القتـــــاد
صمــود أطفـال إنطاكية
  
 

 

أن نسي فلن ينسى يوم صحبه أبوه في طفولته لزيارة مدينة بيروت ـ وهي لاشيء في مخيلته ـ فقد منى نفسه برؤية أرض المعركة في طريقه.
وفيما يتسلق الباص المرتفعات قال له: هذه ميسلون وذلك قبر يوسف العظمة ويدهش الغلام، أهكذا يعبر المواطنون الأرض المقدسة دون اكتراث تلك التي روتها دماء الأبطال الميامين يوم أبوا أن تمر جحافل المستعمرين إلاَّ على أجسادهم كان حرياً بالركب الوقوف قليلاً ولو لعدة دقائق تقديراً وإجلالاً للثرى المخضب بالدماء الزكية يوم صغرت في أعين هؤلاء المنافحين أعظم دولة في ذلك التاريخ عدةً وعتاداً . ولا سلاح بين أيديهم سوى إيمانهم بحرية وطنهم وكرامة شعبهم يدفعهم الإباء وتناديهم الشهادة..
وتقفز به الذكرى عشرين عاماً بعدها ، يوم أشاح بوجهه عن رؤية العلم التركي المنصوب فوق المخفر القائم في طريقه إلى كسب فترقرق الدمع في عينه لوعة وأسى على ما اغتصب من أرض بلاده في شمال القطر .
بينما كانت السيارة تطوي بطاح الاسكندرون قطعت عليه شروده وتأملاته
سائلاً : بماذا تفكر ؟
قال: أخشى أن يكون إحساسي الوطني ومشاعري القومية قد انتهت إلى غير رجعة فما كنت ـ أحسبني زائراً لواء اسكندرون ومازال مسلوخاً عن جسد
وطني . وأخشى ما أخشاه أن نفعل أكثر مما نحن فيه اليوم فنرحل مستقبلاً إلى أراض مغتصبة أخرى سواحاً لا محررين.
قلت: حمانا الله من أفكارك ووقانا شر ما يخيفك..
وخيم علينا صمت ثقيل لم يقطعه سوى أعواد الثقاب التي نشعل فيها لفائفنا في المقهى الكائن على شاطئ الخليج. عادت به الذكريات إلى أيام التلمذة فهو لم يتقن من فن الرسم سوى مخطط الوطن العربي وكم من مرة خطط على الورق هذا الخليج في بداية رسومه.. ولكم تمنى لو أعفاه أساتذته من وضع تلك الخطوط الموهومة بين الأقطار العربية ولو على الورق..
وهاهو الآن وجهاً لوجه أمام الخليج يمتع ناظريه بمياهه الهادئة الراكدة وكأنها مرآة لرمال بادية الشام أو الربع الخالي. ولا يعكر صفوه سوى بضع نثرات من زبد تقذفها موجات ضعاف واهنات.
التفت إلي قائلاً: كل شيء مازال عربياً في هذا الجزء من الوطن كنت أحسب أنهم نجحوا في تتريكه وخشيت أن أجد نفسي ( غريب الوجه واليد واللسان ) … أفلا ترى معي أن أثرهم لا يتعدى أثر الزبد في هذا الخليج..
في الطريق إلى إنطاكية قال لي: أنا على موعد مع هذه المدينة منذ طفولتي.
قلت له: هل لكَ معارف فيها..
قال : هي موطن الكنيسة العربية الأولى ومقر الكرسي البطريركي الأنطاكي .
قلت : عهدتك متديناً وما عرفتك متعبداً ..
تفقدنا المدينة وآثارها وتقرينا معالمها وخالطنا تجارها وأهلها . شئ واحدٌ افتقدناه وواصلنا السعي وراءه باحثين بجد إلى أن كاد يصيبنا النصب والتعب فما عثرنا على واجهة كتب عليها اسم صاحبها باللغة العربية .
كل شيء مغلف بغشاء تركي رقيق إلى أن تعالى صوت المآذن يدعو الناس للصلاة بالعربية .. ووقف فجأة وكأنه يعرج على المسجد ..
قلت له : أتنوي مشاركة القوم الصلاة ؟
قال : ودموع الفرح تترقرق من عينيه : لقد ثقب الغشاء التركي أفلا تسمع العلنية التي نبحث عنها .
السيارة تتهادى بنا بين إنطاكية والرذاذ ينهمر من الغيوم المتلبدة .. كان الأطفال القرويون عندما يلمحون سيارتنا ذات اللوحة السورية يلوحون لنا بالأيدي ونحن نردد معاً :
قفا ودعا نجداً ومن حلَّ بالحمى
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى وقلّ لنجدٍ عندنا أن يودعا
وما أحسن المصطاف والمـتربعـا
بعد زيارة السادات لمدينة القدس لقيته في المقهى . قلت بدأت مخاوفك تتحقق..
قال : لا يا صديقي .. أنسيت صمود أطفال إنطاكية .
العروبة بتاريخ 21 /4 /1980