| القتـــــاد التربية العشوائية | ![]() |
منذ عامين أو أكثر لم أعد أذكر التاريخ على وجه الدقة. نقلت إلينا الأبناء إن التيار الكهربائي قد انقطع في مدينة نيويورك. فانتشر اللصوص وقاطعو الطرق... يعيثون في تلك المدينة الضخمة فساداً. يخطفون النساء ويقتلون الرجال ويسرقون المتاجر ويهاجمون المنازل.. اختلط الحابل بالنابل.. استغل التعتيم أبشع استغلال... لزم المواطنون مساكنهم وعجزت الحكومة عن السيطرة على أمن المدينة إلى أن عاد النور، فعاد معه كل شيء إلى حالته الطبيعية ورجع الناس إلى أعمالهم المعتادة. أما عندنا فالتيار الكهربائي ينقطع يومياً ولعدة ساعات.. يعم الظلام المدينة.... ومع هذا لم ترجع فتاة في ليلة من الليالي المظلمة تشكو إلى أمها شاباً قال لها : ما أحلى الكحل في عينيك ... ؟ . ولم يدر بخلد تاجر كبير أو صغير أن يوصد متجره خشية إقتحامه. لم يهرول عائد إلى المنزل إشفاقاً على نفسه أو على ذويه وتبقى الأمور عادية وكأن شيئاً لم يحدث ... المقارنة تدعوك للتأمل والتحري عن الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة مع ما نعرف ونرى يومياً من مخالفات خلقية في مجتمعنا ... بدءاً من حداقة الموظف الذي يأخذك ويأتي بك لعدة أيام كي يضع توقيعه الكريم على إحالة معاملتك... إلى اقتناص من قبل أي تاجر بنسبة قد تبلغ ثلاثة أضعاف سعر السلعة الحقيقي التي تشتريها إلى إخفائه للعيب الذي تتصف به تلك السلعة إلى نهاية المسلسل الذي تراه يومياً حين تسارع إلى شراء الرغيف حتى تغمض عينيك للكرى وقد أرهقك ما مر بك من أحداث وتفتيت أعصاب... ولا أقصد من المقارنة ادعاء تقدمنا على الأمريكيين، فالقوم في مقدمة العالم المتحضر ونحن في عداد الدول النامية شئنا أم أبينا وأي إنكار لهذه الحقيقة يعتبر مغالاة وتعصباً وطفولية. وفي رأيي أن الإقرار بالواقع والاعتراف بالحقيقة بداية الطريق إلى التقدم والتحضر. وإنما السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا ننقض في الملمات فنشبع نفوسنا الجشعة ونروي ميولنا العطشى ؟ . في اعتقادي أيضاً أن الحضارة علم وتربية وثقافة تكتسب بالممارسة والتلقين. والأمر الذي لاشك فيه، والذي لا يقبل الإنكار، إن كل مواطن يتمنى لأبنائه أحسن تربية ويسعى لتقويمهم افضل تقويم ومن التجني أن نقول بغير ذلك. والنواة الأساسية للأخلاق متوافرة عند المواطن العربي، والنية الحسنة أصيلة في نفسه، نتيجة قيم عريقة، وأصول دينية، وجذور تاريخية. هذه بمجموعها تقفز إلى ساحة الشعور في الكوارث وغياب القانون، فتعطي الأوامر بإظهار الشهامة والعفة والنجدة. أما في الحياة اليومية والمعاملات فإن التربية المكتسبة الملقنة من الأباء مغلوطة مشوشة. مشوبة بما اعتور هذه الأمة خلال تاريخ طويل لاحق للمرحلة الأم. فاختلط اللون الأسود بالأبيض حتى كدنا نفقد مقوماتنا الأساسية. الحرمان والتعسف والخنوع خلقت لدينا أجيالاً من المحتالين على الحياة محتالين على الحرية.. محتالين على كسب الرزق... محتالين على جمع الثروة... محتالين على أنفسنا... ! . الغاية تبرر الواسطة والواسطة تبرر الغاية لا فرق مطلقاً اختلط الحابل بالنابل. نقول ما لانفعل ونفعل ما لا نقول.... والنبيل النبيل ذلك الذي لا يقول ولا يفعل. قلت إن كل الناس يرغبون ويحاولون تربية أبنائهم أحسن تربية، إلاَّ أن هذه المحاولات تبوء بالفشل لأن الممارسة عشوائية لا ضابط ولا قاعدة. والدستور الأساسي الذي ذكرت يطرح الخطوط العامة أما التفصيل فمتروك للاجتهاد وكل منا مجتهد حسب مزاجه. نتاجه موزاييك متنافر الألوان مختلف الأبعاد والأشكال والحجوم والخواص. ولتحقيق التجانس في أخلاق الناس لابد من توحيد أسـسها وتفصيلاتها بحيث نخلق أجيالاً جديدة من المواطنين يحسنون التعامل مع المواطنين فلا ينفصلون عن مواطنيهم لمجرد صدور قرار تعيينهم في وظيفتهم. يعرفون أن الوظيفة خدمة عامة وليست وجاهة واستعلاء وتعقيداً لمصالح الناس أو باباً لمورد رزق غير مشروع، بحيث نخلق تجاراً يدركون الأمانة من كل جوانبها، فالربح الفاحش سرقة سواء أطاله قانون التموين أم لم يطله.... الخ. بحيث نعلم جميعاً أن المخالفة القانونية خروج على الأخلاق. فالقانون والأخلاق صنوان متلازمان... كل هذه الأمور تحتاج إلى تربية وممارسة ينبغي على رجال الفكر والمربين الإلتفات إليها وتكريسها والتشديد على وضع أسـسها وتفصيلاتها بشكل دقيق وواضح. العروبة : 15 ـ 4 ـ 1980 |