اليهودي التائه ـ رواية صدرت في أوائل هذا القرن وترجمت إلى أكثر اللغات الحية وبيع منها الألوف من النسخ استهدفت استدرار عطف العالم على اليهود المشردين في الدول الأوربية مصورةً ـ مأساتهم وبؤسهم ـ والمعاملة اللاإنسانية التي يلقونها من الأوربيين . . وقد قصد مؤلفها استعطاف الرأي العام العالمي والمساعدة بالضغط على حكوماتهم للتجمع اليهودي في فلسطين أو على الأقل ضرورة إنشاء دولة تجمع هذا الشتات من البشر ويقال أن الأثر الذي خلفته هذه الرواية يفوق كل البيانات التي أذاعها والمنشورات التي وزعها زعماء الصهيونية. والذي لاشك فيه أن للأدب أثراً كبيراً على الرأي العام ويساهم مساهمة فعالة في توجيهه ولا سيما إذا كانت الأصوات الأخرى خرساء فلا يسمعون سوى صوت واحد. رواية جديدة قلبت ظهر المجن .. ووجهت الأشرعة معاكسة تيار اليهودي التائه قصد مؤلفها توجيه الرأي العام العالمي إلى أن اليهودي مازال تائهاً . وإن الوعود المعسوله التي سفحتها الصهيونية العالمية ما هي إلاَّ أكاذيب وإفك .. بقي اليهودي تائهاً معذباً وإن تغير السلطان . فالزعماء الصهاينة ليسوا أكثر رحمة من مستبدي أوروبا . . تلك الرواية هي ـ أرض الميعاد ـ للأديب العالمي الروسي كوليسينكوف ـ تعريب دار التقدم عام 1979 فضح بها هذا الأديب بربرية الصهاينة ووحشيتهم لا بالنسبة للعرب فقط و إنما بالنسبة لليهود الذين تعيش الصهيونية وتزدهر باسمهم . بطل الرواية ـ حاييم ـ شاب تدرب في معسكرات صهيونية قبيل الحرب العالمية الثانية تدريبات تخوله الدخول إلى فلسطين ـ أرض الميعاد ـ ليقاتل ويستعيد الأرض التي وعده الرب بها . . تلك الأكذوبة التي تنطلي على البسطاء والسذج . . وفي الطريق أصيب بمرض واضطرت الباخرة إلى الجنوح نحو جزيرة قبرص . وهناك ألقوه عند حاخام يهودي الذي أكتشف أن ضيفه مريض بالتيفوس فأبعده إلى إحدى الحظائر خوفـاً من العدوى وأوعز بحفر قبرٍ له ودفنه ولكن السبت أدركهم فاستحال دفنه تبعـاً للتقاليد اليهودية ويشاء القدر أن ينقذ بطل الرواية ـ حاييم ـ على يد فتاة يونانية غير يهودية صماء بكماء حسناء كان الحاخام يعدٌها رغمـاً عنها للدخول في ماخور يتقاضى عليها عمولة من صاحبه. فيتزوجها حاييم ويفرُّ معها إلى فلسطين . وقد أتيح ـ لحاييم ـ خلال إقامته في قبرص في ضيافة الحاخام . وبعد وصوله إلى فلسطين باعتباره مدرباً أن يطلع على أسرار صدمته . . . فضلاً عن أنه لم يجد أرض السمن والعسل التي كانوا يمنونه بها . . . فقد أنزلوه في كوخ يمكن أن يصلح لأي شيء إلاَّ مأوى للبشر . أجور محدودة، انتهاك للحرية إذلال ، استغلال لمآرب شخصية ، رجال المال متسلطون على الفقراء . فالصهيونية لا تعرف الإنسانية . . . ولا ينسى المؤلف ذكر الأساليب الوحشية التي يستولي بها الصهاينة على الأراضي العربية . اغتصاب يتم ليلاً فتسور بالأسلاك الشائكة وفي الصباح يرد العرب الملاك المحتجون بقوة السلاح . ثم يفضح خفايا العلاقة بين الزعماء الصهاينة وزعماء النازية التي كانت تبطش باليهود بعلم الصهاينة استجداء لعطف العالم .. فالصهيونية تضحي بحمولة باخرة كاملة من ـ العائدين ـ وتغرقها في البحر في سبيل إثارة الرأي العام العالمي... كما يكشف المؤلف سراً خطيراً ألا وهو تجهيز ألمانيا النازية .. العصابات الصهيونية بالأسلحة ونقلها من ألمانية إلى فلسطين مهربة بأكياس العلف .. وعلى باخرة تحمل علم النمسا مثلاً التي لم يكن لها وجود إذ كان هتلر قد اجتاحها .. ويقارن المؤلف بين الشعارات النازية والشعارات الصهيونية ويظهر تطابقها وتماثلها .. ويصور ببراعة المعاملة الوحشية التي عانى منها بطل الرواية ولا ذنب له سوى فقره أولاً ثم زواجه من تلك الفتاة الغريبة إلى درجة إن أقدمت القيادة الصهيونية على قتل وليده لأنه من أم غير يهودية فضلاً عن مضايقات عديدة .. الأمر الذي حدا بالزوجة إلى الانتحار وبالبطل إلى الهرب من فلسطين والعوده إلى بلاده .. لقد استطاع المؤلف ببراعة وصدق تصوير واقع اليهود في فلسطين وكشف أسرار الصهيونية وخفاياها بأسلوب روائي رائع .. فأظهر الحقيقة وخدم القضية العربية بروايته هذه خدمة جلى .. ترى هل رمز بهروب بطل روايته من فلسطين تائهاً إلى رحيل اليهود منها إن عاجلاً أم آجلاً .. ؟ . فإلى الأديب الكبير ـ يوري كوليسينكوف ـ من مواطن عربي ألف شكر وتحية ... ومثلها إلى من سيسعى لنشر هذا الكتاب في بلاد الغرب . العروبة ـ العدد (6803 ) ـ تاريخ 20 حزيران 1987
|