القتـــــاد
انتحار الديمقراطيات
  
 

 

انتحار الديمقراطيات كتاب نشرته وزارة الثقافة عام 1975 . مؤلفه ـ كلودجوليان ـ تعريب عيسى عصفور . يتحدث عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية لأوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر نفسها قمة العالم المتحضر . والواقع أن المواطنين يواجهون كل يوم مشاكل ومتاعب تضاعفت ويبحثون عن حلها... فعلى شواطئ الأطلسي أصوات مسؤولة تؤكد أن النظام مشلول إلى حد ما وإن المجتمع محاصر كما أن الحكومات نفسها تشاطرها هذا الرأي حسب ما يقول المؤلف .
إن بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة تضاداً عنيفاً وهذا يسبب خطراً خارجياً على أن هنالك خطراً داخلياً لأن الازدهار السائد في الغرب موزع توزيعاً متفاوتاً وينطلق المؤلف بحكمة راقتني كثيراً إذ يقول : ـ إذا كان الترف صخاباً أحياناً فالفقر كتوم على وجه العموم ـ .
لهذا أهمل البريطانيون الفئات القليلة من الناس الذين يعيشون على هامش الرخاء وكانت الدهشة عظيمة عندما نشر تقرير أحد الباحثين الاجتماعيين حيث أعلن أن 14 % من مجموع السكان من الفقراء عام ( 1960 ) وقد تضاعفت هذه النسبة بين عامي ( 1953 ـ1960 ) ثم ازدادت بين عامي ( 1960 ـ 1965 ) وان أهم أسباب الفقر ليس التكاسل ولا كثرة الأولاد ولا المرض ولا البطالة .. ولكن سببه تدني الأجور.. ثم يتحدث المؤلف عن وضع العمال الأجانب . في باريس مثلاً ـ مائة وعشرون إفريقياً يتكدسون في غرف صغيرة لا نافذة لها ولا منضدة ولا مقعد . وفي كل غرفة عشرون عاملاً أو ثلاثون وجهاز التدفئة في هذا المبنى غير مستعمل . ومياه المطر تتسرب إلى كل مكان والحالة الصحية يرثى لها ... الخ .
أضف إلى ذلك أن وكيل البناية الذي يستوفي 75 فرنكاً عن الشخص في الشهر لم يدفع ثمن الغاز ولا الكهرباء منذ عام 1968 . ولا الماء منذ عام 1969 مما يؤدي إلى قطع هذه المرافق المرة تلو المرة ثم يعطيك المؤلف إحصائيات مذهلة : في الولايات المتحدة أربعة ملايين بدون ماء حار ومليون منزل بدون تدفئة .. وسبعة ملايين بدون حمام . وأكثرها في مناطق المدن .
وفي باريس وعدد سكانها تسعة ملايين ( 64% ) من المنازل لا حمام فيها
و( 43 % ) ليس فيها حتى مراحيض داخلية . والحالة أسوأ في القرى التي يقل سكانها عن خمسة آلاف نسمة .
ثم يتحدث الكاتب عن المضاربات والتهرب من دفع الضرائب وتجار الأراضي الذين يشترون الأراضي الزراعية وعن كيفية تحويلها إلى أراض صالحة للبناء ضمن خطط توسيع التجمع الباريسي العمراني . وكيف تحقق الأرباح بقرار إداري بسيط ويستشهد المؤلف ـ بفيليب سان مارك ـ الذي يؤكد بدوره أن عشرين ألف استثناء قد تم منحها بين عامي (1960 ـ 1964 ) في منطقة باريس . ثم منح ثمانون استثناء منذ عام ( 1965 ) .. الخ .
ولا ينسى فضح لعبة الانتخابات . ويتعرض للأموال الباهظة التي تنفق . الأمر الذي حدا بعضو مجلس الشيوخ ( موسكي ) ـ وهو من منبت متواضع جداً إلى القول في دعابة ـ إني مع ذلك مسرور بأن أكتشف انه يمكن لشاب فقير أن يصبح رئيساً لهذه البلاد إذا هو عثر في الطريق على عشرين مليون دولار يسدد بها نفقات حملته
الانتخابية .
وفي فصل آخر يتحدث عن التغطية القانونية للعنف والتحريض ـ المشروع ـ عليه فيقول كل زبون يودع مصرف دالاس الدولي مبلغا مقداره ( 1800 دولاراً ) لمدة سنتين ونصف السنة يتلقى هدية مسدساً وذخيرة . ثم يحدثك عن حوادث العنف والاغتيال والإجرام .. إن أضخم الثروات تجمع بأساليب شرسة . فقد استخدم مؤسس سلالة ركفلر العنف الاقتصادي بإتباع سياسة الإغراق للقضاء على مزاحميه في صناعة البترول .. والعنف الجسدي لقتل عمال المناجم في إضراب ـ اليولو ـ ... الخ .
كما يستعرض أفلام العنف وأثرها على المجتمع والناشئة في سبيل الربح
الحلال .
وأخيراً يستشهد بقول المفكر ـ كورلاند ـ أستاذ الحقوق في شيكاغو : إذا كنا كأمة مسؤولين عن أي فشل فليس ذلك لأننا لم ننجح في بلوغ المثل الأعلى الذي نجاهر به بل لأننا عن صلف منا لم نحاول بلوغه .
وبعد ... هذه مقتطفات من بعض فصول الكتاب ومن أراد المزيد فليطالعه . أعرضها لأولئك الذين يظنون أنَّ في الهجرة فردوسهم المنشود .
العروبة ـ العدد (6773 ) ـ بتاريخ 13/ أيار /1987