| |
في الخمسينات كنا شباباً. نتلقف ما يجود علينا به المترجمون من الأدب العالمي فنسارع إلى اقتناء الروايات، كلٍ حسب طاقته وسعته ونستعير ما تبخل علينا جيوبنا في شرائه . وكنا يفاخر بعضنا بعضاً بما قرأنا من روايات ألكسندر دوماس ومكسيم غوركي.. وهمنغواي وأناتول فرانس وغيرهم. وتذهب أيام الشباب رويداً رويداً وننصرف عن مطالعة الأدب إلى ما يشغلنا عنه من أعباء الحياة ومتاعبها. إلى تأمين لقمة العيش والإلتفات إلى ما يدور على الساحة العالمية من أحداث جسام لها تأثيرها المباشر على كيان أمتنا ووجودنا. وتستأثر قضية فلسطين بكل هواجسنا واهتماماتنا و مشاعرنا وتفكيرنا و مطالعاتنا وثقافتنا.. فالموس أضحت على الرقبة كما يقول المثل. وكان أن انصرفت خلال فترة إلى دراسة حول اليهود والصهيونية وجذورها التاريخية والدينية … وصلت منها إلى معلومات لا بأس بها وككل طالب علم طلبت المزيد من المعرفة عن هذا الموضوع إلى أن شعرت إني بحاجة إلى نقاهه، وعملاً بنصيحة معلمي الأول ـ رحمه الله ـ لجأت إلى تغير نوع المطالعة وتذكرت أشهر الروايات العالمية ولمَ لا أعاود القراءة عن الحب والغرام فأسترجع أيام ( الشباب وورود ) وتناولت (( الزنبقة الحمراء )) ( للكاتب العظيم أناتول فرانس ) تعريب الأستاذ ( أحمد الصاوي محمد ) هذه العبارات منقولة حرفياً عن الكتاب في أول الكتاب صورة ذلك ( الكاتب العظيم ) بجبهته العريضة وعينيه الواسعتين ولحيته الكثة.. كتب فوقها ( في عالم الرحمات توفي عام 1914 ). يقدم الكتاب الدكتور طه حسين بعدة سطور.. يقول من جملة ما يقول: ( إنك لتقرؤها ـ القصة ـ فتجد فيها لذة إلهية. وإنك لتجد أثناء قراءتها من اللذة القوية الدقيقة ما يسحرك )... الخ. أمام هذا الإغراء وبدافع من هذا التحريض حزمت أمري على التلذذ بما منيت إلى أن وصلت إلى الصفحة ( 74 ) وإذ به يقول: ( وإنه لولا اليهود والعرب لكانت أوربة اليوم لا تزال مغمورة في لُجٍ من التعس والجهالة والظلم والقساوة كما كانت على عهد الحروب الصليبية ). وحسب معلوماتي التاريخية المتواضعة أنَّ العرب هم الذين ساهموا في فتح باب الحضارة أمام الأوربيين ولم يكن لليهود أي باع في هذا المضمار. ولو اقتصر الأمر على ما ذكر آنفاً لغفرنا ( للكاتب العظيم جداً ) ولكنه استطرد في ذات الصفحة قائلاً: إنه ليس في غير دفاتر التاريخ التي تعطي للصغار في مدارسنا تضليلاً لعقولهم القول بأن العصور الوسطى قد مضت وانقضت. ففي الواقع إن المتوحشين متوحشون دائماً وأبداً وما كانت رسالة بني إسرائيل إلاَّ لتهذيب الشعوب. فبنو إسرائيل هم الذين قد أدخلوا حكمة آسيا إلى أوربا في القرون الوسطى وأرى الاشتراكية تزعجكم.. وما هي إلاَّ شر مسيحي كالرهبنة سواء بسواء.. ثم الفوضى. أفلا ترون أنها الجذام القديم الذي كان مصاباً به أهل ( بجوا )... ؟ و( فودوا ).. ؟ وعندي إن اليهود الذين هذبوا أوربا ومدينوها من قبلهم, وحدهم الذين يستطيعون اليوم إنقاذها من تلك الدعوة الإنجيلية الضارة المثبتة أظفارها فيها … بيد أن اليهود قد أهملوا أداء واجبهم وأصبحوا بين المسيحيين من أتباع المسيح.. فأخذ الله يعاقبهم على ذلك ويقتص منهم وأباح أن ينهبوا ويبعدوا.. وأخذت الحركة القائمة ضد الساميين تنجح في كل مكان نجاحا محفوفاً.. وأصبح أهل ملّتي يصطادون في روسيا كما تصطاد الوحوش المفترسة.. وأوصدت الدوائر المدنية والحربية في فرنسا أبوابها في وجوههم... ولم يعد يسمح لهم بغشيان مجتمعات الأرستقراطيين إلى أن يقول: عليكم أن تدركوا أن مقاومة السامية فناء الحضارة الأوربية ). ثم يعود فيقول في الصفحة التالية: ( إني يا سيدتي على ثقة أنك غير مطلعة على سمو الآداب اليهودية وتفوقها على غيرها من الآداب كافة ). وينتقل بالحوار فجأة إلى موضوع آخر تماماً كالحية الرقطاء التي تنفث سمومها وتنسحب برشاقة متوارية عن أعين الناس. تصوروا أقوال هذا العملاق حسبما يسميه النقاد.. الحضارة الأوربية في نظره كانت بفعل اليهود وليس العرب. والجامعات في الأندلس التي كان يقصدها طلاب أوربا من كل حدبٍ وصوب كانت يهودية وليست عربية. المسيحية شرٌ في نظره والمسيح لم يدعُ إلى المحبة والسلام والتعاون وإنما اليهود هم الذين فعلوا ذلك والاشتراكية ما هي إلاَّ شرٌ مسيحي وليست خيراً مسيحياً حسب زعمه... الحكمة نقلها اليهود وليس العرب !!. وإن الله يعاقب اليهود لأنهم أصبحوا من أتباع المسيح.. تجاهل ذلك الكاتب ( العظيم ) ثمانية قرون ( وشمس العرب تسطع على أوربا ) . ولا نقول نسي احتكاك الأوربيين بالعرب سواء كان عن طريق التجارة أو الفتح أو الحرب أو الإيفاد وتناسى أن اليهود لم ينقلوا إلى أوربا سوى الربا والخسة والدناءة.. العظمة ليست في البراءة وجمع المعلومات والتزود بالثقافة. العظمة باعتقادي أن يقول المرء الحقيقة وإن كانت على نفسه. أما التزوير والتزييف والتجني فتلك ليست من شمائل العظماء. بقي أن أوضح أني لست من القائلين بعدم ترجمة مثل هذا الكتاب لأن ذلك كمن يضع رأسه في الرمال ولكن ينبغي على المترجم والمقدم أن يشيروا ولو بتعليقٍ صغير إلى الافتراء والكذب الذي أشرت إليه. وبعد.. أفلا يحق لنا أن نتأمل إلى أي مدى يطاردنا عدونا ونمعن النظر في الأسلوب الذي يتبعه ونفكر بعقلٍ جديد ومنهاجٍ يواجه ما يحيك لنا أعداؤنا.
حمص ـ 7 /12 /1983 العدد / 1594 / . |