استوقفت صديقي عدنان .. في الطريق وكان على عجلة من أمره سائلاً: هل شاركت يوسف العظمة في معركة ميسلون .. ؟ قال : لا . قلت : إذاً لابد أنك انخرطت تحت قيادة فوزي القاوقجي في جيش إنقاذ فلسطين .. قال :لا . قلت : هل ألفت كتاباً نلت بموجبه جائزة نوبل للسلام العالمي . ؟ قال : لم أفعل . قلت : ألك قريب يحمل اسمك قام بهذه المهام الجسام استحق عليه مكافأة ؟ .. فأجابني نافياً مستغرباً وقد ضاق ذرعاً بأسئلتي .. قلت : يا صديقي لقد انتقلت إلى مسكني الحالي منذ عام 1974 في حي الإنشاءات و أنا أبحث عن اسم الشارع الذي أقطن فيه دون جدوى إلى أن لفت نظري إيصالات الماء والكهرباء .. فإيصال الماء يفيد أن منزلنا يقع في شارع ـ الينبو ـ وإيصال الكهرباء يؤكد أن منزلنا يقع في شارع عدنان الذي هو اسمه .. والواقع أن منزلنا يقع في تقاطع شارعين .. فلربما مؤسـسة المياه اعتمدت شارعاً ومؤسـسة الكهرباء تبنت الشارع الثاني إلاَّ أن التسميتين لم تقنعاني واعتقد أن هنالك خللاً في الأسماء .. أشار عليّ صديقي أن أذهب إلى البلدية مستوضحاً الأمر إذا كان ذلك يشغل بالي إلى هذه الدرجة .. وبالفعل نفذت إرشادات صديقي وقصدت دائرة مدينة حمص واطلعت على مخطط الحي فتبين لي أن منزلنا يقع في تقاطع نظير نشيواتي مع شارع عدنان الجابي وليس عدنان .. الوارد ذكره في إيصالات مؤسـسة الكهرباء .. أما شارع ألينبو فهو شارع ـ الينبوع ـ والذي يوازي شارع النشيواتي .. ويفصلنا عنه خمس بنايات .. فحمدت الله أنى اهتديت إلى مكان إقامتي وعرفت أين موطني على خريطة مدينة حمص .. في الأربعينات كانت مدينة حمص صغيرة ... يحدها من الغرب مقبرة باب هود ومن الجنوب الثانوية الإنجيلية .. ومن الشرق باب الدريب ومن الشمال جامع الصحابي خالد بن الوليد .. وكان عدد سكانها لا يتجاوز الثمانين ألف نسمه .. وكان الناس يعرف بغضهم بعضاً جيداً .. فالدار تورث والابن يتأهل ويقيم مع ذويه .. وساعي البريد يعرفها حياً حياً ومواطناً مواطناً .. وإذا غاب أحدهم وجد ألفاً ممن يدل عليه .. وكان عدد المحاكم محدوداً وكذلك القضايا المعروضة عليه .. الأمر الذي يستتبع قلة عدد المتقاضين ومباشر المحكمة .. المحضر .. يعرفهم فرداً فرداً .. فلا يستعصي عليه تبليغ أحد منهم .. أما وقد تضاعف سكان المدينة عشرة أضعاف نتيجة التكاثر من جهة وهجرة الريف إليها من جهة ثانية وازدياد العلاقات الاقتصادية بين الأفراد ورحيل أبناء المدينة عن أحيائهم القديمة و تـناثرهم في أربعة أطرافها .. أقول إن هذا الاختلاط الذي استوجب إعادة النظر في تنظيم المدينة تيسيراً للاهتداء على مواطن المواطنين أسوة ببلدان العالم المتحضّر .. فتسمية الشوارع على المخططات وحفظها في أرشيف البلدية لا يكفي .. فلا يعقل أن يعود لكل باحث عن صديق أو قريب وكل ساعي بريد أو محضر محكمة إلى أرشيف البلدية ... إننا نرجو من رئاسة المدينة أن تهتم بهذا الموضوع أسوة بالمدن الكبرى في العالم .. بحيث توضع اللوحات في طرفي كل شارع كما ترقم البنايات وحتى الشقق وتطبع مخططات تفصيلية تباع في الأكشاك ولدى دائرة السياحة لطالبيها ... ولئن كانت هذه المقترحات مكلفة فلا بأس من فرض رسم يعادل الكلفة والكلفة فقط على أصحاب المساكن .. ففي ذلك يسر يقتضيه ما غصت به المدينة .
العروبة ـ العدد 7056 ـ تاريخ 23/4/1988
|