|
|
الفصل السابع
|
خفق قلب يوحنا شوقاً للقاء السيد على مائدة العشاء. فقد انتظر سنيناً كثيرة من أجل هذه الأمسية. وصار يفكّر كم تغيّر منذ رؤيته لأول مرة حتى الآن. كان يهتم بما للعالم راغباً في بناء قصر صغير، على مثال القصر الكبير، ليخلّد اسمه. وأما الآن فهو ينتظر بلهفة لقاء السيد والحياة معه. كان قلبه متعلّقاً بما للدنيا، والآن يا للفرحة العظيمة التي لا يسعها فؤاده! لأن المحب الحقيقي يعدو مرحاً ويعمل كل شيء بفرح. فالحب سعادة عظيمة وهِبة من الرب، فكيف إذا كان هذا الحب موجّهاً لله الخالق! فسيغدو حبّاً سماوياً طاهراً نقياً هدفه فقط الاتحاد بالله والتنعّم بخيراته الروحية ونِعمه الكثيرة التي يُغدقها من فيض محبته. ناجى يوحنا الرب، قائلاً: "سآتي إليك يا سيدي. ولكن هذه المرة سأحمل لك معي هدية. قلبي سأحمله بين يديّ، وأقدّمه لك عربون محبتي وشكري لك. لساني يعجز عمّا أريد إخبارك به. لكنك تعرف كل شيء...تعرف كيف هو حالي: كالعروس المشتاقة أن تلتقي بعريسها. وأنت عريس نفسي يا رب. أشتاق إليك كما الأرض العطشى للمطر. فقد يبست روحي من محبة العالم. والآن أتتك لتروي أنت ظمأها؛ إذ لا يوجد أحد غيرك يستطيع أن يرويني بعد ذلك الظمأ الشديد...لا أحد غيرك يستريح فيه قلبي ويهدأ به وجعي، فتسكن أفكاري وتصمت كل الأصوات ويصغي الجميع إليك. هلم كلّمني يا مسيحي. هلم جدّدني يا حبيب روحي. وأعطني أن أكون لك اليوم مسكناً تقيم فيه. لقد حاولت جاهداً أن أُهيّئ قلبي لاستقبالك. والآن أجده مليئاً بالآثام والخطايا...بالآلام والأحزان. كلها أمام عينيّ. فتعال أنت يا مخلّصي، وبدّد الضباب من أمام عيوني...شتّت كل أعداء روحي...اغسلني فأبيضّ أكثر من الثلج...أسمعني أقوال بهجة وسرور، فتبتهج عظامي المذلّلة...لا تصرف وجهك عن خطاياي، وامحُ جميع مآثمي. إني أحبّك أيها السيد، فزدْ حبي اضطراماً...وآمنت بك، فزدني ندامة...وعلّمني أن أتّكل عليك في كل شيء وفي كل حين، لأنه منك وحدك الخير والحب والسلام والصلاح. أنت إله المغفرة والمعرفة...أنت صانع السلام...أنت القوي القدير...وأنت أيضاً المتواضع الوديع. فبماذا أناجيك يا ربي يسوع، ومنك يستمدّ الكلام جماله...ومنك يأخذ لساني قوة لتسبيحك...فيك حياتي قد أصبح لها معنى ووجود...ولا تجد روحي ذاتها إلاّ فيك. سآتي إليك الآن وكلّي ثقة أنك غفرتَ لي، وأعدتني إلى حظيرتك...وكلّي رجاء أنك تنتظرني. فشدّد يا رب خطواتي كي أستطيع الوصول إليك...شدّد عظامي كي لا تتحطّم من جلال مجدك والوقوف في حضرتك المقدّسة...وعيوني أعطِها أن لا تنطفئ من رؤية بهائك. أنا الآن صرت كلّي لك...فهلمّ مُدّ يدك لي، واعطني سلامك!". ها هو يوحنا يدخل من باب القصر الكبير. وفجأة انفتحت عيناه، وصار يفهم كل المعاني والرموز. الآن أدرك أن هذا القصر يمثّل كل السنين التي عاشها رب المجد على الأرض، متّخذاً جسداً كجسدنا...كل المشاعر والآلام والتجارب مرسومة على هذه الجدران: هنا بشارة الملاك للعذراء القدّيسة...وهنا ميلاده في مذود فقير في مغارة باردة في بيت لحم...وهنا هروب العائلة المقدّسة إلى مصر...وهناك عرس قانا الجليل؛ حيث بارك الرب عرسهم وحوّل الماء خمراً. وعلى ذلك الجدار أيضاً رأى معمودية الرب في نهر الأردن. لقد نظر يوحنا إلى كل شيء، وأحسّ أن الحجارة تنطق وتُخبر بمحبة الرب. هنا فرح الميلاد...وهناك ألم هروبه إلى مصر. هنا تكثير الخبزات...وهناك مشى درب الآلام. هنا فرح، وهناك حزن...هنا يُظهر مجده، وهناك يخفيه بتواضع عجيب! ثم أتى الشيخ، وراح يسير معه موضحاً له أسراراً كثيرة. وأردف قائلاً: "عندما قضيت يا يوحنا سنيناً معنا في أعمال توبة ورحمة، بتواضع وانسحاق نفس، بندامة حقيقية وتسليم ذات للرب، بعمل شاقّ لاختبار معنى الصبر، بشدة وضيق، بفرح وابتهاج، كل ذلك قد أكمل بناء قصرك. وكان إيمانك ورجاؤك هما الحجارة والطين، وبالمحبة قد أكملتَ زينته. إن قصرك كقلبك الذي يكبر ويكبر أكثر بمحبة السيد، ويصبح أجمل بالفضائل التي اقتنيتها ومنحك إياها الرب هدية عربون محبته لك. الآن قد عرفتَ ما معنى النحت على الصخر والزخرفة التي ليس لها مثيل في العالم. إنها النفس البشرية التي تحتاج لفنّان خلاّق، وهو الرب، كي يزيّنها ويهيّئها لقبوله. أما القصر الكبير، هو لمحة من قلب السيد الذي عاش الألم والغربة على هذه الأرض. ولكن بألمه أُنقذنا من الألم الأبدي. والآن سأمشي معك درب الصليب لترى كم أحبّنا الله حتى بذل ابنه الوحيد لأجلنا...ليس لاستحقاقنا، ولكن لعِظم رأفته ومحبته التي لا تسقط أبداً. أراد الله أن يُحيينا من جديد بفتاه القدّوس. وها هي كلمة الله اتّخذت جسداً بشريّاً كي يخزي المستكبرين بفكر قلوبهم، فيعودوا فارغين. لذلك كل الذين ظنّوا المسيح سيكون ملكاً أرضياً يعطيهم السلطة ليصبحوا أسياد هذا العالم قد عميت عيونهم عن الحقيقة؛ إذ لم يميّزوا زمان افتقادهم. فالرب أتى ليكون لنا راعياً متواضعاً...مُسالماً...يجمعنا حوله بالحب الإلهي وليس بالسلطة والقوة البشرية. فها هم الحزانى والمتألمون...الفقراء والخطاة يتبعونه إلى الجلجلة ويسيرون معه درب آلامه. أما محبّو العالم فكانوا عمياناً وصُمّاً، وهم الذين صلبوا رب المجد فخسروا أنفسهم؛ إذ ليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص. مشى الفقراء وراءه صائحين: كيف تصلبون من وعدنا بالحياة الحقيقية وبالخبز الذي لا يجوع كل من يأكل منه وبالماء الذي لا يعطش كل من يشرب منه؟!. صرخ الحزانى: كيف تصلبون من أخبرنا عن الفرح والسلام بالقرب منه وعن محبته التي تشفي الجراح؟! بكى الخطاة: أتقتلون من غفر لنا خطايانا وأنقذنا من عبودية الخطيئة لنحيا به؟! كيف للعُمي الذين أبصروا أن يروا الآن خالقهم ومن أعاد إليهم البصر قد عُلّق على خشبة؟! كيف للصُمّ أن يسمعوا كلام الإهانة البذيء الذي جدّف به الجند على ينبوع المحبة؟! كيف للعرج أن يروا أنفسهم يركضون الآن ليلحقوا بموكب صليب حبيب نفوسهم؟! ها هم الموتى الذين أحياهم يرون إله الحياة يموت أمامهم!!… آه...بنات أورشليم ينُحنَ عليه: حبيبنا...كيف نتركك لهذا الهوان؟...تُعلّق على خشبة، وقد لُعنَ كل من عُلّق على خشبة؟!...كيف تقبل أن تأخذ لعنَتنا لنُشفى نحن منها؟!... وها هي القديسة مريم تسير وراءه بصمت، قائلة في قلبها: انظروا أيها الجنود، يا من تُعرّون وحيدي...حبيبي...انظروا إليه كيف يبكي دماً ودموعاً عليكم، لأنه لا يريد أن يُقيم عليكم خطية!...لا تُؤذوه!...إنه المحبّ قد أتى ليعيد إليكم السلام…كيف لي، يا ولداه، أن أنظرك والجراح قد أدمتك!؟...كيف لي أن أرى وجهك الإلهي ملطّخاً بالدماء وقد غُرز إكليل الشوك في جبينك!؟...أعطني، إلهي، قوة لأحتمل وأصمت، لأنه بالصمت تسكن الجراح وتستريح فيك وحدك. أنت دعوت الخطاة إليك، وها هم يخطئون إلى جسدك النحيل ويضربونك، يا ابني...يجرّحونك... يلطمونك... يعرّونك... يرذلونك... يجلدونك بالسياط!!... المجد لك يا إلهي... المجد لطول أناتك... المجد لآلامك". وتابع الشيخ قائلا: "إن درب آلام السيد درب عظيمة...كشاة سيق للذبح...صامت وقت الألم، لا يصرخ...سقط ثلاث مرات تحت ثِقل الصليب، وهو من حمل آثام البشرية كلها...أنت...أيها الجندي هناك...ألن تعين رب المجد وتحمل عنه صليبه؟!...لا، لا لن تستطيع، فقلبك صار غليظاً وقاسياً...تعرف فقط كيف تعذّبه...هو أتى ليأخذ عذابك، وأنت تأتي لتضربه، صارخاً في وجهه: قمْ، قمْ احملْ صليبك، وهو من قال للمخلّع: قمْ احمل فراشك وامشِ، مغفورة لك خطاياك!!...والآن أنت أيها الجندي الفقير تأتي إلى الله الغني الرحمة فتصرخ به ’قمْ احملْ صليبك!‘. وقام المسيح...وحمل الصليب مرة ثانية وثالثة...ولا زلت أنت قاسٍ… كيف لنا نحن قساة القلوب أن نحيا هكذا؟...كيف نستطيع احتمال العيش بالخطيئة ولا نغيّر حياتنا خوفاً من خسارة مكاسب أو منافع ولذّات؟!!...وها هو يحمل خطايانا...وأحياناً كثيرة تكون عظيمة، لكنه يحملها...مهما كان ثقلها...فها هو، بصمت، قد رفعها عنا ووضعها على منكبيه وتابع طريقه صامتاً، وفي عيونه الألم ينادينا: حملتُ خطاياكم كي تعيشوا خفيفي الأحمال، فلمَ تحبّون الخطيئة أكثر مني فتستريحون فيها؟!...لمَ غلظت قلوبكم، أحبائي؟! سار المسيح في درب آلامه ينظر خليقته...الذين ميّزوه بأنه كلمة الله المتجسّدة، والذين لم يعرفوه...الذين نادوه، والذين صرخوا ليُصلب...الذيـن قبلـوه، والذيـن باعوه. فجاء سمعان القيرواني ليحمل الصليب عن الذي خلق الكون وما فيه. وكم من مرة يرسل لنا الرب سمعاناً قيروانياً ليعيننا على حمل أثقالنا!. إنه يعرف طاقتنا ومدى احتمالنا. ولا يتركنا، بل دائماً سيرسل لنا: أحداً من أقاربنا...أو معارفنا...من بعيد أو قريب...ليعيننا بكلمة طيبة وقت الشدة...بموقف وقت الضرورة...بمال في العوز...بأي شكل كان! إن هذا الشخص يمثّل الرب المحب الذي عن طريقه يمنحنا التعزية الداخلية والقوة وقت الضعف...الحكمة لحظة الاختيار...الصبر أثناء التجربة...وأحياناً يُظهر الرب مجده العظيم ليشدّد عظامنا ويُلهب فينا نار المحبة. إنه لا يتركنا. فقد اختبر شدّتنا وضيقنا في هذه الدنيا...عرف مشاعرنا. هو من جبلنا من تراب، فكيف لا يعرفنا؟! إنه الصديق الذي يعيش معنا وفينا وقربنا، ولا يهملنا. هو لنا دائماً أباً حنوناً...وأخاً وفيّاً...وينبوع حياة لا يجفّ. هكذا كانت محبته لا تنضب في طريق الألم الطويل الذي مشاه خطوة بعد خطوة، متمّماً كل شيء...كي يُعلّق أخيراً على عود الصليب. حتى في آلامه تصالح أعداؤه...بيلاطس وهيرودس...مع بعضهما البعض!. اقتسم الجنود ثيابه، فلمَ لم يقتسموا محبته؟!...ألم تكن نافعة لهم أكثر...وستُغنيهم أكثر؟! اقتسم الجنود ثيابه...ونحن نقتسم أحياناً كثيرة ثياب غيرنا: بكلام الإدانة...وحب الفضول...والتُهم الباطلة...نعرّيهم، ونستهزئ بهم...ونلبسهم ثوباً أرجوانياً... نهينهم بأية صورة، لنروي ظمأ قلوبنا من الكبرياء. هكذا كان الجنود حول مخلّصنا...كل ما في قلوبهم من شر وكبرياء وحسد وغيظ، خرج بأبشع صورة...أخرجه الشيطان كالقنبلة لتهشّم جسد الفادي...علّ المسيح يغضب، فلا يتمّم مخطّط الفداء!...علّه يكشف لاهوته للشرير الذي لا يريد للخلاص أن يتم...فهو الذي هيّج الجميع ضدّه ليصلبوه...ويريده الآن أن يغضب! إنه لم يفهم أبداً سر التواضع العجيب...سقط في خطيئة الكبرياء...لا يعرف معنى التواضع، فكيف يرى الرب يتواضع: فيولد في مغارة فقيرة...ثم يهرب إلى مصر...ويعيش فقيراً...والآن يُساق كالشاة للذبح! لا بدّ أن يحرّض الجنود ويملأ قلوبهم بالغيظ ليعاملوا ذا العود الطري ببشاعة وقسوة...علّ المسيح يغضب، ويفشل المخطّط الإلهي. ولكنه لم يفهم أن المسيح ابن الله يحب الآب السماوي محبة سرمديّة...ومن أجلنا نحن الذين خُلقنا على صورته ومثاله، أراد أن يحتمل الألم حتى النهاية...منتصراً على الموت...مقيّداً الشيطان...فاتحاً لنا، نحن خرافه، باب الفردوس...ومصالحاً إيانا مع الآب السماوي. إنها المحبة العظيمة التي لا حدود لها، والتي لا يسعها مكان أو زمان...هي التي تربط الآب والإبن...وهي التي دفعت بالإبن إلى طريق الآلام. فماذا نقول غير: المجد لك يا رب...يا من بتواضعك علّمتنا أن التواضع هو القوة التي لا تُهزم. المجد لك يا ابن العليّ...لأن باحتمالك الألم أعطيتنا أن نحيا فيك، نحن من آمنّا بك". وصل يوحنا مع الكاهن الشيخ إلى منتصف القصر من الشرق حيث توجد طاولة العشاء، في المكان الذي رأى فيه السيد لأول مرة. وما تزال كلماته ترن في أذنيه. فقد أعطته الجرأة والقوة والصبر طوال تلك السنين. اجتمع الإخوة حول المائدة. وكانوا ينتظرون وصول يوحنا والشيخ. وها قد هيّأوا له مكاناً يجلس فيه مزيّناً بشرائط بيضاء...فالكل يحتفل بحضور يوحنا بينهم. ورنّموا، قائلين: رنّموا للرب ترنيمة جديدة...ادخلوا إلى أمامه بالتسابيح. أجلسَ الشيخُ يوحنا في مقعده. ثم مضى وخلع الثوب المطرّز الذي رُسمت عليـه إشارة الصليب. واتّزر بمنشفة فوق ثوبه الأبيض. وحمل دلو ماء، وأخذ يغسـل أرجل الإخوة واحداً فواحداً. وكان الجميع يطيعونه بكل احترام. أما يوحنا فقد استغرب من ذلك. فقد قرأ في الإنجيل أيضاً كيف غسل الرب أرجل تلاميذه. فأدرك وجود معانٍ عظيمة خلف هذا الحدث: ليس التواضع فقط، بل أعمق. وفيما هو يتأمّل، وصل إليه الدور. فامتنع، قائلاً للشيخ: "أيها الأب الجليل. كيف تغسل رجليّ أنا غير المستحق؟! أنا أعرف مدى تواضعك. ولكني لا أستطيع أن أدعك تغسل قدماي، فسامح ضعفي فأنا خجِل جداً وأحس بالخزي من كثرة خطاياي، فاعذرني". أجاب الشيخ: "أحب أن أشرح لك معنى غسيل الأرجل، فاسمعني جيداً. إن ربّ المجد أتى إلى عالمنا وأخلى نفسه من مجده، حاملاً طبيعتنا البشرية. هو رئيس الكهنة الأعظم. لذلك خلعت أنا ثوب الكهنوت الخارجي، الذي يرمز إلى الملوكية، واتّزرت بمنشفة كخادم. هكذا فعل السيد المسيح: حيث قام عن العشاء مبتدئاً بعمل الخلاص، وخلع رداءه واتّزر بمنديل، وبدأ يغسل أرجل التلاميذ. لقد غسلنا بدمه الثمين على الصليب مرة واحدة حاملاً كل خطايا العالم...وغسل الأرجل يرمز إلى غسلنا من الخطايا اليومية، التي هي كالأوساخ تعلق بأرجلنا جرّاء سيرنا في طريق هذه الحياة. وبعدها عاد الرب يسوع ولبس ثوب المجد الذي له منذ إنشاء العالم؛ بقيامته المجيدة من الأموات وجلوسه عن يمين القدرة الإلهية...بعد أن دخل بدمه الأقدس مرة واحدة إلى قدس الأقداس، كرئيس كهنة أعظم، مكفّراً عن خطايا جميع البشر". أحنى يوحنا رأسه احتراماً. فغسل الشيخ رجليه. ثم عاد ولبس ثوبه، وأخذ الخبز والخمر، وصلّى للآب السماوي كي يحلّ الروح القدس على القرابين فيقدّسها. وكان الجميع خاشعين بنفس واحدة، ورهبة هذا السر العظيم تملأ القصر. وفيما الشيخ ينظر إلى السماء وهو يصلّي، أضاء المكان، وشعّ نور الرب كنور الصباح. ورأى الجميع السيد تحيط به جوقة من الملائكة يسبّحون ويرنّمون! نظر السيد إليهم بعينيه التي تفيض حباً وحناناً. وأخذ الخبز وبارك وكسر، قائلاً: "خذوا كلوا. هذا هو جسدي". ثم أخذ الكأس وشكر، وأعطاهم قائلاً: "اشربوا منها كلكم". وتناول الجميع. وانتظر يوحنا دوره مبتسماً، ولكن دموعه ملأت وجهه. فقد رأى السيد للمرة الثانية. ولكنه الآن يؤمن بابن الله الوحيد الذي بذل ذاته من أجل كل البشر...الوحيد الذي يغفر الخطايا ويشفي الروح والجسد...الوحيد الذي صار جسده خبز الحياة. إنه نبع المحبة الذي لا ينضب وشجرة الحياة التي من يأكل منها يحيا إلى الأبد. وناجى يوحنا السيد في قلبه، قائلاً: ’ألا يا سيدي، لا ترحل وتتركني! إني أرغب بالرحيل معك...خذني معك أستدفئ بظلّك، أعيش بنورك. فهذه الحياة بدون تعزيتك كلها ذلّ وشقاء. وبشعاع نور منك يتحوّل القفر إلى واحة...تتفتّح الورود...وترنّم البلابل...تضيء النجوم، ويسطع القمر. بطرفة عين منك، يتحوّل حزن الخليقة إلى فرح. التائه يجد طريقاً...والأعمى عكّازاً...والمخلّع يقوم ويحمل سريره. إن لم تُردْ أن تأخذني معك، فابقَ معي...إبقَ ملكاً على عرش قلبي...عريساً لروحي...حبيباً لنفسي‘. فنظر السيد، وقال: "يا أولادي...لقد سمعتكم جميعاً. وسمعتك يا يوحنا. وها أنا أتمّم وعدي لك. والآن عليكم أن تنفّذوا وعودكم لي بأن تكونوا معي دائماً. أثبتوا فيّ وأنا فيكم. لا تتركوني وتسعوا وراء شهوات هذا العالم. قد اخترتكم أنا. وسأحفظكم دائماً من الذئاب الخاطفة. لن أترككم حزانى، لأن فرحي يحيط بكم. لن أدعكم يتامى، لأن محبتي تغمركم...أحوّطكم بذراعيّ فلا تبردون...وأحملكم على منكبيّ فلا تتعبون. ابتعدوا عن الشر، ولا تقاوموه...فأنا أحارب عنكم. لا تخافوا من العالم، لأن لا أحد يستطيع أن يخطفكم من يدي ما دمتم كالأغصان الثابتة فيّ، والتي أنا أحييها. أحبّوا بعضكم بعضاً كي يعرف الجميع أنكم تلاميذي". واختفى السيد وملائكته. وأحس يوحنا أنه عليه منذ الآن أن يشهد بكل طاقته للنور الذي دعاه. وفي طريق عودته إلى قصره الصغير، كان فرحاً جداً، وكأن قلبه قد امتلأ غنىً...يريد أن يركض ويصفّق ويهلّل. فالتقى بأحد الإخوة دعاه الرب من بلد دمّرته الحروب...فلبّى الدعوة. لكن فرحه يمتزج بالحزن وجروحه ما زالت تنزف. وبدأ ذلك الأخ الكلام، قائلاً: "من يستطيع أن يفهم من أنت يا رب؟ ومن يستطيع أن يبوح بما تشعر النفس عندما تحس بوجودك فيها؟! إنه لصعب جداً أن نحاول إيجاد حدود لمشاعرنا عندما نكون بالقرب من إنسان حبيب...نحاول أن نطير وندخل إلى عالمه لنعرف؛ تُرى بماذا يحس...وبماذا يفكّر...وماذا يؤلمه أو يفرحه...وماذا نقدر أن نعمل لنريحه ونساعده. فإن كان متألّماً أو مريضاً، نتمنّى حمله أو حمل ألمه. ونتعذّب جداً عندما نحس بالعجز عن التخفيف من شدة من نُحب. كم من الأمهات يجلسن بجانب سرير طفل يموت، والألم يمزّقهن. وفي كل لحظة يتمنّين لو كنّ هنّ اللواتي يمتن! كم من صديق يتمنّى أن يحمل مشكلة صديقه مُدّعياً أنه أقوى وأصلب! وفي البلاد التي تمزّقها الحروب، كم من أب يجوع ويتظاهر أنه لا يحس بالجوع كي يوفّر الخبز لأولاده...أو يبرد كي يؤمّن قليلاً من الدفء لهم! وكم منهم يقاتلون من أجل تأمين الحرية لأطفالهم في المستقبل! كثير من مشاعرنا تتمنّى أن تحقّق الأفضل لمن نُحب. فالأهالي يتعبون ويعملون بإرهاق كي يؤمّنوا لوازم الدراسة لأولادهم. وبعضهم يشقى من أجل أن يؤمّن الدواء. وبعض الإخوة يضحّون بمستقبلهم لتربية إخوتهم في حال عجز أحد الوالدين، أو فقدهما لأي سبب. إن هذا العالم الشقي ما زال أبناؤه يُضحّون، حاملين المسؤولية والألم. ولكن الرب يرى كل شيء، وحبّه لنا أعظم من محبّتنا لبعضنا البعض. أراد أن يخلّصنا من موت الروح. فماذا نكسب لو ربحنا العالم كله وخسرنا أنفسنا؟! لذلك لم يأتِ الله ليحارب عنا من أجل أن نعيش في مملكة غنية، ولا لتأمين الألعاب الغالية والطعام الشهي! لم يأتِ لينادي لنا بحرية أو بديمقراطية، بل أراد أن تكون لنا حياة بسيطة وغنية فيه، وأن تكون حريّتنا تنبع من داخلنا. فالغنى بالرب والحرية الداخلية من الصعب الإحساس بهما. والأصعب أن نحافظ عليها. إنه لمن الصعب أن نشعر أننا أغنياء بالرب عندما لا يكون في بيتنا خبز لإشباع أولادنا. وهذا ما جعل الكثير من البشر يبيعون أجسادهم...يسرقون...يرتكبون الجرائم...ويقولون: كل شيء يهون، ولكن أطفالنا لا نستطيع أن نراهم جياعاً! وهنا يعسر عليهم أن يتقبّلوا الإيمان بالرب والغنى فيه. فالجوع، إذا كان مع الرب، أفضل بكثير من الشبع بعيداً عنه. ولكنهم لن يطيقوا هذا الكلام، وسيصرخون في وجوهنا: ’لو كنتم مكاننا، لسهُل القيام بأي عمل، مهما كان بشعاً، ولا تُحسّون بالعجز وعدم القدرة على تحمّل المسؤولية. إن كلامكم نظري، أما الواقع فهو أشدّ إيلاماً مما تتوقّعون وأكثر أهمية مما تتخيّلون‘. ولكن إن كنّا نحن في التجربة نفسها، ربما نضعف ونسقط. أما الحقيقة فلا تتغيّر، لأن الحق هو من الله وليس منّا. إن ضعفنا نحن، فالله ثابت وقوي، ولا يتغيّر. هو أعطانا الحياة. وسلطان الموت في يده. فهو يأخذها متى يريد...إن جعنا أو شبعنا...إن تنعّمنا أو عشنا في فقر وضيق. هو قادر أن يُخرج لنا خبزاً من هذه الحجارة. وهو قادر أن يُنزل لنا مَنّاً من السماء. ربما يسمح الله بموت أحد أحبائنا، لمرض أو حادث أو قلّة دواء، فنأخذ بإلقاء المسؤولية على هـذا أو ذاك. ولكن، أين ثقتنا بالله؟. إن وثقنا بمحبته لنا وأنه دائماً يريدنا أن نخلص، نثق أنه عندما يسمح بموتنا في لحظة ما، يكون قد هيّأنا قبلاً للموت بطريقة أو بأُخرى. إن إرادته الصالحة لا تفرح بموت الخاطئ، بل أن يرجع ويتوب. وإن كان المؤمن غير مستعدّ للموت، يعطيه الرب دائماً الفرص الكثيرة للاستعداد، لأنه يريدنا أن ننضمّ لمحبته ونثبت فيها. وكثيراً ما نُضيع الفرص لمعرفته وننشغل بتدابير حماية أنفسنا ومَن نحب خوفاً على حياتهم، وكأنّنا بجهدنا نستطيع ربطهم بهذه الحياة، أو أن لنا سلطاناً عليها. ولكن الموت يأتي دون أن نشعر عندما نكون منشغلين بملء أهرائنا. فلا أحد يعلم متى تُطلَب روحه منه. إن هذه المشاعر هي الفقر بالرب. أما الاتكال عليه، مهما حدث، وتسليمه مفاتيح حياتنا هو الغنى. إن الرب يحب الذي يعمل بكامل جهده في هذه الحياة الشقية...ولكن حسب إرادته الصالحة...عملاً صالحاً ونقيّاً لا ينخر فيه السوس من الداخل. فالله قادر أن يفتح لنا باباً من حيث لا ندري، فينقذنا من الشدة والضيق. أما إذا كانت إرادته أن نرحل عن هذه الحياة، فإن غِنانا به سيزداد. ففي الحياة الثانية سيُلبسنا الرب جسداً نورانياً عديم الفساد، حيث لا ألم ولا جوع ولا مرض، بل فرح وسرور. فما أعدّه الرب لنا ما لم تره عين ولم تسمع به أذن، وأحلى بكثير من أية جنّة نحاول توفيرها لأنفسنا ولمن نحبّ، وأغنى من أي مستوى حياة نسعى طوال عمرنا لتحقيقه. فلن نحتاج عندها إلى وسائل الرفاهية التي يبيع الكثيرون أنفسهم لأجلها. لن نحتاج لأموال نخزنها، لأن كنزنا لن ينفذ ولن يصدأ. الغنى بالرب هو الذي يملأ القلب فلا نحسّ بالفراغ. أما الفقير به، فهو إنسان بائس يظن أنه إذا ما حصل على هذا البيت الفاخر سيصبح غنياً. وبعدها يكتشف أنه يرغب باقتناء تلك التحفة. وفي هذا الشيء وذاك، يضيع العمر وقلبه لم يمتلئ بعد. وهو لا يعرف لماذا! ويظن أن الدنيا تتطوّر، والاحتياجات تزداد وتزداد. ولكن في الحقيقة أن الدنيا تصبح شبكة لاصطيادنا بمكاسبها. وهي فارغة وليس فيها إلا الشهوة التي لا تمتلئ. فتجرّنا إلى الهاوية بقوة وعنف. وهنا...ماذا يمنعنا من السقوط إلا التمسّك بحبل الإيمان الذي يملأ القلب غنىً؟! كم هو عسير على الأغنياء الدخول إلى ملكوت الله! ولكن الأغنياء هم ليسوا بالمال فقط، بل أيضاً بقوة أجسادهم...أو علمهم...أو حكمة عقولهم...كل تلك الأمور تصير مصيدة لنا إذا لم تُسخّر لخدمة الرب. انظروا العالم فترون كم هو صعب على من يطلب الشهرة أن يجد الرب! كم هو صعب على من يسعى إلى القوة والسلطة أن يعيش متمسّكاً بالرب! كم هو صعب على من يريد أن يكون محبوباً من الجميع أن يعيش التواضع والوداعة! إنها حروب تأتينا من كل جهة. فكيف نحافظ على غنانا بالرب؟ إن هذا يتطلّب منّا الكثير من الصلاة الحرص والسهر على خلاص نفوسنا وأن نكون يقظين دائماً. فمن طلب الغنى الروحي من كل قلبه لا يخاف ولا يتردّد، لأن المسيح يسند ضعفنا. هو يعلّمنا طرقه... هو يجعلنا نعرف سُبل الحفاظ على مِلء قلوبنا غنىً. إن الغنى بالرب ليس فقط بالحكمة والمعرفة الروحية واكتساب الفضائل، بل أيضاً بمخافة الله...وإغلاق باب الشهوات...بالعين البسيطة...والأذن البسيطة...بطهارة القلب والجسد...بالفرح والغبطة لأجل كل خير يصيب أي إنسان، وليس حسده...والعمل على مداواة جرح القريب، وليس تركه. إن الغنى بالرب هو أن يكون الروح القدس ساكناً فينا...في أعمالنا وكلامنا...في فكرنا وأحاسيسنا...في كل شيء. عندها، حتى لو عشنا في صحراء قاحلة...أو في مغارة لا يدخلها النور...لن نخشى المرض الجسدي ولا العوز والفقر...لن نخشـى ما يظن القريب فينا...لن نخشى المستقبل وما يحمله لنا. سنكون أغنياء به...متّكلين عليه...ثابتين فيه. وهذه الحياة قد اختبرها، ولا يزال، الكثيرون في العالم. بعضهم تركوا العالم ورذلوه، واختاروا السكنى مع الله وأحبوه فوق كل شيء... وهم يحملوننا بصلواتهم. وبعضهم لا يزال يحيا في العالم، يبشّر ويعلّم، بالكلام والعمل. ولكن في قلبه هو غني بالله فقط، لا يطلب سوى دفئه وسلامه. إنهم كالملائكة التي تسير بيننا لتقويتنا وتشجيعنا ومساعدتنا...وما أكثرهم! انظرْ ودقّقْ حولك فتراهم. فإن الرب لا يترك حقله فارغاً، بل دائماً يرسل فعلة. بعضهم ليُسهّل الأرض ويسمّدها...وبعضهم ليبذر...وآخرون يحصدون ويوزّعون القمح على الفقراء. فلا تخفْ من أي ضيق منشأه الدنيا، بل لنكُنْ أغنياء بالرب...وهذا يكفينا". وهنا افترق الأخوان. وعاد يوحنا إلى قصره الصغير. وهناك جلس يتأمّل بالصليب. وناجى الرب، قائلاً: "لقد اخترتَ، يا يسوع، أن تُصلب على عود الصليب من أجلنا. وتركتَ لنا حرية اختيار الصليب أيضاً. سرتَ درب الآلام بحرية تامّة. وكنت تستطيع بأية لحظة أن تُنهي هذا الطريق بأعجوبة واحدة من أعاجيبك التي لا حصر لها، ولكنك اخترت أن تُكمل الطريق، ليس مُكرهاً، بل صامتاً بحبٍّ وتواضع. علّمتنا أن نختار طريق الآلام بصمت أيضاً. فكم سهلٌ علينا أن نختار الطريق الواسع، حيث الخضرة والمياه والأشجار والظلال وكل الملذّات! ولكن من الصعب جداً أن نختار الطريق الضيّق، الصعب والمؤلم، الذي كله أشواك...هموم وضيقات العالم...كي نصل إليك وننعم بدفئك. هكذا يا رب، علّمتنا أن الحرية الداخلية تنبع من قلبنا عندما نحبك. لا يستطيع أحد أن يعلّمنا إياها. إنها تصدر تلقائياً من داخلنا عندما نختارك. فلا نستطيع أن نختار الشهوات عندما نستلذّ بطيب لقائك. لا نقوى على الامتلاء من خيرات الدنيا عندما نعرف مدى حبك وألمك من أجل الفقراء. لا نقدر أن ندين قريبنا عندماً نقبل كلامك ككلام حياة لنا. من اختارك بحق يهبك ما يستطيع من وقته وجهده وعمله وفكره، لأنه يؤمن أنه منك، ولك، وفيك يعيش. الحرية الداخلية تنبع من إيماننا أننا نعيش بأمان بين ذراعيك...أنت وحدك ستري وسياجي وحارسي وحامي روحي من شباك الخطيئة. لا حاجة لي أن أقلق كثيراً بشأن اختياراتي، لأن محبتي لك تختار دائماً بسهولة...فطريقك واضح ونيّر. إنه طريق صلاح ليس فيه غشّ ولا رياء...ولا زيف ولا كذب...ولا مماطلة ولا كسل. طريقك طريق النشاط والفرح والسلام والدفء وطول الأناة. لا أستطيع أن أختارك وأضع وصاياك على لوح، وأُقفل عليه في خزانة قلبي. لأن حريّتي تعني أن أُطيع وصاياك، فتصبح سراجاً لدربي أضعه على المنارة، وأفتح له قلبي كي يستنير به. صعب عليّ أن أختارك، وأقبل الخطيئة! فإما النور أو الظلمة. أما الحالة الوسط، فوجودها مؤقّت في حياة المؤمن. ربما أعيش فترات في الظلمة، لكني أُسارع إليك لأفتح النوافذ، وأنعم بحريتي من جديد بعد أن أسرتني خيوط الظلام. فعندما أكون في النور، فأنا ابن للنور. لا بدّ أن أسلك إلى حيث يقودني النور. والآن...صارت الحرية الداخلية مقيّدة جداً بقيود ثقيلة، يا رب! أنظرُ، فأجد أعذاراً كثيرة لمن هم حولي. فهنا أب وأم حزانى على اختيار ولدهم البعد عنك. ولكن محبتّهم له تمنعهم من مواجهته، خوفاً من أن يخسروه!. هم يعرفون في قلوبهم أنه من الأفضل لخلاصهم أن يخسروه ولا يخسرونك أنت...ولكنهم يقولون: ’الرب رحوم وطيّب...وربما ينظر إلى ضعفه؛ فيساعده. فكيف لنا نحن أن نخسـر مـن ربّيناه وتعبنا عليه؟!‘. تنقصهم الجرأة، أيها المسيح، أن يضعوا كل ما يملكونه...حتى أولادهم...بين يديك. وأن يفحصوا أعمالهم بالنار كي تتطهّر. إن هؤلاء قد قيّدت عواطفهم حريّتهم الداخلية. أسألك من أجلهم أن تساعدهم وتنير لابنهم أو ابنتهم الطريق. وإن لم يكن لذلك سبيل، أعطهم القوة كي يعيشوا حرّيتهم الحقيقية فيك، مهما كانت الأسباب والنتائج. صحيح أن حرّية الآخر هي من حقّه...وأنه علينا أحياناً أن نلتزم الصمت، فلا نواجهه بأخطائه...فمن نحن حتى نواجهه؟!...لنُخرج أولاً الخشبة من عيوننا!. فإن الرب نفسه لم يرجم المرأة الزانية، بل قال: ’من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها أولاً بحجر‘...فكيف نرجم بعضنا بعضاً؟!...ونحن أيضاً نُخطئ كثيراً، فهل نقبل أن يعرّينا الآخرون ويكشفوا أخطاءنا وضعفنا؟!...فلِمَ لا نستر عيوب الناس كما نطلب أن يستر الله لنا عيوبنا؟!. وأيضاً الحياة الداخلية الحقيقية مع الرب لا تعني أن نرجم غيرنا، ولا أن نكشف عريه، ولا أن نقبّحه ونرذله لأنه خاطئ. بل تعني أن نقبل بعضنا بعضاً، مع أننا خطاة. ولكن ليس على حساب الرب. فالابن الضالّ، عندما أراد أن يعيش حريّته المزيّفة، لم يمكث مع أبيه، بل رحل إلى مكان آخر يعيش فيه بحسب شهواته. وعندما ندم، عاد وعاش مع أبيه. فعندما قبِله الأب، كان الابن خاطئاً. لكنه كان تائباً. ونحن كلّنا خطاة. وعلينا أن نقبل بعضنا بعضاً بمحبة. ولكن علينا أن نسعى إلى التوبة. فحسب إيماني أقبل في بيتي خاطئاً خطيئته كبيرة، ولكنه يريد التوبة وإصلاح حاله. فإن كان الطرف الآخر لا يعرف خطيئته، فحسب محبتي أتكلّم معه وأنصحه بكلام...بدموع...بصلاة حارّة...لأنه خروف ضالّ. وإذا لم يُردْ أن يندم وأن يعود فيتوب، فلا أتساهل في محبتي للرب عندما يرفض ذلك الشخـص أن يندم، بل يريد الاستمرار في حياة الخطيئة بكامل وعيه وإرادته. وعندما يصرّ الإنسان على المضيّ في خطئه رافضاً حتى الحديث عن الله، فماذا يفعل محبّو الرب؟ نراهم حزانى ومتألّمين...بعضهم يختار المسيح ويبتعد عن ذلك الإنسان، حتى ولو كان قريباً جداً له!...والبعض الآخر يختار المسيح أيضاً، ويحاول أن يتمسّك بالمحبة حتى آخر لحظة، مؤمناً أنها تستر كثرة من الخطايا. فيعطي ذلك الإنسانَ فرصة بعد فرصة. وفي كل مرة يقول: ’إن التينة إذا لم تُعطِ ثمراً هذه السنة، أنقب حولها وأضع زبلاً. فإن أعطت ثمراً أُبقيها، وإلا ففيما بعد أقطعها‘. لقد شاع جداً فعل الزنا عن الرب في عصرنا هذا، وبكل الطرق: عبادة أوثان أو أموال...الجاه أو السلطة...فسق...الخ. ورغم ذلك يعجز الأهالي عن طرد أبنائهم خارجاً، ويعجزون عن الصراخ بهم: ’لماذا تفعلون هذا؟‘...ويقولون إنها حرّية أبنائهم الشخصية. وعليهم احترامها وتقبّل عدم رغبتهم بالحديث أو مناقشة مشاكلهم وبُعدهم عن الرب. ولكن إذا أحببنا شخصاً، نكون صادقين معه. فكيف إذا أحببنا الله؟ إن الله واضح في وصاياه. فلتكن محبتنا له صادقة. عندها ننعم بالحريّة الحقيقية. ومهما عملنا لن نخسر إن كان إيماننا هو فاحص أعمالنا. فإن هذا الابن الذي سيهجر البيت بسبب إيماننا وعدم تقبّلنا للطريق الذي يسلكه، لا بدّ أن يعود يوماً بسبب صلاتنا وقوة رجائنا، وبسبب حرمانه من الشركة معنا. إن ذلك أفضل ألف مرة من أن نتركه للخطيئة فيغرق فيها أكثر دون أن يدرك كم يهين الرب بأفعاله. إن الحرية الداخلية التي تُلزمنا أن نكون جادّين وصادقين بمحبتنـا، هي مؤلمـة أحياناً كثيرة...فنخسر بسببها الكثيرين. ولكن نربح بها أيضاً كثيرين من محبّي الله. فمثلاً، إن خسرنا ابناً أو أخاً أو صديقاً من أجل الرب، فإننا سنجد أخاً وصديقاً ورفيقاً من أعضاء الكنيسة المؤمنين. فلماذا نخاف الخسارة؟ ولمَ لا نختـار الرب بصدق كما اختارنا هو بصدق عظيم ومشى طريق الآلام بحرّية تامّة من أجلنا؟. فكيف أستطيع، يا رب، أن أحافظ على حرّيتي فيك؟". فسمع صوت السيد يقول له: "خلقتكم أحراراً، وأريد دائماً أن تعيشوا أحراراً…أريد أن تختارونني لمحبّتكم لي، وليس لأنكم مُكرهين على ذلك. أخبرتكم عن السامري الذي صنع رحمة بذلك المسافر المسكين. لقد كان قلبه حراً بالمحبة، فلم ينظر للأسباب التي تمنعه من أن يُنقذ الرجل...بل بحث في قلبه عن المحبة الحقيقية، فأدرك أنه عليه أن يساعده. فلا تدعْ القيود تمنعك من أن تعيش حرّيتك فيّ. إني إله سلام وترتيب، ولا يوجد فيّ تشويش أو تناقض. أحبك أن تعيش وديعاً...بسيطاً...فتُدرك أسراراً كثيرة. فكم من أحبّائي قد ضلّوا طريقي لأنهم أرادوا أن يسلكوا حسب حرّية أفكارهم! كم من مساكين قد تركوا حظيرتي لأنهم أرادوا أن يتاجروا بأموالهم بعيداً عني! كم من تلاميذ لي قد ضلّوا لأنهم أرادوا أن يُبشّروا بكلام لم أعلّمهم إياه، بل نبعَ من داخلهم! عودوا لأنفسكم عندما تحتاجون إلى قرار...اصمتوا...واطلبوا من روحي القدوس أن ينير أفكاركم ويعزّي قلوبكم. وأنا آتي لأعلّمكم بنفسي، فإن كلامي هو حق وليس فيه باطل. قلتُ: ’إن كانت عينك اليمنى تُعثرك فاقلعها وألقها عنك‘. فخير لك أن تعيش في هذا العالم في عزلة وضيق...بيدٍ واحدة و قدم واحدة...برفيق وحيد...من أن تعيش بيَدين ورِجلين ومع كثير من الذين لا يريدونني. أنا من أملأ حياتكم...فلا تبحثوا عن المِلء خارجاً عني. كل ما تخسرونه في هذه الدنيا من أجلي، سأُعوّضكم عنه أضعافاً. وكل ما تربحونه هنا بعيداً عني، لن تأخذوه معكم". |