنا خباز ). 11 ـ اندبْنَ يا بنات ـ الدقي ـ واستطردن في العويل والبكاء والنحيب، وليشارككن كل نساء العرب فالذي يحدث على الساحة الدولية من أفغانستان حتى المحيط الأطلسي إنما يحدث من أجلكن، ومن أجل ما فعلتن ـ ويا نعم ما فعلتم ـ فنحن لا نستحق الزغاريد.. ( نحيب النساء ) ( عندما بكت بنات مدرسة الدقِّي وهنَّ يرين العلم الإسرائيلي في سماء القاهرة يوم (18 / 2 / 1980 ) ( يوم العار). 12 ـ العظمة في اعتقادي أن يقول المرء الحقيقة، وإن كانت على حساب نفسه ( أناتول فرانس ذلك الزّنيم ) . 13 ـ إني أرى من واجبي أن أحكي قصة يسوع المسيح في كتاب آخر لم تقرؤوه ولربما سمعتم به وأعرضتم عنه لسبب أو لآخر، ذلك الكتاب هو القرآن كتاب الأغلبية العظمى من بني وطني، وهو دستور الإيمان الإسلامي. على أني أرى لزاماً عليَّ أن أعلمكم أن المسلمين لا يلفظون اسم السيد المسيح مجردا وإنما يتبعونه بعبارة ( عليه السلام ) تكريماً وتمجيداً له. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم ثلاثاً وثلاثين مرة، ويروي أن مريم كانت ابنة رجل عظيم من بني إسرائيل، وقد نذرتها أمها فقبل الله النذر وفضلها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين... ( مؤتمرات ) ( الكلمة التي ألقتها هزار ضاحي بنت الأستاذ عزة ضاحي في مؤتمر أيدي ) في هولندا للشبيبة المسيحية تحت إشراف اتحاد الكنائس العالمي. تمهيد خير تمهيد للحديث عن كتاب الأستاذ عزة ضاحي هو نقل ما ورد في رسالة رابطة أصدقاء المغتربين في حمص جاء في الرسالة: الأستاذ المحامي عزة ضاحي من مواليد قرية الحفر عام 1929، مارس مهنة التعليم في حوران والقلمون وحمص، فرأى عن كثب عظمة المهنة ومشاقها وقدسيتها، وساهم في تطبيق أهدافها النبيلة فكرياً واجتماعياً. بعد تخرجه من كلية الحقوق في جامعة دمشق عام 1963 مارس مهنة المحاماة، ومازال يمارسها حتى الآن. لقد أصدر في اختصاصه عدة كتب منها: ( الاجتهاد القضائي في ربع قرن ) ( الاجتهاد الإداري ) و ( الاجتهاد المدني ).. كما نشر عدة مقالات في مجلة ( المحامون ) التي تصدرها نقابة المحامين في القطر العربي السوري. وعلى الصعيد الثقافي يعتبر الأستاذ ضاحي في عداد المثقفين القلائل الذين يساهمون في إحياء التراث العربي إيماناً منه بأن ماضي الأمة يعتبر جزءاً من حياتنا الحاضرة، وقد ألقى عدة محاضرات في المركز الثقافي بحمص منها (الفأس والشجرة) و ( المسيحية واليهودية على مفترق الطرق ) و (حنا خباز من رواد النهضة العربية ) كما نشر عدة مقالات تاريخية واجتماعية في صحيفتي العروبة وحمص إيماناً بقدسية الكلمة ودورها في صنع الإنسان والحضارة. ( رابطة أصدقاء المغتربين بحمص ) وقد جمع الأستاذ ضاحي بعض هذه المقالات والمحاضرات في هذا الكتاب. والحق أن رسالة ( رابطة أصدقاء المغتربين ) وتلك الشواهد التي اقتبستها من الكتاب تبرز لنا كاتبه في كل مجالات نشاطه الثقافي والفكري والأدبي والعدلي، فهو: أولاً: إنسان مثقف ثقافة قضائية واسعة، ومحام ناجح نزيه وتشهد على ذلك كتبه الكثيرة التي نشرها وسيرته المثالية في المحاماة وتشهد على ذلك أيضاً مقالاته لاسيما ( وسام ) و( عقال البعير ). ثانياً: قومي عربي يؤمن بأمته ويرد عنها سهام أعدائها والمتآمرين من أبنائها ويبدو ذلك جليا في كل مقالاته ولاسيما في: 1. صمود أطفال إنطاكية ـ عندما زار اللواء السلـيب. 2. اندبن يا بنات الدقي عندما ارتفع علم إسرائيل في سماء القاهرة. 3. أناتول فرانس، الزنيم حين اكتشف في قراءته لكتابه (الزنبقة الحمراء) دسائس على الأمة العربية، وإنكاراً لفضلها في نقل الحضارة والعلم إلى الغرب. ثالثاً: مفكر حر يؤمن بدينه ويحترم أديان الآخرين ويعمل على إيضاح موقف الإسلام لأبناء الدين المسيحي ولاسيما ما يتعلق في القرآن بالسيد المسيح ـ عليه السلام ـ وبالسيدة مريم أمه البتول واقرأ مقالاته: أصدقاء من بلاد العدو ومؤتمرات، وخاصة كلمة ابنته هزار في مؤتمر ( ايدى) في هولندا للشبيبة المسيحية تحت إشراف اتحاد الكنائس العالمي، هذه الكلمة المنصفة التي تدل على البنت العربية التي علمها أبوها دروس القومية والإنصاف واقرأ كذلك مقاله (مؤتمر المسيحيين الصهاينة ) تجد المفكر الحر القومي العربي في آن واحد. وتلاحظ في كثير من أبحاثه استشهاده بالشرع الإسلامي ودفاعه عنه ولاسيما في تعليقه على ( فيلم موت أميرة ) و ( محادثة هاتفية ). رابعاً: إنسان حضاري يدعو أمته إلى نبذ التقاليد والعادات البالية وإلى الأخذ بأسباب الحضارة واستعمال منجزاتها على أحسن وجه، وذلك في إنكاره للثأر الذي بقي في بلادنا من عهد الجاهلية في مقاله ( الثأر ) وفي مقاله التقدمي ( الحضارة الناس) على الخصوص. سادساً:مطلع إطلاعا واسعاً على التاريخ العربي السياسي والأدبي ويبدو ذلك جلياً في حديثه عن أباطرة حمص في روما وعن تاريخ حوارين ومن دفن فيها من خلفاء أمية وعن أبي فراس الحمداني ومصرعه وقبره في الطريق بين حمص و صدد. سادساً: مهتم اهتماماً جدياً بالأوضاع العالمية ومصير الإنسانية ومنصف في الحكم على الأنظمة السياسية المختلفة في مقاله ( انتحار الديمقراطيات ) و( نادي روما). سابعاً: لا يزال يشعر بالحنين إلى مهنته السابقة في التعليم فهو يقترح بعض المبادئ الأساسية في تربية الأطفال ويستنكر التناقض في السلوك والفكر في الآباء ويدعوهم إلى أن يكونوا هم القدوة السليمة لأطفالهم في مقالاته (لماذا لا نعترف) و ( التربية العشوائية ) و ( أكبادنا كيف نرعاهم ). ثامناً: حريص على الحق والعدل يبحث عن الرجال الذين أدوا خدمات لأمتهم فنسيتهم أمتهم أو تناستهم فهو يعيدهم إلى الحياة ويذكر فضلهم ومآثرهم، وعلى رأس رواد النهضة العربية ذاك المربي العملاق والوطني الكبــــير المرحوم الأستاذ حناخباز، وقد ألقى عنه محاضرة طويلة فوفاه بعض حقه على وطنه وأمته عامة وعلى بلده حمص خاصة، وأعتقد أننا لا نجد في كل من بحث في النهضة العربية من استطاع أن يتتبع حياة هذا الإنسان الكبير وأعماله كما استطاع أن يفعل عزة ضاحي. هذا بعض ما وجدته في كتاب الأستاذ عزة ضاحي، وربما وجد غيري فيه مزايا أكثر تألقاً لم أذكرها. يا أخي العزيز عزة: ليست هذه المقدمة مقدمة صديق لكتاب صديق، وإنما هي مقدمة قارئ حيادي منصف. صدقني أني كنت وأنا أقرأ مقالاتك أرتع في بستان متنوع الأشجار والثمار.
دمشق في 11 / 11 / 1993
عبد المعين الملوحي
|