القتـــــاد
وســــــام
  
 

 
حيدر .. ليس بطلاً من أبطال هذه الأمة و لا مجاهداً من مجاهديها . فهو رقم من مجموع تعداد الوطن العربي .. ومع هذا فقضيته تحكى وتروى .
كان يعمل حمالاً ومنه مورد رزقه الوحيد .. تمنى أن يكون له دخل ثابت وظن أن أمنيته تحققت حين عرض عليه الاشتراك بتحميل السيارات زجاجات الغاز من مصفاة حمص حيث يتقاضى مع رفاقه أجراً عن كل سيارة يحملونها يتقاسمونه فيما بينهم . واطمأن لهذا العمل فلن يبحث بعد اليوم عن حمل يرفعه لصاحبه ولن تؤثر الأنواء في مورده . سيأتيه العيش رغداً يدعى عند قدوم السيارة فيهب إليها مستبشراً دون تذمر أو كلل والعمل عنده في الليل أو النهار سواء . إلى أن كان ذات يوم
بتاريخ 19 / 4 / 1965 قادماً من عمله على متن السيارة التي ملأها بزجاجات الغاز وعند هبوطه منها صدمته ، فأصيب في قدمه ونقل إلى المشفى حيث بترت أصابعه ولم يعد صالحاً للعمل … ليخرج من المستشفى فيجد زوجته قد وضعت طفلة أسماها على الفور (( صبرية )) ونظم ضبط بالحادث وأحيل إلى المحكمة الجزائية وسارع المتعهد الذي هو مالك السيارة الصادمة بإرسال أحد أعوانه فقدم له مبلغاً من المال يساعده على محنته ... ولكن هذا المبلغ لا يسمن ولا يغني من جوع . وكذلك ما حكمت به المحكمة من تعويض ، وكان قد أوكل أمره لأحد المحامين الذي لم يلبث أن اعتزل المحاماة ونقلت قضيته إلى أحد زملائه وقد أشير على أبي صبرية أن يطالب بمعاش تقاعدي .فتقدم بهذا الطلب وأجرت مؤسسة التأمينات الاجتماعية تحقيقاتها وبدأت بصرف معاش تقاعدي له باعتبار الحادث طارئ عمل وأبلغت رب العمل ـ المتعهد ـ ذلك وكلفته بدفع المترتب عليه للمؤسسة رغم أنه لم يكن مشتركاً عنه …. وعدم إشتراكه هذا مخالف للقانون … فتقدم هذا بدعوى طلب فيها وقف التنفيذ وأجيب طلبه فتوقفت معاشات حيدر التي لم تصرف أكثر من عدة شهور .. وبقي صاحبنا بدون عمل وبدون معاش تقاعدي يسير على قدم ونصف . وكان الأمر الطبيعي أن يتقدم بدعوى جديدة يطالب فيها باستحقاقاته وكان الخصم في البدء مؤسسة التأمينات الاجتماعية ثمَّ أدخل المتعهد الذي طلب إدخال المؤسسة الموزعة للغاز وكلما دخل طرف تشعب الخلاف وازداد عدد المحامين وكثرت النظريات ووسائل الإثبات ونفيها وتعاورها قضاة متعددون وكلما كبرت ابنته صبرية تكبر أخبار دعواه معها ويتضاءل أمله في حقه وحسمت الدعوى وطعن فيها وباتت في محكمة النقض ردحاً من الزمن ثمَّ أعيدت إلى المحكمة الصلحية لإكمال مثالب القرار السابق وحسمت ثانية وأعيدت إلى النقض حيث استقرت هناك لتراكم الدعاوى وعدّل القانون .. وهل يعقل أن يبقى القانون على حاله دون تعديل إلى أن تنتهي دعوى حيدر...
أرسلت الدعوى من جديد إلى محكمة الاستئناف لتقول رأيها النهائي .. ومع كل هذا ظل حيدر صابراً ينتظر . لم يؤثر على طول أناته ولم يكثر من تأففه .. لم يلقَ بقفازيه في وجه محاميه ولم يرابط في دار الحكومة مترصداً أحداً من خصومه
أو وكلائهم لم يسع إلى قاض ممن نظروا في دعواه مستعطفاً مسترحماً أو مهدداً متوعداً كل ما كان يفعله أنه يتساءل لماذا .. كـل هـذا التأخـير وإلى متى .. ؟
قيل له الأسباب كثيرة أهمها تراكم العمل لدى المحاكم وضخامته وقيل له كلام كثير لم يفهمه : الإجراءات وقانون الأصول وعيوب التبليغ و … لكن السؤال الذي لم يجد له جواباً : هو: لماذا عدد المحاكم قليل بالنسبة للدعاوى المنظورة أمامها . ؟ .. هنالك عدد كبير من الموظفين لا عمل لهم ومع هذا ترفد الدوائر بمزيد من الموظفين.. فلمَ لا يحدث مثله في وزارة العدل فتوزع الدعاوى على المحاكم بمقدار طاقتها إضافة إلى إصلاح كل ما يؤخر إنصاف المتقاضين .
بعد خمس عشرة سنة وبالضبط بتاريخ 14/4/1980 كان موعد الجلسة الختامية ولم يحضر حيدر كعادته وخشيت أن تكون النهاية مأساوية ولكنه جاء متأخراً معتذراً بزفاف ابنته … هنأته بالحدثين السعيدين ووددت تقليده وساماً نحاسياً تقديراً لصبره وجلده وطول أناته .. فقال لي لو فعلت ذلك وأضحى تقليداً يحتذى لارتفع سعر النحاس عالمياً ..


العروبة ـ4742ـ بتاريخ 1/5/1980