التعامل مع منجزات الحضارة مطلب إنساني وكلما أحسنا التأقلم معها ازدادت ازدهاراً ...ولكم تمنيت لو باستطاعتي الإجهاز على ذلك البدوي الساكن في أعماقي من مخلفات مئات السنين الخوالي . غير أني افهمها كلاً لا يتجزأ كاملة غير منقوصة فإذا ما حدث ذلك آثرت البداوة عليها .. والحضارة في نظري ليس القضاء على الأمية ولا توحيد اللباس كما أعتقد كمال أتاتورك ولا تبديل الأحرف العربية بالأحرف اللاتينية . إنما هي نظام وقانون فبالقدر الذي تنظم الأمة حياتها تصنف حضارياً بين الأمم وبمعنى أوضح فإني أراها من خلال انصهار الفرد في المجتمع واحترامه لحقوق الآخرين فليس منها بشي أن أرتدي البزة الفرنجية وأحمل الشهادة الجامعية وامتهن مهنة علمية وأقود سيارتي ثم أقف بها في منتصف الشارع قاطعاً الطريق على غيري لأسلم على صديق متفقداً أحواله بعد سهرة الأمس ضارباً عرض الحائط بالأبواق الصارخة خلفي فلا أفسح لهم السبيل ... وليس منها بشيء أن أردد يومياً ـ النظافة من الإيمان ـ وأن أستبدل ثيابي يومياً واستحم صباحاً ومساءً وأزين صالون منزلي بأفخم المفروشات وأحدث الرياش وألمع بلاط شقتي ثم أقذف بالقمامة من شرفة منزلي واضرب صفحا عن الأقذار المكدسة على درج شقتي لكونه مشتركا بيني وبين الجيران... الهاتف من صنع العالم المتمدن . ووصوله إلى أيدينا يدل على تعلقنا في ركب ذلك العالم وسعيا وراء مجاراته . إما إساءة استعماله فيجعلك تتمنى إلغاءه ... منذ فترة كنت في دمشق وقد أوكلت إليَّ قريبة إحضار بعض التحاليل الطبية أودعتها في أحد مخابرها وهي على أحر من الجمر لأن مجرد اقتراح إجراء التحاليل هناك دون مخابر حمص يذهب بلب المريض وأعصاب ذويه .. ونظراً لكثرة أعمالي واختصاراً للوقت هتفت للمخبر على الرقم الذي استخرجته من دليل الهاتف فرد علي صوت أنثوي ظننته صوت الممرضة أو هكذا أوحي لي ...فسألت عن المحلل قالت غير موجود ولن يعود قبل المساء .. أعطيتها اسم المريضة وشرحت لها أني قادم من حمص وأتمنى اصطحاب النتيجة فأظهرت معرفتها المسبقة بالموضوع إلاَّ أنه من المتعذر ظهور النتيجة قبل يومين أو ثلاثة نظراً لتراكم العمل في مخبرهم . ألححت في الرجاء فوعدت بالمساعدة وطلبت مني الاتصال بالدكتور في السادسة مساءً إذ أنه لن يعود قبل هذا الموعد ولن أحصل منه على أكثر مما أعلمتني، قفلت عائداً إلى حمص وفي المساء وبعد عناء تم الاتصال بيننا وبين ذات الرقم الذي اتصلت به في الصباح ورد علي رجل يقول إن هذا الرقم كان قبل سنتين للمخبر المطلوب وقد تبدل وأرشدني إلى رقم المخبر ـ الجديد القديم ـ وطبيعي أن أشكر زوجته على المقلب الذي حاكته لي لاسيما بعدما اتصلت بالمخبر وعلمت أن النتيجة جاهزة منذ الظهر . سأضرب صفحاً عن أخلاقية تلك المرأة الفاضلة وأقول أليس من الحضارة بمكان أن تزودنا مديرية الهاتف بدليل جديد كلما طرأ تغيير على الأرقام ولاسيما وأن هذا التغيير يشمل آلافاً منها علماً أن لديها دائرة خاصة لإعداد الدليل ....؟! . أليس من التخلف بمكان أن تنتظر ساعات أو تحاول عشرات المرات لتحصل على مكالمة …؟! . الحضارة أن يصدر قانون السير مجارياً أحدث القوانين والأنظمة في البلدان الراقية وليس منها في شيء أن يتجاهل العربات والدراجات والمشاة الذين لا يتقيدون بهذا النظام ويجتازون إشارة المرور دون اكتراث . الحضارة أن تصدر القوانين لحماية العامل من تعسف رب العمل والتخلف كل التخلف أن تترك العامل بدون عقاب إذا ما خرج على ذلك القانون وأساء إلى الإنتاج وعبث بالدوام . الحضارة أن تؤمن بالله ، والجاهلية أن تتمسك بالثأر وتستغل حاجة المواطن إلى سلعك فتغشهم في السعر والمواصفات ... وجميل جدا أن يعرف المرء مسؤولياته ويبادر المواطن من تلقاء نفسه إلى دفع التزاماته تجاه شركة الكهرباء ومؤسـسة المياه ومديرية الهاتف دون مطالبة ... ولكن الأجمل منه أن تصدر هذه الفواتير في مواعيد دورية منتظمة تبلّغ إليهم بأية وسيلة ودون خلل أو تسويف كي لا يضيع الوقت في التردد على الدوائر . وفي السؤال عن موعد تحقيقها وتسديدها . ليس من الحضارة في شيء أن يضطر المرء في النهاية إلى إحالة فنجان قهوة الصباح يومياً إلى عجائز حارته لعلهن يخبرنه بموعد استحقاق هذه الفواتير . العروبة -4683-بتاريخ19/2/1980 جريدة حمص- 1724-بتاريخ 10/4/1987
|