| | لست أدري لماذا يثير بي معتصم دالاتي الرغبة في الكتابة ..؟ ترى لأنه يضع يده على الجرح ليدميه أم لأنه يضعني والقراء وجهاً لوجه أمام المأساة التي لا أعلم أسبابها ولا أجد لها حلاً . وإن علمت فلن أبوح . فالبوح عزفت عنه منذ أمد بعيد لأسباب أحجم عن ذكرها أيضاً لأن الخوض في هذه المظان خطر ومرعب . المهم أنَّ الصديق معتصم يطلب حلاً لمشكلته المادية المزمنة وكأن ليس له سوى هذه المشكلة وهو حائر بين الاشتراكية وورقة اليانصيب . مشكلتك بل مشاكلك لن تحل طالما أنك وأمثالك قد اخترتم الطريق الذي تسلكونه وتغييره أمر محال فمن شب على شيء شاب عليه . ألا تذكر أني قلت لك في يوم من الأيام أنك ( قابض على الجمر). كان ذلك يوم أعلن عن مهرجان خطابي في هذه المدينة وكنت وبعض إخوانك من الأدباء تتبارون بما جادت به قرائحكم وأنتم تعلمون أنه لن يستمع إليكم أكثر من عشرين مواطناً من أصل ثلاثمائة ألف مواطن في هذه المدينة التي عرف عنها شغفها بالثقافة والأدب ... وإذ بالناس ينفضون من حول مهرجانكم زرافات ووحداناً لا لعلة فيكم , وإنما لعلة فيهم وفي المجتمع الذي نعيشه . فالناس في هذا الزمان قد عزفوا عن غذاء الروح والعقل إلى غذاء المعدة والجيب ومع هذا صمدت أنت وعبد الرحيم الحصني وفؤاد أحوش وسمر روحي الفيصل ومراد السباعي وبقية القابضين على الجمر وكأنكم ترددون : فلتمت عقول جميع الناس ولن نموت قبل أن يأتي الموت .. سنبقى من أجل الشعر والأدب وسننظمه ونكتبه , سنعبر عما يجيش في خواطرنا من مشاعر واحساسات ولن نسمح لهذه الجذوة من الحياة أن تخمد أو تركن سواء سمع الناس أو صمّوا آذانهم وأغلقوا عقولهم ... أي معتصم : أنا أعلم أنك لا تشكو . ولكنك تصور الواقع والذين يسيرون على دروب الشوك باختيارهم لا يعرفون الشكوى ولا تبرحهم الآلام ولا يتضورون من الطوى ، ولا يخشون المركب الخشن ولا تحسبن أنك وحيد في البيداء العربية ، وكاد الوطن العربي يتحول بكامله إلى بيداء . فأمثالك لا يعدون ولا يحصون إنهم الملايين المتعبة من أبناء أمتي يتألمون ويصبرون حتى يضج الصبر من صبرهم أو يموت .. ( بالإذن من المتنبي ) عشرات الملايين ينتظرون حلولا لمأساتهم ولا تحسبن ـ وأنت المطّلع على ما يجري على الساحة العربية ـ أن لهؤلاء مشكلة واحدة وإنما لهم مشاكل تنتظر الحل حتى أصبح المثقفون منهم يناجون الأرواح أو يبصرون في فنجان القهوة أو قراءة الكف التماساً للفرج .. ولا يضيرني أن أصبح في عدادهم . فهذا الدكتور رؤوف عبيد أستاذ القانون الجنائي في جامعة ( عين شمس ) وصاحب المؤلفات الضخمة في العلوم الجنائية يطلع علينا بموسوعة عدد صفحاتها تفوق الألف . تتحدث عن الأرواح ومناجاتها ...!. وأما أنا يا صديقي فقد أنهيت الحيرة التي مازلت أنت غارقاً فيها وأصبحت أنشد الوحدة وكيفية تحقيقها ولا تظن أني غبي . فأنا لم أعد أسعى للوحدة العربية وإنما انشد الوحدة والانفراد والعزلة ... وأقصى أمانّي أن تتحقق وحدة الكوى في هذه المدينة بحيث أستطيع تسديد فواتير الهاتف والمياه والكهرباء في كوة واحدة . ترى أيسعفني فنجان القهوة بما أروم .. ؟ .
في 26 /11 /1983 |