القتـــــاد
 

محادثــــة هاتفيـــة

 

أشرفت الساعة على التاسعة مساء بعد يوم مضنٍ قضَيتَهُ بين مواد القانون واختلاف الاجتهاد حين رنَّ جرس الهاتف في مكتبي وأنا أهم بمغادرته.
جاءني صوت رخيم عبر الأسلاك لا عهد لي به وبعد التحية عرضت صاحبته رغبتها باستشارتي بعد إعتذار لبق عن عدم الحضور إلى المكتب بسبب ظروفها وإعتذار آخر عن عدم تقديم اسمها.
قلت: لا عليك.
قالت: قضيتي قانونية اجتماعية وأظن لديكم ـ معشر المحامين ـ بما اكتسبتم من خبرة وتجربة سداد الرأي في الحالتين معاً ..
شكرت ثقتها ومجاملتها .
قالت: قبل عرض مشكلتي أتمنى عليك أن تعلمني عما إذا كان القانون يحتم على الفتاة موافقة أهلها عند الزواج.
قلت: الزواج عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل وينعقد بالإيجاب والقبول. ويشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفأ للمرأة وإذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي فإن كان كفأً لزم العقد وإلاَّ فللولي طلب فسخ الزواج ويسقط حق الفسخ لعدم الكفاءة. إذا حملت المرأة.
قالت: وإذا منعني والدي من الزواج من كفء ارتضيته لنفسي ألا يعتبر هذا النوع من أنواع وأد البنات الذي حرمه الله ؟ .
قلت: يا بنيتي أنا رجل قانون ولست رجل دين لأفتيك بأمور الدين.
قالت: أنا فتاة في أوائل العقد الثالث من عمري أحببت شاباً منذ عدة سنوات وكالعادة بدأ استلطافاً ولم يتعدَّ حتى الآن ما كان يحصل عند بني عذره فتعاهدنا على السير في موكب الحياة فهو كفء لي سناً وعلماً إلا ما كان هنالك عقبة تحول دون اقتراننا فذللها الرجل بطيب خاطر. الأمر الذي أكبره في عيني ورفع من شأنه وزادني تعلقاً به. وعندما طلب يدي من والدي رفض.
قلت: وما حجة والدك.
قالت: يتذرع بأن موضوع التضحية لم يكن عن قناعة.
قلت: ولكنه لن يستطيع الرجوع عنها.
قالت: إن أبي يعرف ذلك وهو مثقف وجامعي ويدرك هذه الأمور.
قلت: أما لديك شفيع عنده.
قالت: لقد تدخل الأقرباء جميعاً وباءوا بالفشل ولم يكن حظ رجال الدين بأحسن من حظهم ولم يبقَ أمامي سوى أحد أمرين. فإما الانصياع لمشيئته فأحطم قلبي. وإما بالعصيان والخروج عن إرادته.
قلت: على رسلك أتهربين مع فتاك وتجلبين العار لذويك ؟
قالت: أيَّ عار. تتحدث عنه ؟ أمن العار أن أتزوج من أحببت على سنة الله ورسوله فأخلص له ويخلص لي ويسود التفاهم والوفاق والحب عشنا الزوجي ؟
في نظري. العار كل العار أن أرغم على الزواج ممن لا أحب فنفرش بيتنا بالبغضاء والحقد والكراهية. وسواء انتهى هذا الزواج إلى طلاق أم لا فأحلاهما مر.
قلت: وجهة نظر ولكن ..
قاطعتني قائلة: ولكنه خروج على إرادة والدي وانتهاك لديكتاتوريته والتصاق بالحرية التي منحني إياها الله مع الحياة. لماذا لا تكونون منطقيين. قلت لك أن الرجل كفء لي من كافة النواحي. إلاَّ أن تعنت والدي يحول بيني وبين سعادتي ويهددني بالقتل إذا خرجت على إرادته فالموضوع لا يتعدى الدفاع عن السلطة الطوطمية وانتهاك لأبسط مفاهيم الحرية دون مبرر والأنكى من هذا كله أنكم تتغنون بالحرية من شفاهكم ويعيش في أعماقكم نيرون وبوكاسا . تتغنون في مقاهيكم ـ أنتم المثقفين ـ من الرجال بأفكار روسو وديدرو وتسجنون أزواجكم وبناتكم في منازلكم، ارجعوا إلى أضابير المحاكم وأحصوا عدد شهيدات الحرية تجدوا آلافاً قتلن بسبب خروجهنَّ على إرادة ذويهن باسم الشرف وغسل العار مع أنهنَّ تزوجن بمقتضى الشرع والقانون . ذنبهن الوحيد أنهن لم يحصلن على إرادة سنية رغم توسلهن ..
حتى البدوي وهو أكثر الناس تمسكاً بالشرف يقبل الفدية بالمال . فمتى كان الشرف الملطخ يُشترى بالمال .
قلت : وبعد هذه المحاضرة فما أنت فاعلة ؟
قالت : كن مطمئناً لن أرتكب حماقة ليس خوفاً من الفتك بي ولا اقتناعاً بوجهة نظركم وإنما لسبب واحد هو أني لن أكون شهيدة جديدة للحرية سواء قتلت أو بقيت على قيد الحياة كيلا يكتب اسمي في سجل العاهرات .
أقفلت الهاتف وأنا أردد جاهلية وايم الحق ما بعدها جاهلية .






العروبة ـ 4708 ـ بتاريخ 20 /3 /1980