القتـــــاد
رحـلـة مــع الــذكــريات
  
 

 

قررت أن أهدم جدار الخوف ، وأمتطي القطار من حمص إلى دمشق . فالناس يشيعون أن التأخير والبطء يأكلان الزمن وأنا لست علي عجلة من أمري في
هذه المرة ...
قصدت المحطة في الموعد المحدد لانطلاقه . وقد اخترت رحلة صباحية مع إشراق الفجر .. وكان حظي حسناً إذ تحرك القطار في موعده المحدد تماماً ... فتفاءلت وأخذت أتأمل المزارع المنتشرة في ضواحي حمص ، وما لبث القطار يمخر بنا عباب البادية رويداً رويداً . فالمقعد وثير والقاطرة نظيفة وكل شيء على ما يرام . كنت أنظر بين الفينة والفينة من النافذة . وبعد ثلاثة أرباع الساعة وقفت أرقب سهوب صدد ويبدو أن تأملي لفت نظر جليسي فقال : مالي أراك ساهماً.. ؟
قلت : نحن نمر بجوار قبر الأمير .
قال : ومن أميرك هذا ...؟
قلت : انظر معي إلاَّ ترى ( مثار النقع والسيوف كأنها ليل تهاوت كواكبه ) هنا دارت معركة طوت صفحةً من الشعر العربي إذ قتل ( أميري ) الشاعر ولم يزل في السادسة والثلاثين من عمره فحرمنا من متابعة مسيرته الشعرية الرقيقة الشفافة والتي كان مقدراً لها أن تغني ديوان الشعر العربي أحلى صوره . وأرق عواطفه . . . ألا يتردد صدى صوته في أذنيك :

أبنيتي لا تجزعـي
نوحي عليَّ بحسرة
قولـي إذا كلمتني
زين الشـباب أبو فرا
كــلُّ الأنام إلى ذهاب
من خلف سترك والحجاب
وعييت عن رد الجواب
س لم يمتع بالشباب

قال لي : على ما أذكر إن ذلك حدث في القرن الرابع للهجرة ولكن لماذا لا يقيمون له نصباً أو ضريحاً هنا ..
قلت ولله في أبناء هذا الوطن شؤون ..
ولفْنــا الصمت برهة ، إلى أن توقف القطار في محطة ( مهين ) فنهضت لأطل من النافذة اليسارية نحو الشمال الشرقي منها ...
تبعني جليسي قائلاً : أمن قصة جديدة . . .؟
قلت : بل مأساة ثانية حصلت في هذا الموقع قبل تلك بخمسة قرون وعلى التحديد
عام 582 م .
قال : ما أسم هذا الموقع فإني أرى فيه آثاراً تدل على أنه له في التاريخ مكاناً
لا بأس به ..
قلت : هذه ( حوارين ) وفيها قبر ثاني الخلفاء الأمويين يزيد بن معاوية ولكنها كانت قبل ذلك مركزاً دينياً هاماً على ما يبدو إلاَّ أن المأساة التي أحدثك عنها والتي شهدتها تلك الآثار فروايتها أن المنذر بن الحارث ( أبو كرب ) ملك غسان وعاصمة ملكه ( بصرى الشام ) وكان بطلاً مغواراً حارب الفرس وفتك بهم وانتصر عليهم وتمرد على الرومان فخشى الرومان بأسه فاحتالوا عليه بإيعاز من الإمبراطور
( بسطينوس ) حيث استجره صديقه ( ماكوس ) حاكم بلاد الشام إلى حوارين هذه بمناسبة الاحتفال بتدشين كاتدرائية ... وقبض عليه وأرسله إلى القسطنطينية مخفوراً حيث أمر بنفيه إلى صقلية حيث قضى نحبه وقال الشاعر في حوارين :
يا ليلــة لــي بحّوارين ساهرة حتــى تكلم فــي الصبح العصافير
انطلق القطار في البادية يشق طريقه بين السلسلة التدمرية الغربية والسلسلة التدمرية الشرقية ذلك الطريق الصحراوي المخيف . كنت أدرك أني اقتفي أثر أبي الطيب المتنبي حين غادر بلاط سيف الدولة قاصداً كافور الأخشيدي في مصر.. عندما حاذينا ( ضمير) سمعت رجع صوته يقول :
لئن تركنا ضميراً عــن ميامننا ليحدثـن لمـن ودعتهـم نـدم
رحلة كانت فاتحة لطي ديوان آخر من الشعر لم يكتمل ...
عندما وصلنا محطة القدم ونحن نهمّ بمغادرة القطار كان جليسي يردد :
الله الله يا بلادي كم فيك من الأوابد وكم تجرعت من المآسي وكم أنت عظيمة في شموخك وصمودك .. لن ينال منك المتآمرون فقد ذهب الرومان والفرس ... ومن بعدهم وبعدهم من الطامعين ... وبقيت أنت تسطرين التاريخ وتهزئين بالعتاة المعتدين.

حمص ــ العدد ( 1769 ) بتاريخ 25 / 3 / 1988