الفصل السادس 
 


وفي الأمسية التالية، قال أحد الإخوة: "إن المحبة كالإناء الجميل الذي يمتلئ شراباً. فإذا ذقته وكان لذيذ الطعم، قلتَ إن هذا الشراب يستحقّ أن يوضع في هذا الإناء الجميل. وإن كان رديئاً، قلتَ لا يجوز لإناء رائع أن يحوي هذا الطعم الكريه.
إن الشراب هو الأمانة، فهي طعم المحبة. فإن كنتَ أميناً، كانت محبتك طيبة المذاق. وإن لم تكن أميناً، ضاع طعم المحبة وصارت كأي إحساسٍ لا يُغنيك. فمثلاً إذا نظرت زوجين سعيدَين، وقالا إنهما يُحبّان بعضهما، فبدون أدنى شكّ تعرف أنهما أمينَين لبعضهما. وإذا علمت يوماً بعدم أمانتهما، فصعب جداً عليك أن تصدّق إدّعاءهما المحبة الزوجية. هكذا علاقتنا بالرب مبنيّة على الأمانة. فإن كنّا غير أمينين له...نعبد آلهة أخرى، كالمال أو الجسد، تاركين الخطيئة تشوّه الإناء الذي قدّسه الرب وسكنه...فإن طعم محبّتنا له مكرهة لديه ولا نجرؤ إدّعاء محبّته.
أما إن كانت أجسادنا طاهرة وكنّا أمناء للهيكل الذي سكنه الروح القدس وقت المعمودية، صار لحياتنا طعماً لذيذاً...يحبّه الرب...وإلينا يأتي...وعندنا يجد له مقرّاً.
الأمانة لله لها رموز كثيرة: فإذا عبدنا المال، خُنّا الأمانة، وصرنا كمن يزني عليه. وإن لم نحفظ وصاياه، فلسنا أمينين على ما وعدناه به عندما قبِلناه سيّداً وحبيباً. وكذلك إن لم تكن نوايانا طاهرة، فإن محبتنا هي بغير طعم أيضاً. وإن لم نقدّم له كل ما نملك من مواهب كي ينميها ويكثّرها، نكون غير أمينين على وزناته. وبذلك نسجن محبتنا له في قفص، فلا نتركها تحلّق وتطير في السماويات
بل نقيّدها بالأرضيات الضيّقة الحدود.
إخوتي، لمَ لا نترك أرواحنا تعيش بأمانة مع الرب؟ فهو عريس نفوسنا الذي نترقّبه وننتظره بشوق. والعريس دائماً ينتظر من عروسه أن تكون أمينة له. فإذا وجدها غير ذلك، سيعاتبها قائلاً: ’لمَ تركتِ محبّتي الأولى...؟ انتظرتك حتى تكبري يوماً بعد يوم وتتزيّني بالفضائل...سقيتكِ حبّي ورحمتي وتعزيتي، وانتظرتُ أن تأتيني حاملة ثمار الحُب الطاهر! فلمَ انخدعتِ بشهوات العالم وابتعدتِ عنّي؟...انظري للنبتة، فهي لا تنمو بدون ماء...وأنا الماء الحي الذي يروي ظمأكِ، فلمَ تركتِني؟!‘.
إن الأمانة للمحبة شيء لا ينفصل عنها. ولأن الرب حنون ورؤوف وكثير الأناة، قبِل...رغم كل عدم أمانتنا له...أن نعود إليه مرّة أخرى، فيغفر لنا ويسكن فينا من جديد. حتى الذين خالفوا كل الوصايا وصاروا بعيدين جداً عنه، يعود ويقبلهم. لأنه جاء ليدعو خطاة وليس أبراراً للتوبة.
إن الرب القدير أمين دائماً لوعوده. ورغم الخطيئة التي أبعدت الإنسان عنه، إلاّ أنه حقّق وعده وأرسل ابنه الوحيد كي يكسر قيود الهاوية منتصراً على الشيطان الذي أرادنا ويريدنا أن نخون عهد محبتنا لله، فلا نوفي بوعودنا ونخسر أمانتنا له.
إن الأمانة للرب عاشتها المرأة الخاطئة حين أحبّته كثيراً، فغُفر لها كثيراً. كذلك المخلّع الذي غفر له الرب الكثير، وعده أن لا يعود للخطيئة ثانية؛ بل أن يحبّه كثيراً.
بالأمانة تستطيع محبتنا أن تكون قوية وصلبة تجاه الشدائد والضيقات التي لا ينفكّ الشرير أن يحيكها لمحبّي الله.
بالأمانة يرتبط الزوجان بعلاقة حُب قوية وثابتـة. فكيـف إذا كانت مبنيّـة على
صخرة الإيمان بالمسيح؟ فسيتحوّل بيتهم إلى كنيسة صغيرة، لأنهم عرفوا على من يبنون، مختارين الأساس الثابت الذي لا تؤثّر فيه أمطار ولا رياح. إنه الأساس الوحيد في العالم الذي تنبع منه القوة. إنه الرب يسوع صخرة حياتنا".
وفي أمسية أخرى كان الجو بارداً، فأوقدوا ناراً. قال أحدهم: "انظروا يا إخوتي لهذه النار. إنها تُدفئنا، ولكن لا تحرقنا. هكذا هي المحبة الصحيحة، تُدفئ القلب وتمنع البرد من أن يلمسه. البرد الذي نحسّه نتيجة وحدتنا وغربتنا في هذا العالم. ولكن المحبة تشعله وتدفعه للعمل، فننسى همومنا، وتتّقد فينا محبة الله ومحبة القريب.
أما المحبة الخاطئة هي كالنار تحرق وتدمّر كل شيء. وكثيراً ما يقع الإنسان في مصيدة المحبة الخاطئة...ينجذب إليها من أنانيته وحب امتلاكه فيحترق هو ومن أحبَّه. فمثلاً عندما تربّي الأم ابنها بمحبة خاطئة، تدفعه لأن يصبح كسولاً وأنانياً، وربما لأكثر خطورة من ذلك. تماماً مثل كثرة الماء والسماد تُفسد النبات. كذلك عندما تتمركز الشمس في نقطة ما، فإنها تحرقها. لكن محبة الله لم تُؤذِ ولم تحرق العلّيقة التي اشتعلت فيها. هكذا حلّت محبة الله في أحشاء القدّيسة البتول، فلم تتشوّه ولم تحترق حين حملت بالحب الإلهي!.
كما تُضيء لنا النار هذه الساحة التي نجلس فيها...هكذا هي المحبة أيضاً تُضيء كل ما حولها. وبذلك نستطيع أن نرى، ونميّز ما نرى. بواسطتها نعرف الخير من الشرّ ونميّز مشيئة الله الصالحة. وبما أن الله محبة، فهو نور حياتنا، يفتح كل الأركان المظلمة والزوايا والخبايا في داخلنا كي ينيرها. وأيضاً يفتّش في كل اللفائف والكتب المنسية في حياتنا السابقة ليطهّرها ويضيئها. وهكذا نؤمن بوجوده الدائم في حياتنا. لقد كان معنا...حتى في حياة الظلمة. أشرق علينا ببصيص من نوره، فدفعَنا للقائه والبدء معه.
افتحوا الآن قلوبكم يا إخوتي للمحبة، ودعوا دفئها يذيب الجليد الذي صنعته مصالح هذا الدهر وشهواته...بل دعوا نورها يخترق قلوبكم، فتصبحون كالسراج المنير الذي يوضَع على المنارة فيضيء ويُدفئ قلوب مَن حولكم! لأنه هكذا أرادت محبة المسيح أن كل من يستريح فيه يصبح هو أيضاً مصدر سعادة لقريبه. حتى إن خفتَ نور سراجنا، فلا نيأس...لأنه لن يُطفئه، بل سيُشعله من جديد.
بنور المحبة نجذب الآخرين للرب لأنهم يرونه من خلالنا...بدفئها نعزّي القلوب الصغيرة المشرّدة في الطريق، الخائفة في السجون، المتألّمة في المشافي، الحزينة في المياتم. كلها تحتاجنا نحن أبناء المحبة، لنقوّي ضعفها ونشدّد عزيمتها.
هكذا من يحبّ المسيح، يلهج طوال أيامه بالمحبة، وفكره مشغول بها، وقلبه هائم بها. لأننا بها نلمس الله الذي لا تلمسه أيادينا...نلمسه بقلوبنا، ونُحسّ بوجوده...لأن روحه القدّوس، روح المحبة، موجود فينا".
ثم قام الشيخ ووقف في الوسط قرب النار، وقال: "اليوم، إخوتي، حان الوقت كي نحدّث أخانا الجديد عن محبة الله الفائقة التي تجلّت في أعمق وأكمل صورة لها عندما أخلى الله ذاته وجاء إلى عالمنا، آخذاً جسداً كجسدنا من العذراء القدّيسة. وبعد أن عاش على الأرض مكمّلاً الناموس وشروط المحبة الكاملة، ارتضى أن يتألّم لأجلنا لأنه أحبّنا. فقد قال لنا: ’ليس لأحد حبّ أعظم من هذا أن يضع أحدٌ نفسه لأجل أحبّائه ‘.
لقد بذل نفسه من أجلنا جميعاً، حيث رفع كل خطايا البشرية وحملها عنّا، فاتحاً لنا أبواب الفردوس كي نحيا معه. نعم لقد انتصر الرب على الخطيئة وعلى الموت والظلمة، وصرنا به أبناء النور.
افرح الآن يا يوحنا...إن الرب الذي فداك على خشبة الصليـب قد قبِلـك وأنـت
خاطئ وجدّدك بمحبته وأعطاك القوة. وها أنت الآن إنساناً جديداً وأرضاً طيبة لا بدّ وأنها ستعطي ثماراً كثيرة...طوبى لك لأنك اخترت الحياة...طوبى لك لأنك اخترت النور ورفضت الظلمة، رغم كل شهواتها...طوبى لك لأن إيمانك تقوّى ورجاءك أصبح ثابتاً ومحبّتك صارت كبيرة. الآن عُد إلى قصرك وتأمّل في عذابات رب المجد. وسيكون لقاؤك به قريباً".
عاد يوحنا إلى قصره الصغير، وقضى أياماً يقرأ في الكتاب المقدّس، متأمّلاً في طول أناة الرب يسوع. وكانت دموعه تنسكب غزيرة من عينيه. وأخذ يناجي سيّده: "أتيتك الآن في يوم صلبك وقد أُثقلتُ ألماً...أراك قد عُلِّقت على خشبة الصليب هناك في الجلجلة!...أتمنى أن أمشي طريق آلامك...لكن ضعفي وذلّي ومرارة حياتي السابقة وحرقة دموعي كلها ترميني طريحاً على الأرض، فلا أقوى على الحراك ولا على السير، بل إن الحجارة تئن تحت قدماي!...كيف أقدر أن أذهب إليك لأرى المسامير تُدقّ في عظامك؟!...بأي صوت أناديك وأنا أرتجف الآن فلا أقوى على الصراخ؟!...لِمَ تُصلَب عنّا يـا رب؟!...
أنا كنت ضعيفاً جداً...خطاياي صلبتني...ضعفي وحبّ أموالي وخيانة أحبّائي جعلتني مرميّاً على الأرض لا أقوى على النظر إلى صليبك...لا تقوى يداي على رسم إشارة الصليب...هاتان اليدان التي عاشتا فقط لجمع المال وخزنه!...
هل لي مكان بقربك يا رب؟!...هل لي مكان بين أحبّائك الذين يمشون وراءك...بعضهم يسيرون لأنهم أدركوا أنه بالصليب تمّ الفداء وهُزم الموت...وآخرون يحملون شموعاً ويرنّمون لك. البعض يبكي آماله الضائعة، وآخرون يبكون أحباء لهم رحلوا. منهم من يطلب رحمة أو تعزية. هناك عُرج وعمي وصُمٌّ...وهنا مشرّدين ويتامى. وأنا قلبي يبكي ولا أجد زاوية أختبئ فيها كي لا تراني...إن خطاياي التي صرت أبرصاً بسببها قد أكلتْ لحمي وفتّتت عظامي. وهي تحرقني وتعرّيني وتقتل روحي. والآن سيعلّقونك على الصليب من أجلي، أنا الذي قتلني العالم وهمومه...أتموت أنت من أجلي؟! ها هم يرنّمون لك، قائلين: قدّوس أنت الله...قدّوس أنت القوي...قدّوس أنت الحي الذي لا يموت!
إني أشعر بالموت، فهل ستقبلني الآن؟ ما عدتُ أريد مكاسب العالم...أريد أن أكون بين أحبائك فقط.
كيف ستحملني ركبتاي وهم يدقّون المسامير في يديك ورجليك؟!...ربّاه، ربّاه! لمن تُصلَب؟...أمن أجلنا ونحن نظلم، نقتل، نشوّه، لا نرحم، نحقد، نكفر، ننكرك، نغضب فنهدم؟!
حبيبي، لمن تُصلَب؟...العالم في الخارج كله شر. أطفال يموتون جوعاً، ومرضى بدون دواء...زناة في الحانات، وقلوب أعماها المال! بيوت هدمها بنوها...حروب لا تنتهي...مذابح هنا، وكوارث هناك!
يسوعي، لمن تُصلَب؟...قسّموا جسدك! الجنود لم يستطيعوا اقتسام ردائك، فاقترعوا عليه... وها هم أبناؤك يقسّمون جسدك... كنيستك التي مُتّ لأجلها!... صار لكل جماعة من أبنائك اسم مختلف.
إلهي لمن تُصلَب؟...أعن الذين يقتلون من يحمل اسمك...أم عن الذين يقتلون ويدّعون أنهم من أتباعك؟".
ولكن المصلوب صامتٌ لا يُجيب!
"أجبني يا رب!...كيف تحتمل أن تُجلَد عني، أنا من حملتني أمي بالخطايا؟...أنا من بعتك وخنتك...أنا من لم يرحم أهل بيته...أنا من كنت أدين وأظلم ولا أندم!"
ولكن المصلوب صامتٌ لا يُجيب!
"كيف رضيت أن يسقوك خلاًّ من أجل من يقضـون العمـر في حانات الخمـر
والملاهي...من أجل الذين يبيعونك بصفقة ويشربون نخبها...من أجل الذين يشوّهون اسمك ويصبغون بدماء أحبّائك أعلامهم؟!
ها أنت تسمعني، يا مسيحي، بقلبك الجريح، وقد قبلت طعنة مِن أجل مَن يطعنك كل يوم بألف كلمة! نوّرني...عرّفني...كيف غفرتَ لمن جلدوك وأهانوك؟...هل سيغفر لي أولئك الذين أنا جلدتهم وسرقت لقمة عيشهم ومشيت على قلوبهم، فحطّمت أمنياتهم؟...إن عرفوك، فهل سيغفرون لي حبّاً بك؟
أنا الآن جريح، أصرخ إلى الدنيا كلها...لِم لم أعرفك منذ البداية؟!...لِم تركوني للخطية تشوّهني وتقطّع أوصالي وتجرّحني، وأنت هناك معلّق على خشبة من أجلي دون يُخبرني أحد عنك؟!"
فسمع يوحنا صوتاً يناديه: "انظر يا يوحنا، إني أنا هو!...من أجل كل شيء صُلبتُ...من أجلكم جميعاً عُلّقت: الذين ظلمتهم أنتَ، والذين ظلموك...الذين جرحتهم، والذين جرحوك. من أجل الكل سُمّرتُ...أُهنت...جُلدت...طُعنت! وفي جسدي التهبت كل الخطايا...واحترقتْ. في جسدي حملت آثام الخليقة كلها، فاشتعلتْ بنار عظيمة، هي نار محبتي التي تطهّر كل القلوب. وخرجت من يداي عطايا لكم جميعاً...للذين عرفوني، والذين لم يعرفوني حتى الآن...للذين أنكروني، والذين شهدوا لي...لمن باعوا دمي رخيصاً، ولمن اشتروه بدمائهم. من أجلكم جميعاً...كي تقوموا وتنهضوا من رقاد الخطيئة، فتستريحون من ظُلمها. أعرفُ كم هي أوزار الخطيئة ثقيلة...كم تظلم قلوبكم الصغيرة...كم هي أحمالها عسرة! لذلك جئتُ لأحملها عنكم على خشبة الصليب، فآخذها وأجعلكم أحراراً...خفيفين بالروح...طاهرين...فرحين...صابرين...شاكرين.
صرتُ لكم ذبيحة، وفتحت لكم باب الفردوس! صرت لكم حَمـلاً، فأعطيتكـم أن
تكونوا أبناء الخلاص! صرت لكم مصلوباً، وأهديتكم بلسماً تَضمُد به جراحكـم!
صرت لكم فادياً، كي تصبحوا أبناء النور!
خذ الآن هذا الصليب...ودعْ محبتي تشتعل دائماً في قلبك...وخذ معه قوةً لحياتك!
أما خطاياك السابقة، فقد غفرتها لك. صلِّ الآن من أجل كل من أخطأتَ إليه، أو أخطأ إليك، كي يقبل دعوتي كما قبِلتها أنت!".
وصمت السيّد. وعاد يوحنا ليحسّ بما حوله. وقضى تلك الليلة ساهراً متفكّراً بكلام السيد الذي أدخل السلام لقلبه.
وبعد أيام، رأى حلماً غريباً. فقد أحاطت به ظلمة حالكة من كل جهة. ولمس الحزن والأسى قلبه، وشعر بضيق شديد وسط ذلك الظلام الدامس. وكاد يقع على الأرض غير قادرٍ على التنفّس ولا على حمل ثقل جسمه. وعندها صرخ منادياً الرب: "ألا يوجد شعاع واحد من نور وسط هذه الظلمة؟ أولا تترك لي منفذاً من هذا البؤس الذي أنا فيه؟ ألا أعطني نافذة أرى من خلالها نورك يا رب!"
وإذ به يرى بصيص نور من بعيد. فمشى باتجاهه. ولكن كلما اقترب منه، كان النور يبتعد. فبدأ يركض، والنور يُسرع أمامه، ودموعه تنهمر من عينيه. فصرخ قائلاً: "انتظرني يا رب! إني آتٍ إليك. لا تتركني هنا!". وكان النور يقوده، حتى وصل إلى ساحة تجمّع الناس فيها. كلهم يحسّون بضيق شديد، ولا أحد منهم يدري لماذا.
وبدأ الضيق يزيد ويزيد. وراح بعضهم ينادي الرب ويصرخ: "تعال أيها المسيح، تعال!". والبعض أخذ يجدّف على اسمه القدّوس. والبعض الآخـر صامت، يبكي وينوح، ولا يدري ماذا يفعل.
وفجأة ازدادت سرعة الريح وصارت تدوّي كالإعصار. وعندها أمسك كل واحد بأقرب شيء له كي لا تأخذه الريح. وحلّ بهم هلـع وخوف عظيـم. وبدأ مطـر
غزير يتساقط. وصار الجو بارداً جداً. وراحوا يرتجفون من الخوف والبرد.
وعندها اقترب شخص من يوحنا لم يستطع رؤية وجهه بسبب الظلام، وقال له: "تعال معي وستكون في أمان". أجاب يوحنا: "ولكني أرى ذلك النور وأمشي وراءه. وأنا واثق أنه سيقودني إلى الأمان، أي إلى الله، لأن الله نور وليس فيه ظلمة". ولكن الغريب قال: "ألا ترى الجميع خائفين؟ انظرْ، إنها النهاية. تعال معي وستكون آمناً".
فضعف يوحنا من كثرة إلحاحه ومن شدّة ضيقه، ومشى معه. فأدخله الغريب إلى مكان كبير واسع، فيه ألوف وألوف من البشر. وكلّهم مشغولون، إما ببيع ثيابهم، أو أثاث بيوتهم، أو لعب أطفالهم. هنا قوم يتسوّلون، وهناك آخرون يخطفون ويسرقون. وهكذا كان المكان ليس مظلماً، بل مضاء بأنوار قاتمة ليست جليّة. يرى قليلاً هنا وقليلاً هناك. وهي متقطّعة وخفيفة وداكنة. وأينما ذهب، كان يشمّ روائح نتنة وغير زكيّة. فأحسّ بالغربة والوحشة. وندم على مجيئه. وأراد أن يعود. ولكن الغريب أدخله إلى غرفة كبيرة. فنظر يوحنا مذهولاً لما رآه. فكل ما فيها مصنوع من جواهر ولآلئ وذهب. ونظر لنفسه، وإذ هو يرتدي حلّة ذهبية وينتعل حذاءً ذهبياً. وعلى رأسه تاج من لآلئ نادرة. فأحسّ بالغنى الذي قضى زماناً طويلاً يتمتّع به قبل مجيئه ملبّياً دعوة السيد. واعتزّ بنفسه. وقال للغريب: "لِم تُخفي وجهك عني؟". فأجابه من الظلمة: "تعال هنا وستراني. إني في الزاوية أنتظرك". فذهب، وإذ به شخص قبيح جداً قد ملأت الدمامل وجهه، وعيونه بشعة يشعّ منها الخبث والحقد والرياء والكذب، وابتسامته ماكرة. ولكنه يرتدي أترف وأغنى ثياب رآها يوحنا في حياته. كلها مصنوعة من الماس. وقال يوحنا: "ها قد رأيتني أيها الرجل الغني...منادياً إياه باسمه السابق...هل تريد الآن الرجوع إليّ؟ انظرْ، هنا يوجد كل ما تريد. أستطيع منحك كل ما تشتهي. فإني أملك كل شيء: المال والسلطة...الشهوة والنساء...وكل ما تحلم به. هنا تستطيع أن تفتح قلبك وتملأ كل شهواته بحرية تامة. فقط إبقَ معي، وسيسجد لك كثير من عبيدي وجنودي، فينفّذون أوامرك ويعملون على خدمتك. فماذا تقول؟".
نظر يوحنا لنفسه، وإلى رجل الظلمة، وإلى كل شيء حوله. ثم نادى الرب في قلبه، قائلاً: ’تعال إليّ. إني أحتاجك الآن، يا منقذي!‘. وبعد دقائق صمتٍ، صرخ يوحنا: "أتريد إعطائي المال والسلطة والعبيد؟ قد تركتها هناك، لأني لم أعد أحبّها. أتريد أن أكون من رؤساء الظلمة بعد أن اخترتُ النور؟ وكيف لمن عاش في النور أن يعود فيستتر بالظلمة؟! حاشا لي. أفضل لي أن أكون أصغر خادم في طريقٍ زكي الرائحة من أن أكون من رؤساء طريقك النتن! أتخبرني عن الحرية التي أنفّذ بها رغباتي وأفتح باب شهواتي لها؟ أنا قد أغلقت أبوابها عندما سكنت بقرب السيد، رب النور وإله المحبة. به أحيا. إنه خالق السموات والأرض. إنه الذي افتقدني وناداني. وقد أتيت إليه، وأحببت البقاء معه".
وحاول أن يخرج من تلك الغرفة النتنة، وإذ برجل الظلمة يمسك بيده، مهدّداً: "أُسرتك هناك في قبضتي. سأنتقم منهم". فخاف يوحنا منه. وبدأ يركض ويركض. وتذكّر الألبسة الذهبية، وأراد خلعها. وإذ بها تتلاشى من ذاتها، وعاد يلبس ثوبه الأبيض من جديد.
وبينما هو يهمّ بالخروج، بدأ خوفه على أُسرته يكسر قلبه. فأحسّ بالألـم العميق والحزن الكبير. فناداه شخص يبيع الخبز، قائلاً: "أعطيك رغيف خبز. فقط أعطني ثوبك الأبيض، وخذ ثوبي الأسود". فأجاب يوحنا: : "بالرغم من إحساسي بالجوع الشديد، إلا أني لن أفرّط بثوبي الأبيض. وسأحتمل الجوع، فذلك أفضـل لي، لأني كنت أرتدي ثوباً أسود في حياة الخطيئة. والآن أُلبِست ثوباً أبيض عندما
آمنت بالرب يسوع مخلّصاً لحياتي". وتابع ركضه.
ثم أتى إليه أطفال يبيعون ألعابهم، قائلين: "خذ ألعابنا. سيفرح بها أطفالك. فقط أعطنا بعض المال". وعندها أحسّ يوحنا بأنه يحمل دينارين في يده. وقال لهم: "كم تريدون؟". قالوا: "ديناران". فصمت قليلاً، ثم أردف: "لا أستطيع، أيها الأولاد، أن أفرّط بهما. فإن لهما قيمة كبيرة لديّ". وتابع جريه حتى خرج من ذاك المكان.
وإذا بالسماء مضيئة، والنجوم تتساقط. وقد عمّ الهلع الأرض كلها. وعاد يوحنا ليرى ذلك النور من جديد. فركض باتّجاهه. وقاده النور في طريق طويلة. فأوصله إلى ساحة أخرى، يجلس الناس فيها صفوفاً وهم يرنّمون للسيد منتظرين حدثاً عظيماً، غير مهتمّين بكل ذاك الضيق الذي أصاب الأرض. فأخذ يرنّم معهم للرب. وفجأة رأى هالة مضيئة تحيط بها الملائكة، والسيد في وسطها. كلها نور بنور. تأتي من أعلى الجبل، من مكان قد وُضع فيه صليب كبير. وهكذا أتى السيد، والملائكة تسبّحه. فامتلأ المكان غبطة عظيمة وسلاماً لا حدود له. وانقشعت الظلمة عن كل من كان ينتظر السيد. وهرب الضيق، وحلّ الأمان.
استيقظ يوحنا من نومه، وإذا الشمس قد أشرقت. ففكر ما عسى أن يكون هذا الحلم، وما معنى الدينارين اللذين كانا معه!. وقال لنفسه: ’تُرى لِمَ لم أستطع التخلّي عنهما؟ يجب أن أسأل الكاهن عن معاني هذا الحلم الغريب‘.
فذهب وأخبر الشيخ بكل ما رآه. فنظر إليه وابتسم، قائلاً: "يا ابني يوحنا. إنك ما زلت مضطرباً في داخلك. ولكن قريباً ستأخذ ما يقوّيك ويشتّت أعداءك بفكرهم السيّئ. فإن حلمك يحكي قصة الإنسان الذي يهتدي للرب ويرى نوره، فيختاره...ثم يقوده إلى الأمان والسلام والحياة الحقيقية في الرب يسوع. وأنت كانت تحيط بك الظلمة، لكنك لم تقبل بها، بل ناديت الرب كي يعطيك نوراً. وإن رغبتك الحقيقية في معرفة الرب والمكوث بقربه جعلته يستجيب لك سريعاً مرسلاً لك شعاع نور يدلّك على الطريق الحقيقي، لأنه هو الطريق والحق والحياة. ولذلك فإن كل إنسان في العالم لديه الرغبة الحقيقية والصادقة النابعة من القلب لمعرفة الإله الحقيقي، وأن يكون مستعدّاً أن يتخلّى عن مكاسب العالم ويقبل هذا الإله الحقيقي، لا بدّ للرب القدير من أن يفتح له نافذة يراه من خلالها. وهذا ما طلبته أنت، وهذا ما استجاب له الرب. فإنه المحبّ لكل البشر، ويريدهم أن يعودوا إليه ويستريحوا فيه. ولا يُسرّ بابتعاد الإنسان عنه، لأنه إن لم يثبت بالرب سيهلك لا محالة.
لذلك أتيت أنت من مكان بعيد مليء بشهوات هذا العالم، وقادتك رغبتك الحقيقية لمعرفة الرب لهذا المكان، فأحببت البقاء معنا من أجل معرفته أكثر.
وأما عن الضيق الشديد الذي رأيته: فهو شدّة الآلام والتجارب المحيطة بالعالم...والتي تزداد مع اقتراب موعد مجيء السيد الثاني...حيث يُستعلَن بدء حياة الملكوت الأبدية التي كلها فرح وسلام وليس فيها ألم ولا ضيق ولا شدّة. لذلك كان النور يقودك إلى حيث اجتمع محبّو الرب لينظروه آتياً بمجد عظيم.
أما الذين تمسّكوا بما وجدوا كي لا تجرفهم الريح العاصفة، هم بشر أحبوا العالم...فتمسّكوا بخيراته رافضين التخلّي عنها رغم الريح والبرد القارس والضيق الشديد، لأنه عالمهم، وهم منه. فقد أضعفتهم كثرة خطاياهـم، فلم يقبلـوا الرب. هؤلاء علينا الصلاة من أجلهم كثيراً.
أما الرجل الغريب: هو رجل الظلمة. هو الشرير الذي يصطاد النفوس، فيُضعفها ويُدخلها إلى سجنه. فذاك المكان الذي رأيته ذو الأنوار القاتمة، هو بيت الشر حيث تضيء الخطيئة بنورها الداكن، خادعة الأبصار. لأنها في الحقيقة هي الظلام بعينه. وليس فيها نور، لأنها تنبع من الشر. لكنها تخدع العيون، محاولة أن تقول: ’انظروا إليّ. أنا عندي كل شيء. أنا أعطيكم كل شيء‘. وهذا ما أرادت أن توهمك به.
فطوباك يا يوحنا...لأنك رغم التجربة صرخت في قلبك منادياً الإله القدير أن يبقى معك وينجّيك. وها أنت قد انتصرت به وهربت من الشر. وهذا ما أوصانا به الرب ألاّ نُقاوم الشرير.
أما عن تهديده لك بأسرتك، فلا تخف. إنهم في حمى السيد. وستعود إليهم يوماً لتقودهم إلى الرب. فما من أحد يستطيع أن ينزع شعرة واحدة من رؤوسهم دون إذن من الله. ولن يقوى الشر عليهم دون سماح من الرب. فلا تخف، وصلِّ لأجلهم".
فقال يوحنا: "ومن أولئك الذين أرادوا أن يبيعونني خبزاً مقابل الثياب البيضاء؟" أجاب الشيخ: "هؤلاء هم أناس قد ملك الشر على قلوبهم، فباعوا حياتهم له. وصاروا حزانى، يحسّون بالألم والوحدة بعد أن انخدعوا من شهواتهم. فقادتهم إلى الخطيئة، ظانّين أنها مصدر السعادة. ولكن بعد أن غرقوا فيها، اكتشفوا أنها مصدر بؤس وحزن كبير، لأنها إذا ملكت قلب الإنسان تُنتج موتاً. إنهم يتمنّون أن يعودوا إلى منزلتهم الأولى عند الرب...إلى محبتهم الأولى التي تركوها بفعل الخطيئة وتسليم حياتهم للشر. إنّ الرب المُحب يريدهم أن يعودوا إليه. فلنطلب لهم كي يُخرجهم السيد من بيت الظلمة ذاك، فيرجعون إليه. ها أن أرواحهم قد جفّت، ونفوسهم قد عطشت، فصاروا كالأغصان التي لم تثبت في الكرمة فيبست. لأنه لا حياة لها في ذاتها، بل إن الحياة تأتيها من الأصل، الذي هو الرب يسوع.
فلو كانت محبتهم ثابتة فيه، فما كانوا سقطوا أبداً، بل كانوا أغصاناً حيّة لن تُقطع
وتُرمى في النار، بل هي دائمة الخضرة تعطي أزهاراً جميلة وثماراً طيبة. فمن
أجلنا جميعاً بذل الرب نفسه على الصليب كفّارة عن خطايانا. وذبيحته كانت لمرّة واحدة. وهي كافية لغفران كل خطايا المؤمنين باسمه القدوس...منذ الخليقة الأولى وحتى نهاية العالم. فكل ذبائح العهد القديم كانت ترمز له.
فعندما طلب الرب من إبراهيم أن يقدّم ابنه اسحق ذبيحة له، أطاع رغم حُبه الكبير لابنه الوحيد. ولكن الإنسان لا يستطيع أن يقدّم لله كفارة عن الإنسان. لذلك فجأة رأى خروفاً ذكراً صحيحاً لا عيب فيه مربوطاً إلى شجرة، والذي يرمز للسيد المسيح.
إنّ ذبيحته على الصليب مستمرة في سر القربــان المقدس. فبتناولنا لجسد ودم الرب الأقدسين، يصبح المسيح فينا. ويا لها من نعمة كبيرة أن نتّحد بخالق الكون ومحب البشر، والكامل الذي لم يقدر أحد أن يبكّته على خطية. فبوجوده فينا وعمل الروح القدس فينا، نتقوّى وننتصر على التجارب ونشهد للسيد في حياتنا. بل إنه أيضاً يدعونا لأن نكون كاملين في المحبة.
إن دم وجسد الرب يسوع هما الحياة، لأن من يأكل جسده ويشرب دمه له الحياة الأبدية. هو الخبز النازل من السماء. فقد أكل آباؤنا المنّ في البريّة، ولكنهم جاعوا بعدها. وأما مَن يأكل مِن مائدته المقدسة فلا يجوع إلى الأبد.
ولذلك فالذين رفضوا الرب يسوع مخلّصاً لهم، قد قبِلوا الشرّ في قلوبهم، فأحسّوا بالألم والخزي. وثيابهم السوداء هي رمز لكآبة نفوسهم. لقد أراد ذاك الشخص أن يبادلك ثيابك البيضاء بثيابه السوداء، ظنّاً منه أن الثياب البيضاء هي مصدر سعادتك وقوّتك. لقد لاحظ النور الذي في وجهك، وتمنّى أن يشعّ وجهه كذلك. ولكنه لم يدرك أن النور الذي تعيش فيه هو الذي أعطاك الفرح والقوة، وقبولك للرب هو الثوب الأبيض الذي تستتر به. أما رفض المسيح وقبول حياة الخطيـة هو الثوب الأسود الذي يمنع صاحبه من أن يحسّ بالحياة والسعادة والسلام.
لقد باع ذاك الشخص ثوبه الأبيض كما باع عيسو بكوريته لأخيه يعقوب من أجل أكلة عدس. والآن يريد أن يستعيده بأن يعطيك رغيف خبز ويأخذ ثوبك الأبيض، ثوب الطهارة. فقد عرف قيمته ومعناه بعد أن خسره.
لنصلّ يا يوحنا من أجل كل إنسان قد استتر بالرب أن يحافظ على مكانته رغم الجوع والشدة والضيق. فنحن أبناء الله علينا دائماً أن نختار المسيح رغم الصعاب والمشقّات. ولنصلّ أيضاً من أجل أولئك الذين يريدون العودة إليه، كي يمنحهم القدير القوة والجرأة لينطلقوا معه من جديد في موكب نصرته".
وسأل يوحنا: "وهؤلاء الأطفال الذين كانوا يبيعون ألعابهم، ما هي قصّتهم؟" أجاب الشيخ: "إنهم بشر ضعفاء جداً ليس فيهم عمق في ذواتهم. ظنوا أن الحياة تسلية ولهو، ولم يدركوا أنها عملاً والتزاماً ونمواً في الروح. لذلك غرقوا في الظلمة. ثم أرادوا أن يبيعوك تساليهم كي ينالوا نصيبك الذي اقتنيته بالتوبة والرجوع عن خطاياك وندامتك الحقيقية؛ إذ آمنت بالمسيح رباً ومخلّصاً. أرادوا أن يخدعوك بأن تساليهم ستُسعد أولادك. ولكنها من عالم الظلمة...ولا تجلب إلاّ الحزن والألم، ولا تعطي سعادة. فإن فرح البنين أن ينالوا الحب الدافئ من والديهم. الحب الذي يأخذهم في طريق جميلة يلتقون فيها بالرب يسوع...وليس الحب المدلّل الذي يصرفهم عن التفكير بقيمة حياتهم وهدف وجودهم، بل يتركهم ليغرقوا في عالم اللهو واللعب. حتى إذا ما كبروا دون أن يحس أهلهم بنقطة تحوّلهم، يغرقون في عالم التسالي الأكبر، الذي هو عالم الظلمة وما فيه. فالولد يحتاج لغذاء الروح وتسلية القلب التي هي الترنّم بمحبة المسيح، واللعب بفرح وحُبّ المشاركة، والعيش بصدق وتضحية مع الوالدين والإخوة والمجتمع.
لقد وعدك السيد أن تعود إليهم، حاملاً كنزاً من المحبة الحقيقيـة سيملأهـم
فرحاً وتحيطهم بالسلام والطمأنينة.
أما الديناران فهما جسد ودم السيد المسيح. فهنيئاً لك لأنك لم تفرّط بنصيبك بالرب
وبمحبتك الأولى له. وبقيت صامداً تجاه الخطيئة ومغرياتها. وأنت مدعوّ اليوم مساءً إلى مائدة العشاء مع السيد. فاذهب وتهيّأ بتوبة صادقة، وافتح قلبك لاستقبال رب المجد".

عودة        الرئيسية